الخبر لغة: النبأ.
والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
وقد سبق الكلام على أحكام كثيرٍ من القول.
وأما الفعل فإن فعله ﷺ أنواع:
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلّة؛ كالأكل والشرب والنوم، فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأمورًا به أو منهيًّا عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين، أو منهي عنها كالأكل بالشمال.
الثاني: ما فعله بحسب العادة؛ كصفة اللباس فمباح في حدِّ ذاته، وقد يكون مأمورًا به أو منهيًّا عنه لسبب.
الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية؛ فيكون مختصًّا به، كالوصال في الصوم والنكاح بالهبة.
ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به.
الرابع: ما فعله تعبدًا فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون مندوبًا في حقه وحقنا على أصح الأقوال، وذلك لأن فعله تعبدًا يدل على مشروعيته، والأصل عدم
[ ٥٧ ]
العقاب على الترك فيكون مشروعًا لا عقاب في تركه، وهذا حقيقة المندوب.
مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (١)، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل، فيكون مندوبًا.
ومثال آخر: كان النبي ﷺ يخلل لحيته في الوضوء (٢). فتخليل اللحية ليس داخلًا في غسل الوجه، حتى يكون بيانًا لمجمل، وإنما هو فعل مجرد فيكون مندوبًا.
الخامس: ما فعله بيانًا لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا، فإن كان واجبًا كان ذلك الفعل واجبًا، وإن كان مندوبًا كان ذلك الفعل مندوبًا.
مثال الواجب: أفعال الصلاة الواجبة التي فعلها النبي ﷺ بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: من الآية ٤٣].
ومثال المندوب: صلاته ﷺ ركعتين خلف المقام بعد أن
_________________
(١) رواه مسلم «٢٥٣» كتاب الطهارة، ١٥ - باب السواك. وأبو داود «٥١» كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره. والنسائي في المجتبى «٨» كتاب الطهارة، ٨ - باب السواك كل حين. وابن ماجه «٢٩٠» كتاب الطهارة، سننها، ٦ - باب ثواب الطهور.
(٢) رواه الترمذي «٢٩، ٣٠» و«٣١» كتاب الطهارة، ٢٣ - باب ما جاء في تخليل اللحية. وابن ماجه، «٤٢٩» و«٤٣٠» كتاب الطهارة وسننها، ٥٠ - باب ما جاء في تخليل اللحية، من حديث عمار وعثمان على التوالي.
[ ٥٨ ]
فرغ من الطواف (١) بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: من الآية ١٢٥] حيث تقدم ﷺ إلى مقام إبراهيم وهو يتلو هذه الآية، والركعتان خلف المقام سنة.
وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولًا كان أم فعلًا.
مثال إقراراه على القول: إقراره الجارية التي سألها: «أين الله؟» قالت: في السماء (٢).
ومثال إقراراه على الفعل: إقراره صاحب السَّرية الذي كان يقرأ لأصحابه، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الاخلاص: (١)، فقال النبي ﷺ: «سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك»، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (٣).
ومثال آخر: إقراره الحبشة يلعبون في المسجد (٤)؛ من أجل التأليف على الإسلام.
_________________
(١) رواه مسلم «١٢١٨» كتاب الحج، ١٠ - باب حجة النبي ﷺ.
(٢) رواه مسلم «٥٣٧» كتاب المساجد، ٧ - باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة. ومالك في «الموطأ» «٢/ ٧٧٦/ ١٤٦٨» كتاب العتق، ٦ - باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة.
(٣) رواه البخاري «٧٣٧٥» كتاب التوحيد، ١ - باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎. ومسلم «٨١٣» كتاب الصلاة، ٤٥ - باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
(٤) رواه البخاري «٤٥٤» كتاب الصلاة، ٦٩ - باب أصحاب الحراب في المسجد. =
[ ٥٩ ]
فأما ما وقع في عهده ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه، ولكنه حجة لإقرار الله له، ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه، قال جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، متفق عليه (١)، زاد مسلم: قال سفيان: ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن.
ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز.