قَالَ: (وَالْفِقْه: معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الَّتِي طريقها الِاجْتِهَاد) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْأُصُول أَخذ فِي تَعْرِيف الْجُزْء الثَّانِي وَهُوَ: الْفِقْه؛ لِأَن الْفِقْه فِي اللُّغَة: الْفَهم
[ ٨٠ ]
وَفِي الِاصْطِلَاح مَخْصُوص بِمَعْرِفَة الْأَحْكَام . إِلَى آخِره.
وَإِنَّمَا قيد الْأَحْكَام بالشرعية؛ لتخرج الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة كَقَوْلِنَا: " الْحَرَكَة
[ ٨١ ]
والسكون لَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَال وَاحِد وَلَا يرتفعان " لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد إِمَّا أَن يكون سَاكِنا أَو متحركًا.
وَكَذَا " الْبيَاض والسواد " و" النَّفْي الْإِثْبَات ".
وَكَذَا قَوْلنَا: " الْكل أعظم من الْجُزْء ".
فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء تعرف بِالْعقلِ.
بِخِلَاف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَهِيَ لَا تعرف إِلَّا بِالنَّقْلِ كالتبييت شَرط فِي صَوْم رَمَضَان، وَأَن لَا زَكَاة فِي حلي مُبَاح، وَلَا فِي الْإِبِل إِذا لم تكن سَائِمَة.
[ ٨٢ ]
فَهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا تعرف إِلَّا بِالشَّرْعِ، لَا بِالْعقلِ.
وَلِهَذَا لم يقل للعارف بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّة: فَقِيه.
وَقَوله: " الَّتِي طريقها الِاجْتِهَاد " أَرَادَ إِخْرَاج الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة القطعية الَّذِي يُشَارك فِي مَعْرفَتهَا الْعَام وَالْخَاص كَقَوْلِنَا: " الصَّلَوَات الْخمس وَاجِبَة " وَكَذَا: " الْحَج " و" إِن الزِّنَا محرم " وَكَذَا " السّرقَة ".
فَلَا تتَوَقَّف معرفَة هَذِه على الِاجْتِهَاد، وَلَا يُقَال للعارف بهَا فَقِيه.
وَإِنَّمَا الْفَقِيه هُوَ الْعَارِف بمسائل النّظر وَالِاجْتِهَاد الَّتِي لَيْسَ للعوام مِنْهَا سوى التَّقْلِيد.
[ ٨٣ ]
فَإِن قيل: الْألف وَاللَّام الدَّاخِلَة على الْأَحْكَام لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر لتَكون للْعهد وَلَا يجوز أَن تكون للاستغراق إِذْ مَا من أحد إِلَّا وَلَا بُد أَن يشذ عَنهُ شَيْء من الْأَحْكَام، فَحِينَئِذٍ يتَعَذَّر وجود فَقِيه وَاحِد.
وَلَا يجوز أَن يحمل على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لَو حمل عَلَيْهَا لقيل لكل من عرف حكما وَاحِدًا: فَقِيه. وَلَيْسَ كَذَلِك على تعريفهم.
وَالْجَوَاب: أَن الْأَحْكَام السَّبْعَة الْآتِي ذكرهَا وَإِن لم تذكر فَهِيَ معهودة عِنْد الْإِطْلَاق فَيصْرف إِطْلَاقهم الْأَحْكَام إِلَيْهَا وَالله أعلم.
[ ٨٤ ]