لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"
اعلم أن الكلام هناهنا في هذه المسألة من وجهين:
- أحدهما: في إثبات النية.
- والثاني: في محلها.
فأما إثباتها فإن الصوم على خمسة أقسام:
- صوم واجب بإيجاب الله معين كرمضان.
- وصوم واجب بإيجاب المكلف معين كنذر شهر بعينه.
[ ٣٨٠ ]
- وصوم واجب بإيجاب الله سبحانه مضمون كالكفارات.
- وصوم واجب بإيجاب المكلف مضمون كنذر شهر بغير عينه.
- وصوم تطوع.
فجميع هذه الأنواع تفتقر إلى نية عند فقهاء الأمصار، وخالف زفر فقال: الصوم المعين الواجب الذي لا يصح زمانه إلا للصوم، وقد عينه الله سبحانه للصوم، وصار مستحق العين في ذلك لا يفتقر إلى نية كرمضان، لأن رمضان أوجب الله صومه، لم يجعل أيامه صالحة للفطر، ولا إلى صوم النفل، ولا لقضاء صوم واجب كفارة أو قضاء، وهذا في حق الحاضر الصحيح.
وأما من له إفطاره للمرض أو السفر فلا بد أن ينوبه، لما حصل من التمييز فيه. وقدر زفر استحقاق هذه الأيام لهذه العبادة مغنيا عن النية، لأن القصد في شرع النية التمييز، وإذا لم يصح في رمضان إلا الصوم، ولم يفتقر إلى قصد تمييزه من غيره من الأيام، فإنها تصلح للإمساك عن الطعام عادة وللإمساك عبادة، فافتقر أحد الإمساكين وهو العبادة إلى قصد (ص ١٦٨) تمييزه عن نقيضه الذي هو الفطر، وهذا هو الذي يعتمد عليه الرجل، لا على ما أشار إليه بعضهم من أنه رأى الصوم تركا للطعام، والتروك لا تفتقر إلى نية، ألا ترى أن المصلي واب عليه أن يترك الطعام والكلام في الصلاة، ولا يجب عليه أن ينوي ذلك، ولو كان الرجل يعتمد على هذه الطريقة عندي لكان متناقض المذهب، لأن سائر أنواع الصوم تتساوى في كونها تركا للطعام والشراب، ثم مع هذا هو يوجب النية في معظم أنواعها، فما ذلك إلا لما قلناه، لا ما يقوله هذا المتأول عليه.
ويعتمد زفر في الاستدلال على صحة ما أصل بأن رد الوديعة، ورد المغصوب لا تفتقر إلى نية، لما كان رد الوديعة والغصب لا يتنوعان إلى فرض ونفل، ولا يرخص في تركها، فاستغنى عن النية فيها.
ونوقض زفر بمن استيقظ فيها طلوع الشمس بمقدار ما لا يحمل أكثر من صلاة الصبح، فإن هذا الزمن قد تعين للصلاة، ولا رخصة في تركها، ولا يصح التنفل بها، ثم مع هذا لابد لهذا المصلي من نية، والصلاة والصوم عبادات بدنية، والغضب والوديعة حقوق مالية، فرد العبادة البدنية إلى عبادة بدنية أولى من ردها إلى حقوق مالية. وأيضا فإن الصلاة والصوم حقان لله سبحانه، و[رد] الغصب والوديعة حق للخلائق، فرد حقوق الله سبحانه بعضها إلى بعض أولى. وهذا ستعلم طرق الترجيح فيه إن شاء الله في كتاب القياس، وإنما ذكرناه هاهنا لتعلقه بما نحن فيه.
وما تعلق المسألة بتأويل الظواهر فإن زفر يقول: قال الله تعالى: (فمن شهد منكم
[ ٣٨١ ]
الشهر فليصمه)، والصوم: الإمساك، ومن صام رمضان بغير نية فهو ممسك.
ودوفع عن هذا بأن المراد الصوم الشرعي لا اللغوي، وصفة الصوم الشرعي فيه التنازع، صار كالمجمل في الآية، فلا يتعلق بما فيه.
وهكذا قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، هذا ينفي عمومه حصول صوم شرعي بغير نية، رمضان كان أو غيره، فإن تأوله زفر على ما سوى رمضان، أجيب بأن هذا اللفظ بالغ في التعميم كما تقدم بيانه في كتاب العموم، وصوم رمضان هو المتكرر في الشرع في كل عام في حق كل مسلم، وما سواه كالنادر الشاذ بالقياس إليه، فلا يحمل مثل هذا اللفظ العام على الصور النادرة قصرا عليها كما قدمناه في المسألة التي قبل هذه.
وأضرب أبو المعالي عن الكلام على الحديث من هذه الجهة مع زفر، وتشاغل بالوجه الثاني، فلعله لما رأى طرق التأويل في الوجه الثاني أبعد، لأجل أن المراد عند بالحديث بيان محل النية، لا بيان ما تثبت فيه النية وما لا تثبت.
وأما الوجه الثاني فإن فقهاء الأمصار اختلفوا في محل النية، فعند مالك أن جميع أنواع الصوم التي قدمناها محل النية فيها قبل الفجر في الليلة التي صبيحتها لليوم الذي يصام، ووافقه الشافعي إلا في التطوع، فإنه أجاز إيقاع النية في نهار يوم الصيام، على اختلاف عندهم؛ هل يشترط في ذلك أن يوقع النية قبل الزوال، أو يجوز إيقاعها في سائر أزمان النهار، على خلاف عندهم فيما انقضى من النهار قبل إيقاعه، هل يثاب عليه ثواب الصائم أو يقصر الصوم وثوابه على ما بعد زمان النية.
وأما أبو حنيفة فإنه يرى أن كل صوم مضمون في الذمة كقضاء ما وجب صيامه، أو صوم نذر مطلق غير معين يفتقر إلى نية، وما سوى ذلك من الصيام الواجب المعين وغيره يصح فيه إيقاع النية في نهار الصوم قبل الزوال تمسكا منهم بصوم عاشوراء، فإن الخبر ورد بالأمر يصومه في خلال النهار، فاقتضى ذلك ترك اشتراط التبييت في الصوم المعين. وأجيبوا عن هذا بأن وجوب صوم يوم عاشوراء نسخ فسقط التعلق بجملة أحكام.
ولما رد عليهم ما قالوه فيما توعده بقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، تأوله على أن المراد به ما ذكروه من الصوم المضمون.
ورد أبو المعالي هذا بالطريقة المتقدمة، ورأى أن هذا اللفظ عام بالغ في التعميم، فلا يحمل على هذا الجنس من الصوم الذي يشذ ويندر، كما تقدم بسطه في مسألة النكاح بغير ولي. وقد علم أن شهر رمضان هو المكرر المعروف المألوف، فلا يظن بالنبي ﵇
[ ٣٨٢ ]
أنه لم يرد بمثل هذا الخطاب، وأراد ما سواه مما يشذ ويندر.
وقد تأولوه أيضا على نفي الكمال في الصوم، لا نفي الإجزاء. ورد أبو المعالي هذا بأن الصوم (ص ١٦٩) عندهم يتنوع كما قدمناه، فلا يصح أن تنصرف لفظة واحدة إلى نفي الإجزاء عن نوع، ونفي الكمال [عن] نوع، وهذا التحكم في التأويل ليصح مذهب بني عليه مما لا سبيل إليه.
وذكر عن الطحاوي أنه حمل الحديث على أن المراد به النهي عن تقدمة النية في النهار الذي يليه يوم الصوم، وإنما الحكم تأخيرها إلى مغيب الشمس، حتى توقع في الليل، فهذا حكم النية في سائر أنواع الصيام.
ورد أبو المعالي هذا بأن تخصيص هذا النوع لا معنى له، والنهي عن التقدمة فيه كالنهي عن التقدمة على يوم الصوم بسنة، ورأى أن القصد بالحديث النهي عن الغفلة والتشاغل عن النية، والمبادرة إلى أن توقع بالليل قبل أن يصبح، فمقصود الحديث النهي عن تأخير النية بعكس ما قدره الطحاوي من أن القصد النهي عن تقدمتها.