اعلم أنه لا يسمع تأويل المتأول إذا أخرج الكلام بتأويله عن مجراه المألوف في اللسان، وعن الفصيح من اللغات، حتى يصير التأويل متعسفا مستكرها، يلحق كلام صاحب الشرع بغث الكلام وركيكه، لأن ردئ الكلام ومستهجنه إنما يقع فيه المتكلم إما عن جهل به، وهذا لا يضاف إلى صاحب الشرع، وإما عن إيثار الأدنى، والقصد إلى الأدنى من غير عذر ولا ضرورة، والعقل يقتضي إيثار الأفضل مع السعة والاختيار، كما يسامح في العدول عنه مع الاضطرار، كتسامح أهل اللسان بما يقع في القوافي من إقواء وغيره من عيوب، ويتسامحون بصرف ما لا ينصرف، إلى غير (ص ١٧٢) ذلك مما عليه ضرورة الشعر وضيق الوزن، على خلاف بينهم في بعض ما يتسامح به في مثل هذا مما هو مبسوط في كتبه.
فإذا قال القائل: إن غسل الرجلين مما اختلف الناس فيه، فالذي عليه أئمة الفقهاء وجمهور المسلمين في سائر الأمصار على كرور الأعصار أن فرض الرجلين في الوضوء
[ ٣٨٨ ]
الغسل لا المسح، وشذ قوم فذهبوا إلى أن الفرض فيهما المسح، وانفرد الطبري فقال بالتخيير بين هذين المذهبين، فإن شاء المتوضئ عنده غسل وإن شاء مسح.
فيحتج من ذهب إلى أن فرضهما المسح بقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) - بالخفض - في قوله: (وأرجلكم) على قراءة النحويين وابن كثير وأبي بكر، والخفض عطف على الرأس، والرأس منصوص على مسحه، فكذلك ما عطف عليه وهو الرجلان.
فيجيب جماعة الفقهاء القائلون بأن الفرض الغسل خاصة بأن الخفض إنما وقع هاهنا على الاتباع والجوار، والخفض على الاتباع غير مستنكر، والعرب تتبع لفظة إعراب لفظة تجاورها، وتغير حكم الإعراب طلبا لاسترسال الكلام، وانبساط اللسان في التكلم، ومرور الصوت على السمع على مجرى واحد لا يتنافر على السمع باختلاف حركات الإعراب. ألا ترى وقد حكى الخليل عنهم أنهم يقولون: هذا حجر ضب خرب - بخفض لفظ "خرب" - إتباعا لإعراب اللفظة التي قبلها، وهو قوله "ضب" - بالخفض - ومعلوم أن الضب لا يخرب وإنما يخرب جحره، فالأصل أن يقال: "خرب" - بالرفع - نعتا للجحر الذي هو مضموم، وأنشدوا في هذا بيت امرئ القيس في قصيدته المعلقة:
كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل
وقد أجيب هؤلاء عن هذا التأويل، وهو حمل الآية على خفض الجوار بأربعة أجوبه:
- أحدهما: أن ذلك إنما حسن في كلام علم السامع قطعا مراد المتكلم به ولم يلتبس معناه، لأجل تغيير إعرابه، ولهذا قالوا: هذا جحر ضب خرب، للعلم الضروري بأن الضب لا يوصف عندهم بالخراب في مثل هذا الكلام، وإنما يوصف بالخراب الأحجار والأبنية، وهكذا قوله "في بجاد مزمل" معلوم أن المراد بهذا كون كبيرة الأناس هو المزمل لا البجاد، لأن البجاد كساء مخطط بخطوط سود وبيض، وهذا لا يوصف بأنه يزمل، لكنه مما يزمل به.
وقوله تعالى: (وأرجلكم) ليس في العقول مما يحيل التعبد بمسح الرجلين دون غسلهما، فلا يصح خفضهما على الجار، لأن في ذلك تلبيس معاني الكلام وإغراء السامع بأن يفهم من الكلام غير المراد به، كما لبس هذا على قوم وأغراهم حتى ذهبوا إلى أن الفرض مسح الرجلين.
وجواب ثان وهو أن الجوار إنما ورد فيما ليس فيه حرف عطف، وأما مع دخول حرف
[ ٣٨٩ ]
العطف فإنه لم يرد، لأجل أن في وروده بذلك إفسادا لحقائق العوامل الإعرابية.
وقد ذكر في الاعتذار عن هذا بأنه قد قرى: (وحور عين) - بالخفض في حور، وبالرفع - وإحدى القراءتين على الاتباع، على ما ذكرناه فيما أمليناه من كتبنا الفقهية، وذكرنا هناك استشهادا آخر للخافضين على الجوار.
وأجيب عن هذا بجواب ثالث، وذلك أن سيبويه قال: إنما حسن خفض خرب في قولهم: هذا جحر ضب خرب، لأجل أن قولك جحر، وقولك: ضب، كلمتان: مضاف ومضاف إليه، والمضاف والمضاف إليه يقدران كالكلمة الواحدة، وفي هذه الكلمة الواحدة إعراب بالخفض وهو الضب، فحسن اتباع اللفظة الأخرى لهذه، لأنها وما قبلها كلفظة واحدة، فكأنه باتباع اللفظة الثانية في الإعراب اتبع الأولى، لكون الثانية والأولى كالكلمة الواحدة. ويعضد سيبويه اعتلاله هذا بأن الخليل لما حكى في الإفراد حكى عنه في التثنية: هذان جحرا ضب خربان، فرجع في إعراب خرب إلى الأصل، لما ثناه لأجل أن "ضب" مفرد، والجحران اثنان، والاثنان خلاف الواحد، فلا يحسن أن يقدر الجحران وهما اثنان كبعض اللفظة الأخرى وهو الضب، وهي لفظة مفردة.
وهذا الاعتذار الذي أورده سيبويه واعتل به في هذا، لا يوجد في قوله تعالى: (وأرجلكم)، وإن كان أيضا لا يوجد في بيت امرئ القيس.
وأجيب عن هذا بجواب رابع وهو أن العرب تقول: تمسحت للصلاة بمعنى توضأت للصلاة، ويسمى الغسل مسحا، وقفت على هذا في كتاب "غريب الحديث" لابن قتيبة، ذكره عن بعض أئمة اللغة.
وقد أجيب عن هذا بجواب خامس وهو الذي اختاره سيبويه، وهو كالبسط لهذا الجواب (ص ١٧٣) الرابع الذي حكيناه عنه، وذلك أنه زعم أن العرب تعطف اللفظ على اللفظ عند تناسب في المعنى واشتباه في المرمى، ولا تعطف على اختلاف ما يعرض لهذين المتناسبين حرصا منها على الاسترسال في الكلام، وانبساط اللسان فيه، وحمل مؤونة الاختلاف عن اللسان والسمع، ولهذا أنشدوا
يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا
[ ٣٩٠ ]
والرمح يعتقل ويتأبط ولا يتقلد به، ولكنه لما كان التأبط والاعتقال حملا للرمح، والتقلد حملا للسيف فتناسبا من ناحية كونهما محمولين، حسن هاهنا عطف الرمح على السيف، ومنه قول لبيد في معلقته:
فعلا فروع الأبهقان وأطفلت بالجهلتين ظاؤها ونعامها
يروى: فروع - بضم العين - ومعناه: عاشت الأرض وعاش ما فيها، ألا ترى قوله: وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها. ويروى - بنصب العين - ومعناه فعلا السيلُ فروع الأيهقان، والأيهقان: الجرجير البري، الواحدة: أيهقانة، والجلهتان: جانبا الوادي هما ما استقبلك منه، ومعنى البيت: إنه يصف أن هذه الديار قد خلت فكثر أولاد الوحش بها.
والشاهد على غرضنا من البيت قوله: وأطفلت، والنعام لا يقال فيه: أطفل، وإنما يقال فيه: أفرخ وأرأل، ولكن الفرخ لما كان في معنى الطفل، حسن فيه الاتباع.
ومما أجاب به بعض حذاق النحوية عن هذه الشواهد، وهو جواب سادس أن قول ارمرئ القيس على تقدير الحذف، والمراد في بجاد مزمل به الثبير، ثم حذف، وهذا كقول من يقول: كسيت جبة زيدا، والحذف يستعمل في هذا، كما تقول: مررت برجل فكسوته جبة، ثم تكني عن الجبة فتقول: مررت برجل فكسوته، ثم تحذف الهاء. وهكذا التقدير: هذا جحر ضب خرب جحره، ثم حذف جحره، وأبقى الإعراب على حاله. ومثل هذا التقدير الذي ذكرناه لا يتصور في قوله تعالى: (وأرجلكم).
والمقصد من هذا كله أن حمل الآية على الخفض على الجوار تعسف في التأويل، وخروج الإعراب عن الأصل إلى ما لا يحسن إلا عند الضرورة. هذا مع أن التأويلات التي ذكرناها تمنع من تصوره وتقديره في الآية على كل حال، على حسب ما كشفنا لك عن علل تلك الشواهد نظرا، نظما ونثرا.
فإن قيل: قد قال تعالى: (وأغلالا)، وفعالل الذي هو وزن سلاسل، وفعايل أيضا، لا ينصرف في معرفة ولا نكرة إلا في ضرورة، وقد جاء القرآن بصرفه على قراءة من قرأ بذلك من غير ضرورة.
وعن هذا جوابان:
أحدهما: أن في الغايات ومقاطع الآيات بعض أحكام القوافي، والألف في
[ ٣٩١ ]
"سلاسل" يحكي إطلاق القوافي، ثم قد تبدل العرب الألف نونا تستروح إلى غنتها استرواحها إلى استرسال الألف.
والثاني: أن الأصل صرف كل اسم متمكن، ومنع الصرف في حكم تضييق طارئ على الكلام، فلم يبعد في فصيح الكلام رده إلى أصله. وأما الخفض على الجوار فخروج على الأصل والقانون، ولا يحسن الخرو عن الأصل إلى لضرورة.
ولما ذكرنا ما تعلق بقراءة الكسر في قوله تعالى: (وأرجلكم)، فلنذكر ما يتعلق بقراءة النصب، فقد قال أيضا الصائرون إلى المسح أن النصب إنما ورد هاهنا على حكم العطف، على إعراب الرؤوس، قبل دخول حرف الجر علهيا، فكأنه قال: وامسحوا رؤسكم وأرجلكم، والمراد مسح الأرجل عطفا على موضوع إعراب الرؤوس قبل دخول حرف الجر عليها، ألا ترى قولهم: يا عمر الجواد، فإن المنادى المفرد، وإن كان مرفوعا في اللفظ فمحله النصب على ما عرف في كتب النحاة، فأجرى قولهم: "الجواد" على الإعراب المعنوي لا اللفظي.
ولما رأى الطبري أن قراءة النصب وإن احتملت هذا فالأظهر إجراء إعرابها على حكم الظاهر، فالقرض على مقتضاها الغسل عطفا على المنصوب المتقدم، وهو الوجه واليدان، ورأى قراءة الخفض تفيد المسح كما بيناه، وأبطلنا ما تؤول سواه من الخفض على الجوار، ولم يراع التأويل الذي حكيناه عن سيبويه وعن بعض أهل اللغة، أثبت التخيير بين مقتضى هاتين القراءتين، وخير المتوضئ بين الغسل والمسح.
وهذه الطريقة التي سلك لا تصفو له إلا بأن يبطل إيجاب فرض الغسل والمسح معا، ويرى أن المكلف لا يجب عليه الجمع بينهما، فيصار إلى التخيير عند هذا التأويل والتنافي المقدر بالدليل الذي يقيمه على منع إيجاب النوعين جميعا. وأما إن لم يقم دليلا على هذا فيقال له: الواجب على مقتضى طريقتك الإتيان بالغسل والمسح (ص ١٧٤) جميعا، إذ لا تنافي في العقل في الجمع بينهما.
ومعتمد جمهور المسلمين على الغسل، ويستدلون على ذلك بما أوردناه وبسطناه في كتبنا الفقهية من الآثار وعمل السلف، والتحديد بالكعبين كما حد بالمرفقين، إلى غير ذلك مما ذكرناه مما ليس هذا موضعه.
[ ٣٩٢ ]