قَالَ: (والآحاد: الَّذِي يُوجب الْعَمَل، وَلَا يُوجب الْعلم، وينقسم إِلَى قسمَيْنِ: مُسْند، ومرسل، فَالْمُسْنَدُ: مَا اتَّصل إِسْنَاده، والمرسل: مَا لم يتَّصل إِسْنَاده، فَإِن كَانَ من مَرَاسِيل غير الصَّحَابَة فَلَيْسَ بِحجَّة، إِلَّا مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب،
[ ٢١٣ ]
فَإِنَّهَا فتشت فَوجدت مُسْنده، والعنعنة تدخل على الْإِسْنَاد) .
أَقُول: لما فرغ من أَخْبَار التَّوَاتُر: شرع [فِي] أَخْبَار الْآحَاد، ورسم الْآحَاد ب: الَّذِي يُوجب الْعَمَل، وَلَا يُوجب الْعلم؛ لِأَن خبر الْآحَاد ظَنِّي؛ لتطرق الْوَهم إِلَى الْآحَاد.
وَالْمرَاد بالآحاد: مَا لم يبلغُوا رُتْبَة التَّوَاتُر.
لَا أَن يروي وَاحِد عَن وَاحِد، بل لَو روى خَمْسَة عَن خَمْسَة وَلم تتواتر، أَو
[ ٢١٤ ]
خلق كثير عَن كثير، وَانْقطع بَين الروَاة - كَمَا سبق - كَانَ آحادًا.
وَإِنَّمَا أَوجَبْنَا الْعَمَل بِهِ؛ اقتداءًا بِأَصْحَابِهِ - ﵃ -؛ لأَنهم كَانُوا إِذا اخْتلفُوا فِي وَاقعَة رجعُوا إِلَى قَول آحَاد الصَّحَابَة، وَلم يُنكر بَعضهم على بعض، وَلِهَذَا أَوجَبْنَا الْعَمَل بالآحاد: -
فَإِنَّهُم رجعُوا إِلَى الْغسْل من الْوَطْء من غير إِنْزَال بقول عَائِشَة، وَفِي
[ ٢١٥ ]
تَوْرِيث الْجدّة بقول الْمُغيرَة، وَمُحَمّد بن مسلمة.
وَغير ذَلِك.
[ ٢١٦ ]
ثمَّ قسم الْأَخْبَار [الآحادية] إِلَى قسمَيْنِ: " مُسْند " و" مُرْسل ".
ورسم الْمسند ب " مَا اتَّصل إِسْنَاده.
وَالْمرَاد بالاتصال: أَن يروي شخص عَن شخص إِلَى الْمخبر عَنهُ يُقَال: " أسْند الْخَبَر إِلَى فلَان: إِذا تَلقاهُ مِنْهُ.
بِخِلَاف الْمُرْسل، وَهُوَ: إِذا قَالَ التَّابِعِيّ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ] وَلم يذكر من سَمعه مِنْهُ من الصَّحَابَة؛ إِذْ التَّابِعِيّ: لم يسمع من النَّبِي [ﷺ] شَيْئا.
وَكَذَا من لم يسم من روى عَنهُ فَهَذَا لَيْسَ بِمُسْنَد؛ لعدم اتِّصَاله.
[ ٢١٧ ]
فَأَما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فحجة.
وَهُوَ: أَن يخبر من غير تعرضه للمخبر عَنهُ، سَوَاء كَانَ النَّبِي [ﷺ]، أَو صَحَابِيّ مثله، لِأَن فِي الْغَالِب لَا يروي الصَّحَابِيّ إِلَّا مَا سَمعه من مثله، أَو من رَسُول الله [ﷺ] .
وَأما مَرَاسِيل غير الصَّحَابَة: فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيست بِحجَّة؛ لِأَن
[ ٢١٨ ]
إهمال الرَّاوِي الْإِسْنَاد دَال على ضعفه.
وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنه حجَّة؛ لِأَنَّهُ مَا حذفه إِلَّا تَزْكِيَة لقائله.
وَرُبمَا يذكر الشَّيْخ؛ لعدم التَّزْكِيَة.
[ ٢١٩ ]
ثمَّ اسْتثْنى الشَّيْخ - رَحمَه الله تَعَالَى - مَرَاسِيل سعيد.
ثمَّ عللها أَنَّهَا فتشت فَوجدت مسانيد.
وَفِي هَذَا التَّعْلِيل نظر فَكَأَن الْأَخْذ بالسند، لَا بِالْإِرْسَال، لَكِن نقُول: إِنَّمَا كَانَ يُرْسل عَن أبي هُرَيْرَة - فَقَط -، وَلَو ذكره لوَجَبَ الْعَمَل بِهِ، بِخِلَاف غَيره لَو سَمَّاهُ: فَيحْتَمل أَن يقبل، وَيحْتَمل أَن لَا يقبل.
قَوْله: " والعنعنة تدخل على الْإِسْنَاد " وَهُوَ: أَن يَقُول الرَّاوِي " عَن فلَان " من غير أَن يُسَمِّي شَيْخه.
لَكِن هَذِه العنعنة لَا تخرجه عَن الْإِرْسَال، بل إِن كَانَ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ يُمكن لقاه: فَهُوَ مُسْند، إِلَّا إِذا كَانَ الرَّاوِي مدلسًا وَهُوَ: أَن يروي عَن رجل ضَعِيف مَشْهُور يُوهِمهُ على السَّامع. فَهَذَا لم يكن مُرْسلا، وَلَا مُسْندًا، وَلم يقبل وَالله أعلم.
[ ٢٢٠ ]