قَالَ: (و[أما] الْإِجْمَاع: [ف] اتِّفَاق عُلَمَاء أهل الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة، ونعني بالعلماء: الْفُقَهَاء و[نعني] بالحادثة: الْحَادِثَة الشَّرْعِيَّة، وَإِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة، دون غَيرهَا؛ لقَوْله ﵇: " لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة، وَالشَّرْع ورد بعصمة هَذِه الْأمة) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان النّسخ: شرع فِي بَيَان الْإِجْمَاع وَهُوَ: الْبَاب الْحَادِي عشر، الْإِجْمَاع فِي اللُّغَة: الْعَزْم والاتفاق، يُقَال: " أجمع الْقَوْم " أَي: عزموا، وَاتَّفَقُوا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم﴾ [يُونُس الْآيَة: ٧١] وَفِي الِاصْطِلَاح: اتِّفَاق عُلَمَاء أهل الْعَصْر على حكم شَرْعِي.
[ ٢٠٠ ]
فَقَوله: " اتِّفَاق الْعلمَاء " ليخرج الْعَوام؛ إِذْ لَيْسُوا من أهل الِاجْتِهَاد، وَلَا يُمكن الْوُقُوف على قَول كل فَرد مِنْهُم؛ لكثرتهم، بِخِلَاف الْعلمَاء.
وَذهب بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى اعْتِبَار مُوَافقَة الْعَوام؛ لأَنهم من الْأمة، وَقد حكم لَهُم بالعصمة؛ لعدم اجْتِمَاعهم على الضَّلَالَة.
وَقَوله: " عُلَمَاء الْعَصْر " ليخرج من بعدهمْ؛ لأَنهم إِذا اجْتَمعُوا فِي الْعَصْر الْوَاحِد على حكم لَا يضر من خالفهم بعده.
[ ٢٠١ ]
وَقَوله: " ونعني بالعلماء " الْفُقَهَاء "؛ ليخرج الْمُتَكَلِّمين والنحويين وَغَيرهم.
المُرَاد بالفقهاء: المجتهدون المستنبطون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بالأدلة.
بِخِلَاف من نقل مذْهبه عَن غَيره، فَإِنَّهُ لم يكن مِنْهُم، وَلَا تضر مخالفتهم.
وَقَوله: " إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة " إِلَى آخِره؛ ليخرج غَيرهَا كاليهود وَالنَّصَارَى؛ فَإِن إِجْمَاعهم لَيْسَ بِحجَّة.
وَإِنَّمَا كَانَ إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة؛ لعدم إِمْكَان اتِّفَاق جمَاعَة عَظِيمَة شريفة مشهود لَهُم بالعصمة [عَن] الْبَاطِل، وَلِهَذَا كَانَ السّلف يشددون التنكير على
[ ٢٠٢ ]
مُخَالف الْإِجْمَاع وَالله أعلم.