قَالَ: (وَأما الْقيَاس: فَهُوَ رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل فِي الحكم بعلة تجمعهما، وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: قِيَاس عِلّة، وَقِيَاس دلَالَة، وَقِيَاس شبه) .
[ ٢٢٢ ]
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَخْبَار: شرع فِي الْقيَاس، وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث عشر.
وأصل الْقيَاس فِي اللُّغَة: التَّقْدِير، يُقَال: " قست الثَّوْب بالذراع " إِذا قدرته بِهِ
وَقد رسم الْقيَاس برسوم:
أظهرها عِنْد الشَّيْخ: " رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل فِي الحكم بعلة تجمعهما ".
[ ٢٢٣ ]
يُشِير إِلَى إِمْكَان الْقيَاس وَهُوَ: لَا يحصل إِلَّا بِثَلَاثَة أَرْكَان: " أصل "، و" فرع " و" عِلّة بَينهمَا "؛ ليحكم على الْفَرْع بِمَا حكم على الأَصْل.
مِثَاله: بيع الْحِنْطَة بِمِثْلِهَا مُتَفَاضلا حَرَامًا اتِّفَاقًا للْحَدِيث، فقسنا عَلَيْهَا بيع الذّرة بِمِثْلِهَا مُتَفَاضلا؛ لِأَن الْعلَّة فِي تَحْرِيم التَّفَاضُل فِي الأَصْل هُوَ: الطّعْم، وَهُوَ مَوْجُود فِي الذّرة، فَحكم على الذّرة [ب] مَا حكم على الأَصْل؛ لعِلَّة بَينهمَا.
وَهَذَا دَلِيل ظَاهر على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ.
[ ٢٢٤ ]
وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل السّنة.
وَذهب قوم إِلَى عدم الْعَمَل بِهِ.
وَبِه قَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيّ.
مُتَمَسِّكِينَ بقوله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ [الْأَنْعَام الْآيَة: ٣٨، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ [النِّسَاء الْآيَة: ٥٩] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ [يُونُس الْآيَة: ٣٦]
[ ٢٢٥ ]
واحتجزوا - أَيْضا - بِأَحَادِيث من السّنة، وَأجِيب عَن جَمِيعهَا وَالْحَمْد لله، فَلَا نطول فِيمَا لَا حَاجَة لنا فِيهِ.
إِنَّمَا اقْتصر على أَدِلَّة الْجُمْهُور وَالله الْمُسْتَعَان. أَقُول: من الْأَدِلَّة على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ [الْحَشْر الْآيَة: ٢] فَإِن الِاعْتِبَار مُشْتَقّ من العبور، وَهُوَ الْمُجَاوزَة من شَيْء إِلَى آخر، وَهَذَا عين الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ مُجَاوزَة الحكم من الأَصْل إِلَى الْفَرْع.
وَمِنْهَا: قصَّة معَاذ، وَأبي مُوسَى حِين أرسلهما قاضيين إِلَى الْيمن قَالَ:
[ ٢٢٦ ]
لَهما: (بِمَ تقضيان؟) قَالَا: بِكِتَاب الله، قَالَ: (فَإِن لم تجداه؟) قَالَا: (بِسنة رَسُول الله - تَعَالَى -) قَالَ: (فَإِن لم تجداه؟) قَالَا: (نجتهد رَأينَا) فأقرهما على ذَلِك.
[ ٢٢٧ ]
وَمِنْهَا: إِجْمَاع الصَّحَابَة على عدم الْإِنْكَار على من فعله فِي زمنهم كاختلافهم فِي تَوْرِيث الْجد والأكدرية، وَمن قَالَ لزوجته: أَنْت [عَليّ] حرَام فَكل مِنْهُم ذهب إِلَى قِيَاسه، وَعمل بِهِ، وَلم يُنكر غَيره عَلَيْهِ.
[ ٢٢٨ ]
وَمِنْهَا الْعقل دَال على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَن الحكم إِذا تعلق بِالْأَصْلِ: كَانَ تعلقه بالفرع أولى.
فَهَذِهِ أَدِلَّة من الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْعقل وَالله أعلم.