أخبرنَا شَيخنَا المعمر وبركتنا المدخر مُحَمَّد بن سنة عَن مَوْلَاهُ الشريف إجَازَة مُحَمَّد بن أركاش الْحَنَفِيّ عَن الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي عَن الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ عَن أبي الْفضل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْحَمَوِيّ عَن الْفَخر بن البُخَارِيّ عَن مَنْصُور بن عبد المنعم الفراوي عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي عَن الْحَافِظ أبي بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ ثَنَا أَبُو عَمْرو بن السماك مشافهة أَن ابا سعيد الخصاص حَدثهمْ قَالَ سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي وَسَأَلَهُ رجل عَن مَسْأَلَة فَقَالَ يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ السَّائِل يَا أَبَا عبد الله أَتَقول بِهَذَا فارتعد الشَّافِعِي واصفر وَحَال لَونه وَقَالَ وَيحك وَأي أَرض تُقِلني وَأي سَمَاء تُظِلنِي إِذا رويت لرَسُول الله ﷺ شَيْئا وَلم أقل بِهِ نعم على الراس وَالْعين قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول مَا من أحد إِلَّا وَتذهب عَلَيْهِ سنة لرَسُول الله ﷺ وتعزب عَنهُ فمهما قلت من قَول أَو أصلت من أصل فِيهِ عَن رَسُول الله ﷺ خلاف مَا قلت فَالْقَوْل مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَهُوَ قولي قَالَ وَجعل يردد هذاالكلام
وَبِه إِلَى الْبَيْهَقِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الرحمن السّلمِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب يَقُول سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فقولو بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلت فَهَذَا مذْهبه فِي اتِّبَاع السّنة
وَبِه إِلَى الْبَيْهَقِيّ حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد قَالَا ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس حَدثنِي الرّبيع ثَنَا الشَّافِعِي قَالَ إِذا حدث الثِّقَة عَن الثِّقَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَهُوَ ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا يتْرك لرَسُول الله ﷺ حَدِيث أبدا إِلَّا حَدِيث وجد عَن رَسُول الله ﷺ وَحَدِيث يُخَالِفهُ
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ لَا مُخَالف لَهُ عَنهُ وَكَانَ يرْوى عَمَّن دون رَسُول الله ﷺ حَدِيث يُوَافقهُ لم يزده قُوَّة وَحَدِيث النَّبِي ﷺ مستغن بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ يرْوى عَمَّن دون رَسُول الله ﷺ حَدِيث يُخَالِفهُ لم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه وَحَدِيث رَسُول الله ﷺ أَحَق أَن يُؤْخَذ بِهِ وَلَو علم من روى عَنهُ خلاف سنة رَسُول الله ﷺ اتبعها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَبِه إِلَى الْبَيْهَقِيّ حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي كتاب الرسَالَة الجديدة حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد
[ ١٠٠ ]
ابْن يَعْقُوب ثَنَا الرّبيع قَالَ قَالَ الشَّافِعِي فِي أقاويل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِذا تفَرقُوا فِيهَا نصير إِلَى مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أَو كَانَ أصح فِي الْقيَاس وَإِذا قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم القَوْل لَا يحفظ عَن غَيره مِنْهُم فِيهِ لَهُ مُوَافقَة وَلَا خلاف صرت إِلَى اتِّبَاع قَول واحدهم إِذا لم أجد كتابا وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا شَيْئا فِي مَعْنَاهُ يحكم لَهُ بِحكمِهِ أَو وجد مَعَه قِيَاس
وَبِه إِلَيْهِ إِلَيْهِ قَالَ حَدثنَا أَبُو سعيد بن ابي عَمْرو فِي كتاب اخْتِلَاف مَالك وَالشَّافِعِيّ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَنَا الرّبيع قَالَ قَالَ الشَّافِعِي مَا كَانَ الْكتاب وَالسّنة موجودين فالعذر على من سمعهما مَقْطُوع إِلَّا باتباعهما فَإِذا لم يكن ذَلِك صرنا إِلَى أقاويل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَو واحدهم ثمَّ كَانَ قَول الْأَئِمَّة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا صرنا إِلَى التَّقْلِيد أحب إِلَيْنَا وَذَلِكَ إِذا لم نجد دلَالَة فِي الِاخْتِلَاف تدل على أقرب الِاخْتِلَاف من الْكتاب وَالسّنة فنتبع القَوْل الَّذِي مِنْهُ الدّلَالَة لِأَن قَول الإِمَام مَشْهُور بِأَنَّهُ يلْزم النَّاس وَمن لزم قَول النَّاس كَانَ أشهر مِمَّن يُفْتِي الرجل أَو النَّفر وَقد يَأْخُذ بفتياه أَو يَدعهَا وَأكْثر الْمُفْتِينَ يفتون الْخَاصَّة فِي بُيُوتهم ومجالسهم وَلَا تعنى الْعَامَّة بِمَا قَالُوا اعتناءهم بِمَا قَالَ الإِمَام وَقد وجدنَا الْأَئِمَّة يبتدءون فَيسْأَلُونَ عَن الْعلم من الْكتاب وَالسّنة فِيمَا أَرَادوا أَن يَقُولُوا فِيهِ وَيَقُولُونَ فيخبرون بِخِلَاف قَوْلهم فيقبلون من الْمخبر وَلَا يستنكفون أَن يرجِعوا لتقواهم الله وفضلهم فِي حالاتهم فَإِذا لم يُوجد عَن الْأَئِمَّة فأصحاب رَسُول الله ﷺ فِي الدّين فِي وضع الْأَمَانَة أَخذنَا بقَوْلهمْ وَكَانَ اتباعهم أولى بِنَا من اتِّبَاع من بعدهمْ قَالَ وَالْعلم طَبَقَات الأولى الْكتاب وَالسّنة إِذا ثبتَتْ السّنة ثمَّ الثَّانِيَة الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كتاب وَلَا سنة وَالثَّالِثَة أَن يَقُول بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَلَا يعلم لَهُ مُخَالف مِنْهُم وَالرَّابِعَة اخْتِلَاف أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَالْخَامِسَة الْقيَاس على هَذِه الطَّبَقَات وَلَا يُصَار إِلَى شييء غير الْكتاب وَالسّنة وهما موجودان وَإِنَّمَا يُؤْخَذ الْعلم من أَعلَى
وَذكر الشَّافِعِي فِي كتاب الرسَالَة الْقَدِيمَة بعد مَا ذكر الصَّحَابَة وَأثْنى عَلَيْهِم بِمَا هم أَهله قَالَ وهم فَوْقنَا فِي كل علم واجتهاد وورع وعقل وَأمر استدرك بِهِ علم واستنبط بِهِ وآراؤهم لنا أَحْمد وَأولى بِنَا من آرائنا عندنَا لأنفسنا وَالله تَعَالَى أعلم وَمن أدركنا مِمَّن أرْضى أَو حكى لنا عَنهُ ببلدنا صَارُوا فِيمَا لم يعلمُوا لرَسُول الله ﷺ فِيهِ سنة إِلَى قَوْلهم إِن اجْتَمعُوا وَقَول بَعضهم إِن تفَرقُوا فَهَكَذَا نقُول إِذا اجْتَمعُوا أَخذنَا بإجماعهم وَإِن قَالَ وَاحِد مِنْهُم وَلم يُخَالِفهُ غَيره أَخذنَا بقوله وَإِن اخْتلفُوا أَخذنَا بقول بَعضهم وَلم نخرج من أقاويلهم كلهم
قَالَ الشَّافِعِي إِذا قَالَ الرّجلَانِ مِنْهُم فِي شَيْء قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين نظرت فَإِن كَانَ قَول أَحدهمَا أشبه بِكِتَاب الله تَعَالَى أَو أشبه بِسنة عَن رَسُول الله ﷺ أخذت بِهِ لِأَن مَعَه شَيْئا
[ ١٠١ ]
يقوى بِمثلِهِ لَيْسَ مَعَ الَّذِي يُخَالِفهُ مثله فَإِن لم يكن على وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ دلَالَة بِمَا وصفت كَانَ قَول الْأَئِمَّة أبي بكر أَو عمر أَو عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أرجح عندنَا من أحد لَو خالفهم غير إِمَام
وَذكر فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب وَقَالَ فَإِن لم يكن على القَوْل دلَالَة من كتاب وَلَا سنة كَانَ قَول أبي بكر أَو عمر أَو عُثْمَان أَو عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أحب إِلَيّ أَن أَقُول بِهِ من قَول غَيرهم أَن خالفهم من قبل أَنهم أهل علم وحكام ثمَّ سَاق الْكَلَام إِلَى أَن قَالَ فَإِن اخْتلف الْحُكَّام استدللنا بِالْكتاب وَالسّنة فِي اخْتلَافهمْ فصرنا إِلَى قَول الَّذِي عَلَيْهِ الدّلَالَة من الْكتاب وَالسّنة وقلما يَخْلُو اخْتلَافهمْ من دَلَائِل كتاب أَو سنة وَإِن اخْتلف الْمفْتُون يَعْنِي من الصَّحَابَة بعد الْأَئِمَّة بِلَا دلَالَة فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ نَظرنَا إِلَى الْأَكْثَر فَإِن تكافأوا نَظرنَا إِلَى أحسن أقاويلهم مخرجا عندنَا وَإِن وجدنَا للمفتين فِي زَمَاننَا وَقَبله إِجْمَاعًا فِي شَيْء لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ تَبِعْنَاهُ وَكَانَ أحد طرق الْأَخْبَار الْأَرْبَعَة وَهِي كتاب الله تَعَالَى ثمَّ سنة نبيه ص ثمَّ قَول بعض الصَّحَابَة ثمَّ إِجْمَاع الْفُقَهَاء فَإِذا نزلت نازلة لم نجد فِيهَا وَاحِدَة من هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَخْبَار فَلَيْسَ السَّبِيل فِي الْكَلَام فِي النَّازِلَة إِلَّا اجْتِهَاد الرَّأْي
وَأخذ الشَّافِعِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ من مذْهبه وَمذهب صَاحبه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ حَتَّى وقف عَلَيْهِ وعَلى مَا احتجا بِهِ ثمَّ ناظره فِيمَا كَانَ يرى خِلَافه فِيهِ وَكَانَ يَقُول مَا كلمت أسود الرَّأْس أَعقل من مُحَمَّد بن الْحسن وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحسن يعظمه ويجله وَرجع إِلَى قَوْله فِي مسَائِل مَعْدُودَة وَكَانَ من مضى من عُلَمَاء الْمَدِينَة لَا يعْرفُونَ مَذَاهِب أهل الْكُوفَة وَكَانَ أهل الْكُوفَة يعْرفُونَ مَذْهَب أهل الْمَدِينَة فَكَانُوا إِذا الْتَقَوْا وَتَكَلَّمُوا رُبمَا انْقَطع الْمدنِي فَكتب الشَّافِعِي مذاهبهم ودلائلهم وَلم يخالفهم إِلَّا فِيمَا قويت حجَّته عِنْده وضعفت حجَّة الْكُوفِيّين فِيهِ وَكَانَ تكلم مُحَمَّد بن الْحسن وَغَيره على سَبِيل النصفة وَكَانَ يَقُول مَا ناظرت أحدا قطّ إِلَّا على النَّصِيحَة وَكَانَ يَقُول مَا ناظرت أحدا قطّ فَأَحْبَبْت أَن يخطىء وَكَانَ يَقُول مَا كلمت أحدا الا وَلم ابل يبين الله الْحق على لِسَانه
وَكَانَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل يَحْكِي عَن أَبِيه قَالَ قَالَ الشَّافِعِي أَنْتُم أعلم بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَال مني فَإِذا كَانَ الحَدِيث الصَّحِيح فأعلموني بِهِ أَي شَيْء يكون كوفيا أَو بصريا أَو شاميا حَتَّى أذهب إِلَيْهِ إِذا كَانَ صَحِيحا
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَلِهَذَا كثر أَخذه بِالْحَدِيثِ وَهُوَ أَنه جمع علم أهل الْحجاز وَالشَّام واليمن وَالْعراق وَأخذ بِجَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْده من غير مُحَابَاة مِنْهُ وَلَا ميل إِلَى مَا استحلاه من مَذْهَب أهل بَلَده مهما بَان لَهُ الْحق فِي غَيره وَمِمَّنْ كَانَ قبله من اقْتصر على مَا عهد من مَذَاهِب أهل بَلَده وَلم يجْتَهد فِي معرفَة صِحَة مَا خَالفه وَالله يغْفر لنا وَلَهُم
[ ١٠٢ ]
وَبِه إِلَى الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا سعيد بن ابي عَمْرو ثَنَا ابو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب ثَنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان ثَنَا الشَّافِعِي قَالَ لَيْسَ للْحَاكِم أَن يولي الحكم أحدا وَلَا لمولى الحكم أَن يقبله وَلَا لوال أَن يولي أحدا وَلَا يَنْبَغِي للمفتي أَن يُفْتِي حَتَّى يجمع أَن يكون عَالما علم الْكتاب وَعلم ناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه وفرضه وأدبه وعالما بسنن رَسُول الله ﷺ وأقاويل أهل الْعلم قَدِيما وحديثا عَالما بِلِسَان الْعَرَب عَاقِلا يُمَيّز بَين المشتبه وَيعْقل الْقيَاس فَإِن عدم وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال لم يحل لَهُ أَن يَقُول قِيَاسا وَكَذَلِكَ لَو كَانَ عَالما بالأصول غير عَاقل للْقِيَاس الَّذِي هُوَ الْفَرْع لم يجز أَن يُقَال لرجل قس وَهُوَ لَا يعقل الْقيَاس وَإِن كَانَ عَاقِلا للْقِيَاس وَهُوَ مضيع لعلم الْأُصُول أَو شَيْء مِنْهَا لم يجز أَن يُقَال لَهُ قس على مَالا تعلم
وَاعْتبر فِي كتاب الشَّهَادَات أَن يكون القَاضِي مَعَ هَذَا عدلا وَاعْتبر فِي الْقَدِيم مَعَ هَذَا أَن يكون عَاقِلا كَيفَ يَأْخُذ الْأَحَادِيث ومصححا لأخذها لَا يرد مِنْهَا ثَابتا وَلَا يثبت ضَعِيفا
وَبِه إِلَى الْبَيْهَقِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو سعيد بن أبي عَمْرو ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب ثَنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ قَالَ الشَّافِعِي حكم الله جلّ ثَنَاؤُهُ ثمَّ حكم رَسُوله ص ثمَّ حكم الْمُسلمين دَلِيل على أَنه لَا يجوز لمن استأهل أَن يكون حَاكما أَو مفتيا أَن يحكم وَلَا أَن يُفْتِي إِلَّا من جِهَة خبر لَازم وَذَلِكَ الْكتاب ثمَّ السّنة وَمَا قَالَ أهل الْعلم لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَو قِيَاس على بعض هَؤُلَاءِ وَلَا يجوز لَهُ أَن يحكم وَلَا يُفْتِي بالاستحسان وَبِه إِلَيْهِ قَالَ حَدثنَا ابو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرو قَالَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب قَالَ سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلت قَالَ وَسمعت الرّبيع يَقُول وروى الشَّافِعِي حَدِيثا فَقَالَ لَهُ رجل تَأْخُذ بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ مَتى رويت عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا صَحِيحا فَلم آخذ بِهِ فأشهدكم أَن عَقْلِي قد ذهب واشار بِيَدِهِ على رُءُوس الْجَمَاعَة وَقَالَ الشَّافِعِي أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله ﷺ لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد وَقد صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ لَا قَول لأحد مَعَ سنة رَسُول الله ﷺ انْتهى كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي مدخله
وَقَالَ فِي أَعْلَام الموقعين وَقَالَ الْأَصَم أخبرنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ الشَّافِعِي أَنا أُعْطِيك جملَة تغنيك إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تدع لرَسُول الله ﷺ حَدِيثا أبدا إِلَّا أَن يَأْتِي عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث خِلَافه فتعمل بِمَا قررت لَك فِي الْأَحَادِيث إِذا اخْتلف وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الجارودي سَمِعت الرّبيع يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول إِذا وجدْتُم سنة من رَسُول الله ﷺ خلاف قولي
[ ١٠٣ ]
فَإِنِّي أَقُول بهَا قَالَ أَحْمد بن عِيسَى بن ماهان الرَّازِيّ سَمِعت الرّبيع يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول كل مَسْأَلَة صَحَّ فِيهَا الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ عِنْد أهل النَّقْل بِخِلَاف مَا قلت فَأَنا رَاجع عَنْهَا فِي حَياتِي وَبعد موتِي وَقَالَ حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ الشَّافِعِي مَا قلت وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد قَالَ بِخِلَاف قولي فَمَا صَحَّ من حَدِيث النَّبِي ﷺ أولى وَلَا تقلدوني
وَقَالَ الْحميدِي سَأَلَ رجل الشَّافِعِي عَن مَسْأَلَة فأفتاه وَقَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الرجل أَتَقول بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله فَقَالَ الشَّافِعِي أَرَأَيْت فِي وسطي زنارا أَترَانِي خرجت من الْكَنِيسَة أَقُول قَالَ النَّبِي ﷺ وَتقول لي أَتَقول بِهَذَا أروي عَن النَّبِي ﷺ وَلَا أَقُول بِهِ وَقَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي لم أسمع أحدا نسبته إِلَى الْعلم اَوْ نسبته الْعَامَّة إِلَى علم أَو نسب نَفسه إِلَى علم يحْكى خلافًا فِي أَن فرض الله تَعَالَى اتِّبَاع أَمر رَسُول الله ﷺ وَالتَّسْلِيم لحكمه فَإِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل لأحد بعده إِلَّا اتِّبَاعه وَأَنه لَا يلْزم قَول رجل قَالَ إِلَّا بِكِتَاب الله تَعَالَى أَو سنة رَسُول الله ﷺ وَأَن مَا سواهُمَا تبع لَهما وَأَن فرض الله تَعَالَى علينا وعَلى من بَعدنَا وَقَبلنَا قبُول الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا فرقة سأصف قَوْلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الشَّافِعِي ثمَّ تفرق أهل الْكَلَام فِي تثبيت خبر الْوَاحِد عَن رَسُول الله ﷺ تفَرقا متباينا وتفرق عَنْهُم مِمَّن نسبه الْعَامَّة إِلَى الْفِقْه فَامْتنعَ بَعضهم عَن التَّحْقِيق من النّظر وآثروا التَّقْلِيد والغفلة والاستعجال بالرياسة
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد قَالَ لنا الشَّافِعِي إِذا صَحَّ عنْدكُمْ الحَدِيث فَقولُوا لي كي أذهب إِلَيْهِ
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد كَانَ أحسن أَمر الشَّافِعِي عِنْدِي أَنه كَانَ إِذا سمع الْخَبَر لم يكن عِنْده قَالَ بِهِ وَترك قَوْله
قَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي لَا نَتْرُك الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ لَا يدْخلهُ الْقيَاس وَلَا مَوضِع لَهُ مَعَ السّنة قَالَ الرّبيع وَقد روى عَن رَسُول الله ﷺ بِأبي هُوَ وامي أَنه قضى فِي بروع بنت واشق ونكحت بِغَيْر مهر فَمَاتَ زَوجهَا فَقضى لَهَا بِمهْر مثلهَا وَقضى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَإِن كَانَ يثبت عَن النَّبِي ﷺ فَهُوَ أولى الْأُمُور بِنَا وَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون النَّبِي ﷺ وَلَا فِي الْقيَاس وَلَا شَيْء إِلَّا طَاعَة الله تَعَالَى بِالتَّسْلِيمِ لَهُ وَإِن كَانَ لَا يثبت عَن النَّبِي ﷺ لم يُمكن لأحد أَن يثبت عَنهُ مالم يثبت وَلم أحفظه من وَجه يثبت مثله هُوَ مرّة عَن معقل بن سِنَان وَمرَّة عَن معقل بن يسَار وَمرَّة عَن بعض بني أَشْجَع لَا يُسمى
[ ١٠٤ ]
قَالَ الرّبيع سَأَلت الشَّافِعِي عَن رفع الْأَيْدِي فِي الصَّلَاة فَقَالَ يرفع الْمُصَلِّي يَدَيْهِ اذا افْتتح الصَّلَاة حَذْو مَنْكِبَيْه واذا أَرَادَ أَن يرْكَع وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع رفعهما كَذَلِك وَلَا يفعل ذَلِك فِي السُّجُود قلت لَهُ فَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَالَ أَنبأَنَا ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ مثل قَوْلنَا قَالَ الرّبيع فَقلت فَإنَّا نقُول يرفع فِي الِابْتِدَاء ثمَّ لَا يعود قَالَ الشَّافِعِي أخبرنَا مَالك عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ اذا افْتتح الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه واذا رفع رَأسه من الرُّكُوع رفعهما قَالَ الشَّافِعِي وَهُوَ يَعْنِي مَالِكًا يروي عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ اذا افْتتح الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه واذا رفع رَأسه من الرُّكُوع رفعهما كَذَلِك ثمَّ خالفتم رَسُول الله ﷺ وَابْن عمر فقلتم لَا يرفع يَدَيْهِ
[ ١٠٥ ]
إِلَّا فِي إبتداء الصَّلَاة وَقد رويتم أَنَّهُمَا رفعا فِي الِابْتِدَاء وَعند الرّفْع من الرُّكُوع أفيجوز لعالم أَن يتْرك فعل النَّبِي ﷺ وَابْن عمر لرأي نَفسه أَو فعل النَّبِي ﷺ لرأي ابْن عمر ثمَّ الْقيَاس على قَول ابْن عمر ثمَّ يَأْتِي مَوضِع آخر يُصِيب فِيهِ فَيتْرك على ابْن عمر مَا روى عَن النَّبِي ﷺ فَكيف لم ينْتَه بعض هَذَا عَن بعض أَرَأَيْت اذا جَازَ لَهُ أَن يروي عَن النَّبِي ﷺ أَن يرفع يَدَيْهِ فِي مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاث أَو عَن ابْن عمر فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَيَأْخُذ بِوَاحِدَة أَو يجوز لغيره ترك الَّذِي أَخذ بِهِ وَأخذ الَّذِي ترك أَو يجوز لغيره ترك مَا روى عَن النَّبِي ﷺ فَقلت لَهُ إِن صاحبنا قَالَ فَمَا معنى الرّفْع قَالَ مَعْنَاهُ تَعْظِيم الله وَاتِّبَاع لسنة النَّبِي ﷺ وَمعنى الرّفْع فِي الأولى معنى الرّفْع الَّذِي خالفتم فِيهِ النَّبِي ﷺ عِنْد الرُّكُوع وَعند رفع الرَّأْس ثمَّ خالفتم فِيهِ روايتكم عَن النَّبِي ﷺ وَابْن عمر مَعًا ويروى ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة عشر رجلا ويروي عَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من غير وَجه وَمن تَركه فقد ترك السّنة
قلت وَهَذَا تَصْرِيح من الشَّافِعِي بَان تَارِك رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ تَارِك للسّنة وَنَصّ أَحْمد على ذَلِك أَيْضا فِي احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ
وَقَالَ الرّبيع سَأَلت الشَّافِعِي عَن الطّيب قبل الاحرام بِمَا يبْقى رِيحه بعد الاحرام أَو بعد رمي الْجَمْرَة والحلاق وَقبل الافاضة فَقَالَ جَائِز أحبه وَلَا أكرهه لثُبُوت السّنة فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ ولإخبار غير وَاحِد من الصَّحَابَة فَقلت وَمَا حجتك فِيهِ فَذكر الْأَخْبَار والْآثَار ثمَّ قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم قَالَ قَالَ عمر من رمى الْجَمْرَة فقد حل لَهُ مَا حرم عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء وَالطّيب قَالَ سَالم وَقَالَت عَائِشَة طيبت رَسُول الله ﷺ لِحلِّهِ قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ وَسنة رَسُول الله ﷺ أَحَق أَن تتبع قَالَ الشَّافِعِي وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون الصالحون وَأهل الْعلم فَأَما مَا تذهبون إِلَيْهِ من ترك السّنة وَغَيرهَا وَترك ذَلِك الْغَيْر لرأي أنفسهم فالعلم اذا اليكم تأتون مِنْهُ مَا شِئْتُم وتدعون مَا شِئْتُم
وَقَالَ فِي كتاب الْقَدِيم رِوَايَة الزَّعْفَرَانِي فِي مَسْأَلَة بيع الْمَدِين فِي جَوَاب من قَالَ لَهُ
[ ١٠٦ ]
إِن بعض أَصْحَابك قَالَ خلاف هَذَا قَالَ الشَّافِعِي فَقلت لَهُ من تبع سنة رَسُول الله ﷺ وافقته وَمن غلط فَتَركهَا خالفته صَاحِبي الَّذِي لَا أفارقه اللَّازِم الثَّابِت مَعَ رَسُول الله ﷺ وَإِن بعد وَالَّذِي أفارقه من لم يقل بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَإِن قرب انْتهى كَلَام صَاحب أَعْلَام الموقعين
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي توالي التأسيس فِي معالي ابْن إِدْرِيس قد اشْتهر عَن شَافِعِيّ إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي فرأت بِخَط تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ فِي مُصَنف لَهُ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا ملخصه اذا وجد الشَّافِعِي حَدِيثا صَحِيحا مُخَالفا لمذهبه ان كملت فِيهِ آلَة الِاجْتِهَاد فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فليعمل بِالْحَدِيثِ بِشَرْط أَن لَا يكون الامام اطلع عَلَيْهِ وَأجَاب عَلَيْهِ وان لم تكمل وَوجد إِمَامًا من أَصْحَاب الْمذَاهب عمل بِهِ فَلهُ أَن يقلده فِيهِ وان لم يجد وَكَانَت الْمَسْأَلَة حَيْثُ لَا اجْتِمَاع قَالَ السُّبْكِيّ فَالْعَمَل بِالْحَدِيثِ أولى وان فرض الاجماع فَلَا
قلت ويتأكد ذَلِك اذا وجد الامام نَص الْمَسْأَلَة على خبر ظَنّه صَحِيحا وَتبين لَهُ أَنه غير صَحِيح وَوجد خَبرا صَحِيحا يُخَالِفهُ وَكَذَا اذا أطلع الامام عَلَيْهِ وَلكنه لم يثبت عِنْده مخالفه وَوجد لَهُ طَرِيقا ثَابتا وَقد أَكثر الشَّافِعِي تَعْلِيق القَوْل بالحكم على ثُبُوت الحَدِيث عِنْد أَهله كَمَا قَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ إِن صَحَّ الحَدِيث فِي غسل من غسل الْمَيِّت قلت بِهِ وَقَالَ فِي الْأُم إِن صَحَّ حَدِيث ضباعة فِي الِاشْتِرَاط قلت بِهِ إِلَى غير ذَلِك وَقد جمعت فِي ذَلِك كتابا سميته المنحة فِيمَا علق الشَّافِعِي القَوْل بِهِ على الصِّحَّة وَأَرْجُو الله تصيير تكملته إِن شَاءَ الله تَعَالَى انْتهى
قَالَ ابْن الْقيم فِي أَعْلَام الموقعين قَول الشَّافِعِي إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي هَذَا صَرِيح
[ ١٠٧ ]
فِي مَدْلُوله وَإِن مذْهبه مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لَا قَول لَهُ غَيره وَلَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِ مَا خَالف الحَدِيث فَيُقَال هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا يحل الْإِفْتَاء بِمَا خَالف الحَدِيث على أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا الحكم بِهِ صرح بذلك جمَاعَة من أَئِمَّة أَتْبَاعه حَتَّى كَانَ مِنْهُم من يَقُول للقارئ إِذا قَرَأَ عَلَيْهِ مَسْأَلَة من كَلَامه قد صَحَّ الحَدِيث بِخِلَافِهَا اضْرِب على هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَيْسَتْ مذْهبه وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب قطعا لَو لم ينص عَلَيْهِ فَكيف إِذا نَص عَلَيْهِ وَأبْدى فِيهِ وَأعَاد وَصرح بِأَلْفَاظ كلهَا صَرِيحَة فِي مدلولها فَنحْن نشْهد بِاللَّه أَن مذْهبه وَقَوله الَّذِي لَا قَول لَهُ سواهُ مَا وَافق الحَدِيث دون مَا خَالفه وَمن نسب إِلَيْهِ خِلَافه فقد نسب إِلَيْهِ خلاف مذْهبه وَلَا سِيمَا إِذا ذكر هُوَ ذَلِك الحَدِيث وَأخْبر أَنه إِنَّمَا خَالفه لضعف فِي سَنَده أَو لعدم بُلُوغه لَهُ من وَجه يَثِق بِهِ ثمَّ ظهر للْحَدِيث سَنَد صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ وَصَححهُ أَئِمَّة الحَدِيث من وُجُوه لم تبلغه فَهَذَا لَا يشك عَالم وَلَا يُمَارِي أَنه مذْهبه قطعا وَهَذَا كَمَسْأَلَة الجوائح فَإِنَّهُ علل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِأَنَّهُ كَانَ رُبمَا ترك ذكر الجوائح وَقد صَحَّ الحَدِيث من غير طَرِيق سُفْيَان صِحَة لَا مرية فِيهَا وَلَا عِلّة وَلَا شُبْهَة بِوَجْه فمذهب الشَّافِعِي وضع الجوائح وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقد صرح بعض أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة بِأَن مذْهبه أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر وَأَن وَقت الْمغرب يَمْتَد إِلَى الشَّفق وَأَن من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه وَإِن أكل لُحُوم الْإِبِل ينْقض الْوضُوء وَهَذَا بِخِلَاف الْفطر بالحجامة وَصَلَاة الْمَأْمُوم قَاعِدا إِذا صلى الإِمَام كَذَلِك فَإِن الحَدِيث وَإِن صَحَّ فِي ذَلِك فَلَيْسَ بِمذهب لَهُ فَإِنَّهُ رَوَاهُ وَعرف صِحَّته لَكِن خَالفه لاعْتِقَاده نسخه وَهَذَا شَيْء وَذَلِكَ شَيْء وَفِي هَذَا القسيم يَقع النّظر فِي النّسخ وَعَدَمه وَفِي الأول يَقع النّظر فِي صِحَة الحَدِيث وثقة السَّنَد فأعرفه انْتهى كَلَام ابْن الْقيم
قَالَ الْعِزّ بن عبد السلام فِي قَوَاعِده لَا طَاعَة لأحد من المخلوقين إِلَّا لمن أذن الله تَعَالَى فِي طَاعَته كالرسول ﷺ وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة والولاة والآباء والأمهات والسادات والأزواج والمستأجرين فِي الْإِجَارَات على الْأَعْمَال والصناعات وَلَا طَاعَة لأحد فِي مَعْصِيّة الله ﷿ لما فِيهَا من الْمفْسدَة الموبقة فِي الدَّاريْنِ أَو فِي أَحدهمَا فَمن أَمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة لَهُ إِلَّا أَن يكره إِنْسَان على أَمر الْإِكْرَاه فَلَا إِثْم على مطيعه وَقد تجب طَاعَته لَا لكَونه أمرا بل دفعا لمفسدة مَا تهدد بِهِ من قتل أَو قطع أَو جِنَايَة على بضع وَلَو أَمر الإِمَام أَو الْحَاكِم إنْسَانا بِمَا يعْتَقد الْآمِر حلّه والمأمور تَحْرِيمه فَهَل لَهُ فعله نظرا إِلَى رَأْي الْآمِر
[ ١٠٨ ]
أَو يمْتَنع فعله نظرا الى رَأْي الْمَأْمُور فِيهِ خلاف وَهَذَا مُخْتَصّ بِمَا لَا ينْقض حكم الْآمِر بِهِ فان كَانَ مِمَّا ينْقض حكمه فَلَا سمع وَلَا طَاعَة وَكَذَلِكَ لَا طَاعَة لجهلة الْمُلُوك والأمراء الا فِيمَا يعلم الْمَأْمُور أَنه مَأْذُون بِهِ فِي الشَّرْع وَتفرد الله تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لاختصاصه ﷿ بنعم الانشاء والابقاء والتغذية وَالصَّلَاح الديني والدنيوي فَمَا من خير الا هُوَ جالبه وَمَا من ضرّ الا هُوَ سالبه وَلَيْسَ بعض الْعباد بِأَن يكون مُطَاعًا بِأولى من الْبَعْض إِذْ لَيْسَ لأحد مِنْهُم انعام بِشَيْء مِمَّا ذكرته فِي حق الاله ﷾ وَلذَلِك لَا حكم الا لَهُ وَأَحْكَامه مستفادة من الْكتاب وَالسّنة والاجماع والاقيسة الصَّحِيحَة والاستدلالات الْمُعْتَبرَة فَلَيْسَ لأحد أَن يستحسن وَلَا أَن يسْتَعْمل مصلحَة مُرْسلَة وَلَا أَن يُقَلّد أحدا لم يُؤمر بتقليده كالمجتهد فِي تَقْلِيد الْمُجْتَهد أَو تَقْلِيد الصَّحَابَة وَفِي هَذِه الْمسَائِل اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء وَيرد على من خَالف ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ وَيسْتَثْنى من ذَلِك الْعَامَّة فان وظيفتهم التَّقْلِيد لعجزهم عَن التَّوَصُّل الى معرفَة الاحكام بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَاف الْمُجْتَهد فانه قَادر على النّظر الْمُؤَدِّي الى الحكم وَمن قلد إِمَامًا من الْأَئِمَّة ثمَّ أَرَادَ تَقْلِيد غَيره فَهَل لَهُ ذَلِك فِيهِ خلاف وَالْمُخْتَار التَّفْصِيل فَإِن كَانَ الْمَذْهَب الَّذِي أَرَادَ الِانْتِقَال اليه مِمَّا ينْقض فِيهِ الحكم فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَال الى حكم يجب نقضه فَإِنَّهُ لم يجب نقضه الا لبطلانه فَإِن كَانَ المأخذان متقاربين جَازَ التَّقْلِيد والانتقال لِأَن النَّاس لم يزَالُوا من زمَان الصَّحَابَة الى أَن ظَهرت الْمذَاهب الْأَرْبَعَة يقلدون من اتّفق من الْعلمَاء من غير نَكِير من أحد يعْتَبر انكاره وَلَو كَانَ ذَلِك بَاطِلا لأنكروه وَكَذَلِكَ لَا يجب تَقْلِيد الْأَفْضَل وان كَانَ هُوَ الأولى لِأَنَّهُ لَو وَجب تَقْلِيده لما قلد النَّاس الْفَاضِل والمفضول فِي زمَان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير نَكِير بل كَانُوا مسترسلين فِي تَقْلِيد الْفَاضِل وَالْأَفْضَل وَلم يكن الْأَفْضَل يَدْعُو الْكل الى تَقْلِيد نَفسه وَلَا الْمَفْضُول يمْنَع من سَأَلَهُ مَعَ وجود الْفَاضِل وَهَذَا مِمَّا لَا يرتاب فِيهِ عَاقل
وَمن الْعجب العجيب أَن الْفُقَهَاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَذْهَب إِمَامه بِحَيْثُ لَا يجد لضَعْفه مدفعا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يقلده فِيهِ وَيتْرك من شهد الْكتاب وَالسّنة والاقيسة الصَّحِيحَة لمذهبه جمودا على تَقْلِيد امامه بل يتحيل لدفع ظواهر الْكتاب وَالسّنة ويتأولها بالتأويلات الْبَعِيدَة الْبَاطِنَة نضالا عَن مقلده وَقد رأيناهم يَجْتَمعُونَ فِي الْمجَالِس فاذا ذكر لأَحَدهم خلاف مَا وَطن نَفسه عَلَيْهِ تعجب فِيهِ غَايَة التَّعَجُّب من غير استرواح الى دَلِيل لما الفه من تَقْلِيد امامه حَتَّى ظن أَن الْحق منحصر فِي مَذْهَب امامه وَلَو تدبره لَكَانَ تعجبه من مَذْهَب الامام أولى من تعجبه من مَذْهَب غَيره والبحث مَعَ هَؤُلَاءِ ضائع مفض الى التقاطع والتدابر من غير فَائِدَة تجذبها وَمَا رَأَيْت أحدا رَجَعَ عَن مَذْهَب امامه اذا ظهر لَهُ الْحق فِي غَيره بل يصر عَلَيْهِ مَعَ علمه بضعفه وَبعده وَالْأولَى ترك الْبَحْث مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذين أذا عجز أحدهم عَن تمشية مَذْهَب امامه قَالَ لَعَلَّ امامي
[ ١٠٩ ]
وقف على دَلِيل لم اقف عَلَيْهِ وَلم أهتد اليه وَلَا يعلم الْمِسْكِين ان هَذَا مُقَابل بِمثلِهِ ويفضل لخصمه مَا ذكره من الدَّلِيل الْوَاضِح والبرهان اللائح فسبحان الله مَا أَكثر من أعمى التَّقْلِيد بَصَره حَتَّى حمله على مثل مَا ذكرته وفقنا الله تَعَالَى لاتباع الْحق ايْنَ مَا كَانَ وعَلى لِسَان من ظهر واين هَذَا من مناظرة السّلف ومشاورتهم فِي الاحكام ومسارعتهم إِلَى إتباع الْحق إِذا ظهر دَلِيل على لِسَان الْخصم وَقد نقل عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ مَا ناظرت أحدا إِلَّا قلت اللَّهُمَّ اجْرِ الْحق على قلبه وَلسَانه فان كَانَ الْحق معي اتبعني وان كَانَ الْحق مَعَه اتبعته انْتهى كَلَام الامام الْمُتَّفق على دينه وَعلمه الَّذِي قَالَ فِيهِ الامام ابْن عَرَفَة الْمَالِكِي لَا ينْعَقد للْمُسلمين اجماع بِدُونِ عز الدّين ابْن عبد السَّلَام
وَقَالَ أَيْضا فِي قَوَاعِده وَلَو اجْتهد الْمُجْتَهد فِي حكم شَرْعِي ثمَّ بَان كذب ظَنّه فَإِن تبين ذَلِك بِظَنّ يُسَاوِيه أَو يتَرَجَّح عَلَيْهِ ادنى رُجْحَان فَإِن تعلق بِهِ حكم لم ينْتَقض حكمه وَبنى على اجْتِهَاده الثَّانِي فِيمَا عدا الاحكام المبنية على الِاجْتِهَاد الأول وَإِن تبَاعد المأخذان بِحَيْثُ تبعد إِصَابَته فِي الظَّن الأول نقض حكمه مثل أَن يكون اجْتِهَاده الأول مُخَالفا لنَصّ كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس جلي أَو للقواعد الْكُلية فانه ينْقض حكمه وَإِن لم يتَعَلَّق بِهِ حكم بنى على مَا أدّى اليه اجْتِهَاده ثَانِيًا إِلَّا أَن يَسْتَوِي الظنان فَيجب التَّوَقُّف على الْأَصَح انْتهى
وَقَالَ أَيْضا إِنِّي لَا أعتقد أَن أحدا من الْمُجْتَهدين انْفَرد بِالصَّوَابِ فِي كل مَا خُولِفَ فِيهِ أَكثر من خطاه بِالنِّسْبَةِ الى كل مَا خَالفه وَالشَّرْع ميزَان يُوزن بِهِ الرِّجَال والأقوال والأعمال والمعارف وَالْأَحْوَال فَمن رَجحه ميزَان الشَّرْع فَهُوَ أرجح وَلَا إِثْم على أحد من المخطئين إِذا قَامَ بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ من الْمُبَالغَة فِي الِاجْتِهَاد وَفِي تَعْرِيف الاحكام لِأَنَّهُ أدّى مَا عَلَيْهِ فَمن أصَاب الْحق مِنْهُم أجر أَجْرَيْنِ أَحدهمَا على إجتهاده وَالثَّانِي على صَوَابه وَمن أَخطَأ بعد بذل الْجهد عُفيَ عَن خطأه وَأجر على قَصده على الصَّوَاب فِي مُقَدمَات اجْتِهَاده وَلَقَد أَفْلح من قَالَ بِمَا أَجمعُوا على وُجُوبه واجتنب مَا أَجمعُوا على تَحْرِيمه واستباح مَا أَجمعُوا على استباحته وَفعل مَا أَجمعُوا على اباحته واجتنب مَا اجْمَعُوا على كَرَاهَته وَمن أَخذ بِمَا اخْتلفُوا فِيهِ فَلهُ حالان أح على كَرَاهَته وَمن أَخذ بِمَا اخْتلفُوا فِيهِ فَلهُ حالان أَحدهمَا أَن يكون الْمُخْتَلف فِيهِ مِمَّا ينْقض الحكم بِهِ فَهَذَا لَا سَبِيل الى التَّقْلِيد فِيهِ لِأَنَّهُ خطأ مَحْض وَمَا حكم فِيهِ بِالنَّقْضِ الا لكَونه خطأ بَعيدا من نفس الشَّرْع وماخذه ورعاية حكمه الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون مِمَّا لَا ينْقض الحكم بِهِ فَلَا بَأْس بِفِعْلِهِ وَلَا بِتَرْكِهِ إِذا قلد فِيهِ بعض الْعلمَاء لِأَن النَّاس لم يزَالُوا على ذَلِك يسْأَلُون من اتّفق من غير تَقْيِيد وَلَا انكار على أحد من السَّائِلين الى أَن ظَهرت هَذِه الْمذَاهب ومتعصبوها من المقلدين فَإِن أحدهم يتبع امامه مَعَ بعد مذْهبه عَن الْأَدِلَّة مُقَلدًا لَهُ فِيمَا قَالَ كَأَنَّهُ نَبِي أرسل اليه وَهَذَا ناء عَن الْحق وبعيد عَن الصَّوَاب لَا يرضى بِهِ أحد من أولي
[ ١١٠ ]
الْأَلْبَاب اللَّهُمَّ فارشدنا الى الْحق واهدنا الى الصَّوَاب انك أَنْت الْكَرِيم الْوَهَّاب
وعَلى الْجُمْلَة فالغالب على مجتهدي أهل الاسلام الصَّوَاب وهم متقاربون فِي مِقْدَار الْخَطَأ فَخَيرهمْ أقلهم خطأ ويليه الْمُتَوَسّط فِي الْخَطَأ ويليه أَكْثَرهم خطأ وَالله يخْتَص برحمته من يَشَاء وَأكْثر مَا يَقع الْخَطَأ من الْغَفْلَة عَن مُلَاحظَة بعض الْقَوَاعِد وملاحظة بعض الْأَركان والشرائط وملاحظة الْمعَارض ومطلوب الْكل التَّقَرُّب الى الله باصابة الْحق وَلَكِن مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ تجْرِي الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهي السفن
وَقَالَ أَيْضا مُعظم النَّاس خاسرون وَأَقلهمْ رابحون فَمن أَرَادَ أَن ينظر فِي خسره وَربحه فليعرض نَفسه على الْكتاب وَالسّنة فَإِذا وافقهما فَهُوَ الرابح إِن صدق ظَنّه فِي موافقتهما وَإِن كذب ظَنّه فيا حسرة عَلَيْهِ وَقد أخبر الله تَعَالَى بخسارة الخاسرين وَربح الرابحين فأقسم بالعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا من جمع أَرْبَعَة أَوْصَاف أَحدهَا الْإِيمَان وَالثَّانِي الْعَمَل الصَّالح وَالثَّالِث التواصي بِالْحَقِّ وَالرَّابِع التواصي بِالصبرِ وَقد رُوِيَ أَن الصَّحَابَة كَانُوا إِذا اجْتَمعُوا لم يتفرقوا حَتَّى يَقْرَءُوهَا واجتماع هَذِه الْخِصَال فِي الْإِنْسَان عَزِيز نَادِر فِي هَذِه الزَّمَان وَكَيف يتَحَقَّق الْإِنْسَان أَنه جَامع لهَذِهِ الصِّفَات الَّتِي أقسم الله تَعَالَى بخسران من خرج عَنْهَا وَبعد مِنْهَا مَعَ علمه بقبح أَحْوَاله وَسُوء أَعماله وَكم من عَاص يظنّ أَنه مُطِيع وبعيد يظنّ أَنه قريب ومخالف يعْتَقد أَنه مُوَافق وَمن متهتك يعْتَقد أَنه متنسك وَمن مُدبر يعْتَقد أَنه مقبل وَمن هارب يعْتَقد أَنه طَالب وَمن جَاهِل يعْتَقد أَنه عَارِف وَمن آمن يعْتَقد أَنه خَائِف وَمن مراء يعْتَقد أَنه مخلص وَمن ضال يعْتَقد أَنه مهتد وَمن عَم يعْتَقد أَنه مبصر وَمن رَاغِب يعْتَقد أَنه زاهد كم من عمل يعْتَقد عَلَيْهِ الْمرَائِي وَهُوَ وبال عَلَيْهِ وَمن طَاعَة يهْلك بهَا المسمع وَهِي مَرْدُودَة إِلَيْهِ وَالشَّرْع ميزَان يُوزن بِهِ الرِّجَال وَبِه يتَبَيَّن الرِّبْح من الخسران فَمن رجح فِي ميزَان الشَّرْع كَانَ من أَوْلِيَاء الله وتختلف مَرَاتِب الرجحان فأعلاها مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء فَمن دونهم وَلَا تزَال الرتب تتناقص إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى أقل مَرَاتِب الرجحان وَمن نقص فِي ميزَان الشَّرْع فَأُولَئِك أهل الخسران وتتفاوت خفتهم فِي الْمِيزَان فأخسها مرتبَة الْكفَّار وَلَا تزَال الْمَرَاتِب تتناقص حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى مرتبَة مرتكب أَصْغَر الصَّغَائِر فَإِذا رَأَيْت إنْسَانا يطير فِي الْهَوَاء أَو يمشي على المَاء أَو يخبر عَن المغيبات ثمَّ يُخَالف الشَّرْع بارتكاب الْمُحرمَات بِغَيْر سَبَب مُحَلل وَيتْرك الْوَاجِبَات بِغَيْر سَبَب مجوز فَاعْلَم أَنه شَيْطَان نَصبه الله فتْنَة للجهلة وَلَيْسَ ذَلِك بَعيدا من الْأَسْبَاب الَّتِي وَضعهَا الله تَعَالَى للضلال فَإِن الدَّجَّال يحيي وَيُمِيت فتْنَة لأهل الضلال وَكَذَلِكَ يَأْتِي الخزنة فتبثه كنوزها كيعاسيب النَّحْل وَكَذَلِكَ يظْهر للنَّاس أَن مَعَه جنَّة وَنَارًا وناره جنَّة وجنته نَار وَكَذَلِكَ من يَأْكُل الْحَيَّات وَيدخل النيرَان فَإِنَّهُ مرتكب لِلْحَرَامِ يَأْكُل
[ ١١١ ]
الْحَيَّات وفاتن للنَّاس بِدُخُول النَّار ليقتدوا بِهِ فِي ضلالته ويتابعوه على جهالته انْتهى كَلَام سُلْطَان الْعلمَاء
قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة وَنقل عَن شرح مُسلم أَن سنة النَّبِي ﷺ وَقَوله الصَّحِيح أولى وَأفضل من قَول الْمُجْتَهد وَفِي شرح الْمُهَذّب للنووي إِذا ثَبت الحَدِيث على خلاف قَول الْمُقَلّد وفتشته فَلم تَجِد لَهُ مُعَارضا وَكَانَ المفتش لَهُ أَهْلِيَّة فَإِنَّهُ يتْرك قَول صَاحب الْمَذْهَب وَيَأْخُذ بِالْحَدِيثِ وَيكون حجَّة للمقلد فِي ترك مَذْهَب مقلده
وَفِي قوت الْقُلُوب وَمن محبَّة الرَّسُول ﷺ إِيثَار سنته على الرَّأْي والمعقول انْتهى
وَقَالَ الشعراني فِي الْمِيزَان فَإِن قلت فَمَا أصنع بالأحاديث الَّتِي صحت بعد موت إمامي وَلم يَأْخُذ بهَا فَالْجَوَاب يَنْبَغِي لَك أَن تعْمل بهَا فَإِن إمامك لَو ظفر بهَا وَصحت عِنْده لربما كَانَ أَمرك بهَا فَإِن الْأَئِمَّة كلهم أسرى فِي يَد الشَّرِيعَة وَمن فعل ذَلِك فقد حَاز الْخَيْر بكلتا يَدَيْهِ وَمن قَالَ لَا أعمل بِحَدِيث إِلَّا أَن أَخذ بِهِ إمامي فَاتَهُ خير كثير كَمَا عَلَيْهِ كثير من المقلدين لأئمة الْمذَاهب وَكَانَ الأولى لَهُم الْعَمَل بِكُل حَدِيث صَحَّ بعد إمَامهمْ تنفيذا لوَصِيَّة الْأَئِمَّة فَإِن اعتقادنا فيهم أَنهم لَو ظفروا بِتِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي صحت بعدهمْ لأخذوا بهَا وَعمِلُوا بهَا وَيحْتَمل أَن الَّذِي أضَاف إِلَى الإِمَام أبي حنيفَة أَنه يقدم الْقيَاس على النَّص إِنَّمَا ظفروا بذلك فِي كَلَام مقلديه الَّذين يلتزمون الْعَمَل بِمَا وجدوه عَن إمَامهمْ من الْقيَاس ويتركون الحَدِيث الَّذِي صَحَّ بعد موت الإِمَام فالإمام مَعْذُور وَأَتْبَاعه غير معذورين وَقَوْلهمْ إِن إمَامهمْ لم يَأْخُذ بِهَذَا الحَدِيث لَا ينتهض حجَّة لاحْتِمَال أَنه لم يظفر بِهِ أَو ظفر بِهِ لكنه لم يَصح عِنْده وَقد تقدم أَن الْأَئِمَّة كلهم قَالُوا إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مَذْهَبنَا وَلَيْسَ لأحد قِيَاس وَلَا حجَّة إِلَّا طَاعَة الله تَعَالَى وَرَسُوله ص وَهَذَا الْأَمر الَّذِي ذَكرْنَاهُ يَقع فِيهِ كثير من النَّاس فَإِذا وجدوا عَن أَصْحَاب إِمَام مَسْأَلَة جعلوها مذهبا لذَلِك الإِمَام وَهُوَ تهور فَإِن مَذْهَب الإِمَام حَقِيقَة هُوَ مَا قَالَه وَلم يرجع عَنهُ إِلَى أَن مَاتَ لَا مَا فهم أَصْحَابه من كَلَامه فقد لَا يرى الإِمَام ذَلِك الْآمِر الَّذِي فهمه من كَلَامه وَلَا يَقُول بِهِ لَو عرض عَلَيْهِ فَعلم أَن من عزى إِلَى الإِمَام كل مَا فهم من كَلَامه فَهُوَ جَاهِل بِحَقِيقَة الْمذَاهب انْتهى
وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن يحيى الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله لأقربه على من أَرَادَهُ لإعلامه نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ ويحتاط فِيهِ لنَفسِهِ انْتهى
[ ١١٢ ]