صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي: وجوب المأمور به، والمبادرة بفعله فورًا.
فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية ٦٣]، وجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول ﷺ أن تصيبهم فتنة، وهي الزيغ، أو يصيبهم عذاب أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك
_________________
(١) علق فضيلة الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ومثال ما وصف بأنه فرض: قوله ﷺ: «فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ». ومثال ما وصف بأنه واجب: قوله ﷺ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». ومثال ما وصف بأنه طاعة: قوله ﷺ: «من أطاع أميري فقد أطاعني». ومثال ما مدح فاعله: قوله ﷺ: «نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل». ومثال ما ذم تاركه: قوله ﷺ: «من ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة كفرها» .. ومثال ما رتب على فعله الثواب: قوله ﷺ: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بت عشرا». ومثال ما رتب على تركه العقاب: قوله ﷺ: «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه».
[ ٢٤ ]
واجب؛ فدل على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور.
ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: (١٤٨)، والمائدة: ٤٨] والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة.
ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية، حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس (١).
ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها.
وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك، فيخرج عن الوجوب إلى معان منها:
١ - الندب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب بدليل أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يشهد (٢).
_________________
(١) رواه البخاري «٢٧٣١، ٢٧٣٢» كتاب الشروط، ١٥ - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط. وأحمد «٤/ ٣٢٦/ ١٩١١٧».
(٢) رواه أبو داود «٣٦٠٧» كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد، يجوز له أن يحكم به؟. والنسائي في «الكبرى»، «٦٢٤٣» كتاب البيوع، ٨٢ - التسهيل في ترك الإشهاد على البيع. وأحمد «٥/ ٢١٥»، وصححه الإلباني في «الإرواء» «١٢٨٦».
[ ٢٥ ]
٢ - الإباحة؛ وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جوابًا لما يتوهم أنه محظور.
مثاله بعد الحظر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]
ومثاله جوابًا لما يتوهم أنه محظور؛ قوله ﷺ: «افعل ولا حرج» (١)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض.
٣ - التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: من الآية ٤٠]، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارا﴾ [الكهف: من الآية ٢٩] فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد.
ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي.
مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دلَّ الدليل على أنه للتراخي، فعن عائشة ﵂ قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ (٢)
_________________
(١) رواه البخاري «٨٣» كتاب العلم، ٢٣ - باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها. ومسلم «١٣٠٦» كتاب الحج، ٥٧ - باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٢) انظر: البخاري «١٩٥٠» كتاب الصوم، ٤٠ - متى يقضى قضاء رمضان. ومسلم «١١٤٦» كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان.
[ ٢٦ ]
ولو كان التأخير محرمًا ما أقِرّت عليه عائشة ﵂.