قد علم من مذهب مالك أنه لا يرى خيار المجلس، ويعتقد لزوم البيع بالقول وإن لم يفترق المتبايعان، وإن كان من راوي الحديث: "البيعان باخليار ما لم يفترقا"، ووافقه أبو حنيفة على مذهبه هذا، وعلم أيضا مخالفة الشافعي لهما وأخذه بإثبات خيار المجلس اتباعا لهذا الحديث المروي، وأكد هذا عنده أن راويه ابن عمر ﵁ كان يأخذ به، فأكد هذا وجوب العمل به.
ولا يقدح في مخالفة مالك ﵁، لأن راوي الحديث إذا خالفه أخذ بروايته دون مذهبه على ما تذكر بعد هذا في موضعه، لا سيما إذا بدا عذر راويه في المخالفة. وعذر مالك في هذا أنه رأى العمل مضى بخلافه، وقد قال: ليس لذلك عندنا حد ولا أمر معمول
[ ٤٠٥ ]
به، فأشار إلى كون الحديث مخالفا للعمل، وكان يرى اتباع أهل المدينة، وأنه حجة على غيرهم. وتبعه على هذه الطريقة قوم من أصحابه، فذكر ابن المعذل أن استمرار العمل بخلافه يقتضي بكونه منسوخا، وإلى هذا أشار ابن الماجشون أيضا، وإليه أشار أبو الفرج أيضا في أحد أجوبته عنه، وأكد أبو الفرج هذا الجواب بكون هذا مما تعم البلوى به، ثم مع عمومها استمرار العمل به بخلافه، وما ذاك إلا لنسخه.
وهذه الطريقة التي أشار إليها أبو الفرج هي إحدى الطرق التي توجب عند أبي حنيفة ترك الأخذ بالخبر، لأنه من أصله أن لا يقبل خبر واحد فيما تعم البلوى به، وخيار المجلس مما تعم البلوى به، وإنما ورد بإثباته خبر واحد، فتعلقت المسألة من هذا الجانب بعلم الأصول من وجهين سيذكران إن شاء الله تعالى من زيادة هذا في كتاب الأخبار، أحدهما: مخالفة رأوي الخبر له، ولثاني: ورود خبر واحد فيما تعم البلوى به.
وأما رده لاعتقاد نسخه فطريقة ثالثة فقهية، وقد ذكرنا من أشار إليها من أصحابنا.
وأما الطريقة الرابعة وهي المقصودة في كتابنا هذا فالتنازع في قوله ﷺ: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا"، هل أراد بذلك ما لم يفترقا بالإيجاب والقبول، وإن كانا في مكانهما، أو ما لم يفترقا بالأبدان عن مكانهما؟
فيزعم الشافعي أن المراد ما لم يفترقا عن مكانهما، لا سيما وقد ذكر المكان في بعض طرق الحديث، يشير أبو المعالي إلى أن هذا هو المقصود بالحديث، وأن تأويله على الافتراق بالأقوال مما لا يقبل.
ونحن ننبهك على طريقة المختلفين في هذا، فأما أصحابنا فإنهم يقولون: إذا وجب البيع وانعقد فلا يسمى المتبايعان متبايعين (حقيقة، وإنما الحقيقة أنهما) كانا [متبايعين] على الحقيقة حال تشاغلهما بالتبايع والتساوم، فالحمل على الافتراق بالأقوال تقتضيه المحافظة على التمسك بالحقيقة في لفظة المتبايعين، كما بيناه.
وإن قلنا: إن حمل الافتراق على الافتراق بالأقوال مجاز، فإنما صرنا إليه لئلا يتجاوز بلظ متبايعين، وإذا كان لابد من مجاز في أحد اللفظين فالتجوز بذلك في الأقوال أولى من التجوز في تسمية المتبايعين، وقد ورد الشرع بهذا اللفظ في الأقوال، قال تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب)، وقال: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)، والمراد الافتراق بالأقوال مذهبا أو طلاقا.
[ ٤٠٦ ]
وتزعم الشافعية أن حقيقة الافتراق إنما يكون في الأجسام والجواهر التي تقبل الأكوان: الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، وأما أقوالنا فأعراض لا تقبل اجتماعا ولا افتراقا، فإن أطلق عليها ذلك فاستعارة وتشبيه، وتأويل الحديث على مثل هذه الاستعارة والتشبيه (ص ١٨٢) مستكره مستبعد لا يقبل ولا يسمع. وأما المتبايعان فهما متفاعلان، وإنما يسميان بذلك إذا حصل الفعل، كالمتضاربين والمتشاتمين، فإنهما إنما يسميان بذلك إذا حصل الضرب والشتم، فحقيقة المتبايعين من وقع بينهما تبايع، والتبايع هو انعقاد البيع، فالحمل على ذلك ليس بحمل على الاستعارة والمجاز كما صنعتهم في حملكم الافتراق على الأقوال مع ذكر المكان في بعض طرق الحديث.
فهذا هو منشأ الخلاف في هذا التأويل، والالتفات إلى الاحتفاظ على حقيقة لفظة والتسامح في أخرى هو سبب التنازع كما أريناك.
وهاهنا مثل هذه الطريقة من التأويل أيضا، وذلك أنه وقع في بعض طرق الحديث: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله"، فيقول أصحابنا: لو كان من حق كل واحد من المتبايعين الفسخ في المجلس من غير اختيار صاحبه لم يكن لقوله ﵇: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله" معنى، لأنه لا يفتقر حينئذ إلى الاستقالة التي تكون برضا صاحبه.
فيقول أصحاب الشافعي: المراد هنا: لا يحل له أن يفر من صاحبه ويفارقه مخالفة أن يفسخ عليه بحق ما له من خيار المجلس. فيجابون عن ذلك أيضا بأن حمل الفسخ بالخبر على أن المراد بلفظ الاستقالة تعسف واستكراه في التأويل، وقد أنكرتم علينا مثله في حملنا الافتراق على الأقوال، فتساوت الأقدام. وقد نبهنا نحن في كتابنا "المعلم" على هذه الطريقة، فهذا هو المقصد الذي يليق بكتابنا هذا، وإليه أشار أبو المعالي.
وقد رأيت أبا الفرج من أصحابنا يشير غلى طريق آخر في التأويل، ويقول: المراد بالحديث أن قبول الاستقالة والفسخ في المجلس سنة، وبعد الافتراق من المجلس تفضل. وفي هذا التأويل من الاستعباد ما نبهنا عليه، من حمل الفسخ جبرا على الاستقالة التي تكون بالمرضاة، وأبو الفرج إنما ذكر هذا جوابا في جملة أجوبة.
وقد كان القاضي يحيى بن أكثم يتأول الحديث بالافتراق كما قلناه، ويعضد تأويله
[ ٤٠٧ ]
بإجماع العلماء على أن من اشترى سلعة واشترط خيار بائعها أنه لا يحل له إتلافها والتصرف فيها حتى يرضى له بائعها بذلك، ورأيناهم أجمعوا على شرب الماء من السقاء، وهما بالمجلس لم يفارق الشارب من باع منه الماء، وما ذاك إلا لأنالسقاء لا خيار له في المجلس، ولو كان له الخيار ما ساغ له إتلاف مائة من قبل أن يرضى.
ورأيت المغافي أشار إلى طريقة أخرى توجب العدول عن الحديث فقال: إن النبي ﵇ نهى عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة، لأنه لا يدري أمد وقوعها، فلو كان الخيار ثابتا في المجلس لكان من جنس ما نهى عنه، لأنه لا يدري متى يفترقان، وهذه الطريقة التي ذكر المغافي. والطريق الثاني التي أشار إليها يحيى بن أكثم لا تصفو لهما عن شوائب القدح، ولوا الإطالة لنبهناك على ما فيها.
ومما يولع به أصحابنا مناقضة الشافعية بالنكاح، فإنهم لا يرون فيه خيار المجلس. والشافعية تجيب عن هذا بأن معظم البياعات تقع فجأة من غير روية، فكان من المصلحة والحكمة إثبات الخيار ما داما في المجلس ليتلافى به الغالط غلطه، فإذا افترقا فإن ذلك علم على أن كل واحد منهما روي وفكر فأبصر فاعل ما رأياه صوابا، ولو كان في مهلة من النظر لأمكن أن لا يفارق صاحبه، لأنه قد لا يلقاه بعد اليوم، والنكاح بخلاف ذلك. والمراد من النكاح الأعيان، بخلاف المعاوضة المالية، ألا ترى أن الوكيل يبيع وينعقد بيعه وإن لم يسم من وكله، ولا ينعقد إنكاحه حتى يسمي للزوجة من وكله فتعرفه، لأن القصد في النكاح الأعيان، فلابد أن يعرف، فإذا عرفت حصل المقصود. وقد التزم أصحاب الشافعي على هذا التعليل إثبات خيار المجلس من جانب الصداق، لكونه مالا، ولهم فيه اضطراب لا يليق إيراده بكتابنا هذا.