اعلم أن خمس الغنيمة قد أنزل الله فيه سبحانه: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القرب واليتامى والمساكين وابن السبيل)، فهذا الخطاب أفاد صريحه من يصرف إليه الخمس، وأفاد ضمنه من يستحق الأربعة أخماس وهم الغانمون، وهذا كقوله تعالى: (وورثه أبواه فلأمه الثلث)، فإن صريحه يقتضي استحقاق الأم الثلث، وضمنه يقتضي استحقاق الأب الثلثين.
وقد اختلف العلماء في هؤلاء المسمين لصرف الخمس فيهم، كما اختلفوا في المسمين لصرف الزكاة فيهم، كما قدمناه.
فذهب أبو العالية إلى استحقاق جميع من ذكر في هذه الآية لهذا الخمس، فرآه يقسم على ستة أجزاء، جزء لله سبحانه ومصرف هذاالجزء في رتاج الكعبة لاستحالة صرفه إلى الله سبحانه على الحقيقة، وجزء آخر يصرفللنبي ﵇، وجزء آخر للذوي القربى، وجزء آخر للتيامى، وجزء آخر للمساكين، وجزء آخر لابن السبيل.
ورأى الشافعي أنه يصرف إلى خمسة مصارف (ص ١٧٥) وأسقط من هذه الستة الجزء المضاف إلى الله سبحانه، لا يقال للشافعي: إنك هاهنا عطلت بعض اللفظ كما يقوله هؤللاء لأبي حنيفة في آية الزكاة، وقد تقدمت، لأن أبا العالية وغيره من العلماء قد سلموا أن الصرف إلى الله سبحانه على الحقيقة يستحيل، فلابد من تأويل اللفظ، فيقول أبو العالية: المراد به صرف إلى ما يقصد به وجه الله سبحانه، وهو رتاج الكعبة، ويول الشافعي: إنما ذكر اسم الله هاهنا تيمنا وتبركا وإشعارا بأنه سحبانه هو المقصد بالتقرب إليه بهذا المال.
وأما سهم الرسول فاتق على سقوطه بوفاة النبي ﵇، ولكن اختلف القائلون: إنه كان ﵇ يستحقه أيام حياته، فيمن يصرف إليه بعد موته.
فقال الشافعي: في مصالح المسلمين، وقال غيره: يرجع إلى أربعة أصناف
[ ٣٩٤ ]
المذكورين معه: ذوي القربى ومن بعدهم. وقال غيره: بل يرجع إلى من يلي بعده. وذهب أبو حنيفة إلى قسمه على ثلاثة أصناف، فاسقط ما أضيف إلى الله سبحانه كما صنع الشافعي، وأسقط ما أضيف إلى النبي ﵇، وأسقط ما أضيف لذوي القربى، واختلف أصحابه؛ هل كانوا يستحقونه في حياة النبي ﵇؟ ولكن هذا الاستحقاق سقط بموته، أو كانوا غير مستحقين له أصلا.
وذهب مالك إلى صرف الخمس إلى الأوكد فالأوكد من الأصناف المذكورين، فتلخص من هذا أن مالكا لا يعين له مصرفا ولا يعدده، وأن من سواه يعينه ويعدده. فأبو العالية صرفه في ستة، والشافعي صرفه في خمسة، وأبو حنيفة صرفه في ثلاثة.
وتشعب من هذا الخلاف الثلاثة أقوال المذكورة، فيمن يصرف إليهم سهم النبي ﵇، فمن قال: يصرف سهم النبي ﵇ في مصالح المسلمين تعلق بقوله ﵇: "ليس ليس مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم".
وتعلق من يراه يصرف إلى من يقوم بالأمر بعده بقوله: "ما أطعم الله نبيا طعمة إلا جعلها لمن يقوم بالأمر بعده" الخبر كما وقع.
ومن يقول: يعود على بقية الأصناف يعتل بأن سائر الأصناف مستحقون لهذا المال، فإذا سقط حق بعضهم عاد على من سواه من المستحقين له المشاركين له في الاستحقاق.
وأبو العالية يتعلق باللفظ، ويرى أن التنصيص على أصناف ذكروا بصفاتهم كالتنصيص على أشخاص ذكروا بأسمائهم، فكما لا يصح تعطيل بعض أسماء الأشخاص، فكذلك لا يصح تعطيل بعض أسماء الأصناف. ويرى الشافعي ما رآه، ولكنه أسقط ما ذكرناه لما حكيناه من القربى، ويرى أبو حنيفة ما يراه الشافعي في الإسقاط على الجملة، ولكن زاد في الإسقاط ذوي القربى، واعتقد أنهم إنما يعطون إذا كانوا فقراء محاويج، والقصد بالآية سد الخلة فيمن ذكر بعدهم، فكذلك القصد فيهم.
فإن قيل له: لام عنى لذكر القرابة، لأن الفقير من قرابة النبي ﵇ عندك كالفقير ممن سواهم، فذكر القرابة على هذا لغو، والقصد إعطاء الفقير، ولا يحسن أن يكون قصد المتكلم الأمر بإعطاء الفقراء فيقول أبو حنية: لما كانت الزكوات حراما على هؤلاء الأقرباء، وإن كانوا فقراء أمكن الخمس حراما عليهم، وإن كانوا فقراء أيضا ـ
[ ٣٩٥ ]
فالقصد بذكرهم رفع هذا الإشكال العارض.
وهذا لا ينجيه من كون تأويله معطلا للفظ، لأجل أنه يجوز حرمانهم وصرف هذا النصيب إلى فقراء غيرهم، وهو إذا صرف إلى من سوادهم صار اللفظ معطلا، وكل تأويل عطل اللفظ فإنه غير مقبول. هذا، وهو يرى أن الزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون القياس، وقد قال الله سبحانه: (ولذي القربى)، ولم يقل فقيرا ولا غنيا.
فإذا قال أبو حنيفة: المعنى: ولذي القربى الفقراء. قيل له: هذا تقييد لمطلق، وزيادة على نص بقياس مستنبط، وذلك مما يمنعه، كما منعته في اشتراط الإيمان في الرقبة لعتق في الظهار، فإن الله سبحانه يقول: (فتحرير رقبة) ولم يقل مؤمنة. فرأيت أنت أن قولنا وقول الشافعي لا يجزئ في الظهار إلا رقبة مؤمنة زيادة على النص، فلا يسوغ لنا عندك رد هذه الآية التي في الظهار إلى آية كفارة القتل لما قيد فيها بالإيمان، فقال: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فكذا يجب أن يقول بما قاله الشافعي: إن هذا النصيب (ص ١٧٦) من الخمس يجب أن يعطي لقرابة النبي ﵇ الأغنياء منهم والفقراء، يأخذونه على حد سواء.
وقد وقع في هذه المسألة استدلالات أخر، تحتاج إلى حكومة بين المتأولين، فمن ذلك ما روي أن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ أتيا النبي ﷺ، لما أعطى من الخمس بني هاشم وبني عبد المطلب وتركهما، فقالا: يا رسول الله: إنا لا ننكر فضل إخواننا من بني هاشم للمكان الذي وضعك الله فيه منهم، فما بال بني عبد المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟ فقال ﵇: "أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد، هكذا، وشبك بين أصابعه" الحديث كما وقع.
وبسط هذا الحديث أن جد النبي ﵇ الخامس منهم عبد مناف، وذلك أنه ﷺ: محمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف. وكان عبد مناف هذا له خمسة بنون، منهم واحد لم يعقب، وهو أبو عمرو، والأربعة عقبوا وهم: هاشم جد النبي ﵇، وعبد شمس جد أعلى لعثمان بن عفان، ونوفل جد أعلى لجبير من مطعم، والمطلب أخ لهؤلاء الثلاثة رجال، فقرابة عثمان وجبير ﵄ كقرابة بني المطلب، لأنهم أبناء رجال إخوة، فهذا معنى قولهما: قرابتنا وقرابتهم واحدة.
[ ٣٩٦ ]
وأما بنو هاشم فهم كما قالوا له: هم أقرب إليه، لأنهم وإياه أولاد جد، وهاشم وهؤلاء أولاد إخوة هاشم، فتنازع الإمامان في هذا الحديث، فيقول أبو حنيفة: أضرب ﵇ في هذا الحديث على التعليل بالقرابة وقصد إلى التعليل بالنصرة والمشادة، ألا تراه بقول: "أنا وبنو عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام"، ومثل المشابكة التي بينهم في المعاضدة بمشابكة الأصابع بعضها ببعض، فأشعر بذلك أن القرابة ليست بسبب في استحقاق هذا المال.
ويقول الشافعي: ليس الأمر كذلك، وإنما ذكر النصرة والمعاضدة ترجيحا لقرابة على قرابة، وإن كانت النصرة بمجردها لا توجب استحقاقا في هذا النصيب، ومثل ذلك في الشريعة أن الأخ الشقيق يحوز المال إذا انفرد، وكذلك الأخ للأب يحوز المال إذا انفرد، فإن اجتمعا أسقط الشقيق الأخ من الأب، وإن كانا جميعا أخوين من الأب، لزيادة الشقيق القربى من جهة الأم، وإن كانت هذه الزيادة لو انفردت لم توجب تعصيبا، لكنها إذا ضامت التعصيب أكدته ورجحته، وكذلك نصرة هؤلاء لما ضامت قرابتهم، أكدت قرابتهم ورجحتها.
ويبطل ما تخيله أبو حنيفة من تأويل هذا الحديث أنه ﵇ أقرهم على اعتلالهم بالقرابة، وإشارتهم إلى أنهم يستحقون، وهو ﵇ لا يقر على باطل، فلو كانت القرابة ليست بسبب هاهنا، وإنما السبب الفقر لأنكر عليهم اعتلالهم بالقرابة، ولما سلم أخذ بني هاشم بالقرابة. ومن هذه الجهة يكاد هذا التأويل للحديث يلحق بما نحن [فيه]، لأنه ﵇ إذا اقر على التعليل للاستحقاق صار كأنه هو الناطق به، والتحيل على التعليل يبطل حكم نطقه لا سبيل إليه.
وهكذا صنع القوم أيضا في قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القربى* فلله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، فذكر الستة الأصناف المذكورين في سورة الأنفال في خمس الغنيمة، وعلل استحقاقهم بأن لا يكون هذا المال دولة بين الأغنياء، وهذا التعليل يمنع إعطاء قرابة النبي ﵇ إذا كانوا أغنياء، وإذا امتنع ذلك بحق هذا التعليل فقد ثبت التقييد بالفقر والحاجة في ذوي القربى المذكورين في آية الانفال، وهذا هو المطلوب. وهذا من آكد ما يتعلق به أبو حنيفة.
ويقول الشافعي: إني لا أخص المعنى من قرابة النبي ﵇ بهذا النصيب فأجعله
[ ٣٩٧ ]
دولة بين الأغنياء، ولكني نعطي الغني كما نعطي الفقير، وليس هذا المال دولة بين الأغنياء خاصة، والآية إنما منعت من كونه دولة بين الأغنياء خاصة.
وإذا انتهى التأويل إلى هذه الطبقة من الإشكال خرج عما نحن فيه، وإن كان موضع بسط كتب الفقه.
واعلم أن مما يتعلقبهذه النكتة التي نحن فيها، أنها تعاليل مستنبطة من لفظ، عادت بتخصيص اللفظ، والعموم لا يخص بعلة مستنبطة منه، لأن العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها (ص ١٧٧) وكمال فائدتها، فإذا استقرت فائدتها وما يفيد لفظها، بحث الباحث عن سبب القول بعد تحصيله، فيتحصل من هذا أن العلة تابعة لتحصيل معنى اللفظ وما يفيده، وهذا يمنع التخصيص بعلة مستنبطة منه، لأنا نقدم قبل النظر في علة إفادته للاستيعاب، فإذا كان مفيدا للاستيعاب نظرنا في سبب إفادته للاستيعاب، وهذا يناقض التخصيص منه فيه. لكن لو كان التخصيص باستنباط علة من اصل آخر ولفظ سواه لكان فيه الخلاف الذي قدمناه في بابه، وذكرنا سبب الخلاف فيه أيضا.
وبهذا يرد بعض الحذاق ما صنعه أبو حنيفة في مسألة ذوي القربى ومسألة الزكاة، فإنه استنبط علة من تعداد هذه الأصناف، أسقط بها بعض اللفظ المشتمل على بعض الأصناف.
وهذا كمنعه من التعليل للربا بالكيل لكون اليسير من البُر الذي لا يكتال ليسارته فيه الربا لعموم قوله: "البُر بالبُر"، واستنباط الكيل من هذا اللفظ يخص هذا اللفظ.
وهكذا صنع في إجازة افتتاح الصلاة باللفظ الذي فيه تعظيم الله سبحانه قياسا على التكبير لما كان فيه تعظيم، فاستنبط من التكبير الوارد به الشرع علة عطل! بها لفظ الاختصاص الوارد به من قوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وهكذا صنع في التسليم وأجاز الخروج بغير لفظ التسليم.
وهكذا أباح الاقتصار في الصلاة على بعض الآي سوى أم القرآن تخيلا أن القصد قراءة قرآن ما، فعطل ما ورد من الاختصاص بأم القرآن.
وهكذا أجاز إخراج قيمة شاة عن أربعين شاة، فعطل اللفظ الوارد بالشاة، بأن استنبط منه أن القصد سد خلة المحاويج بهذا المقدار، وإن كان في مذهبنا نحن اختلاف في إخراج القيم في الزكاة ذكرناه وذكرنا سبب الخلاف فيه في كتاب "شرح التلقين".
[ ٣٩٨ ]
ومن نظر إلى أن الزكاة وجبت لأجل أن الإسلام قرابة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقد وجب في الشرع النفقة على القريب على الجملة مواساة له، فكذلك قرابة الإسلام، لكنها من عام إلا عام لكونها قرابة عامة، فصار المستحقون للزكاة من الأصناف المذكورين كالمستحقين بقرابة النسب، فلا ينوب بعضهم عن بعض، ترجح عنده ما قاله الشافعي.
ومن نظر إلى أن الله سبحانه له على عبده نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، فشكر عن صحة البدن والانتفاع بأعضائه باستخدام الأعضاء في الصلاة والحج وغيره من العبادات، وشكر نعمة الانتفاع بالمال بالخروج عن جزء منه إلى الله سبحانه، والله سبحانه لا يناله لحومها ولا دماؤها، لكن أعطيت الزكاة للمحاويج نيابة عن الله سبحانه فيما تكفل لهم به من أرزاقهم، فالمقصود بشرعها شكر النعمة بالمال وجنس ما يعطى، ومن يعطي كالدلالة في تأدية شكر هذه النعمة، ترجح عنده جانب من رأى إجزاء صرف الزكاة إلى أحد الأصناف.
وكتب الفقه أحق ببسط هذا من كتابنا، لكن بسطنا هذه النكت بعض البسط، لأجل أن اختصرنا ما أمليناه في مصرف الزكاة مما قدمنا في هذا الكتاب.