قَالَ: (وَمن شَرط المستفتي: أَن يكون من أهل التَّقْلِيد، فيقلد الْمُفْتِي فِي الْفَتْوَى،
[ ٢٤٥ ]
وَلَيْسَ للْعَالم أَن يُقَلّد، وَقيل: يُقَلّد) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمُفْتِي: شرع فِي بَيَان المستفتي، وَهُوَ الْبَاب السَّابِع عشر.
فَقَوله: " من شَرط المستفتي: أَن يكون من أهل التَّقْلِيد " احْتِرَاز عَمَّن اجْتمعت فِيهِ شَرَائِط الِاجْتِهَاد، فَلَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد.
بِخِلَاف الْعَاميّ فَيجوز لَهُ أَن يَأْخُذ دينه من غَيره؛ إِذا لَو كلف النَّاس - كلهم -[بِالِاجْتِهَادِ]: لبطلت مَعَايشهمْ بِسَبَب اشتغالهم بأدوات الِاجْتِهَاد.
وَقَوله: " فيقلد الْمُفْتِي " يُشِير إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهمَا: انه لَا يجوز للعامي أَن يُقَلّد كل أحد، بل لمن يكون أَهلا للتقليد،
[ ٢٤٦ ]
ليخرج عَن الْعهْدَة، ويتحملها الْمُفْتِي.
وَالثَّانيَِة: أَنه لَا يجوز أَن يُقَلّد الْعَالم بِمُجَرَّد فعله؛ لاحْتِمَال أَن يكون ترخص فِيهِ: وَذَلِكَ بِأَن يرى الْعَاميّ الْعَالم يفعل شَيْئا، فَلَا يقلده فِيهِ، بل يسْأَل عَنهُ: إِن أفتاه بِهِ جَازَ، وَإِلَّا: فَلَا.
وَقَوله: " وَقيل: يُقَلّد " يُشِير إِلَى أَن الْعَالم يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيمَا أشكل عَلَيْهِ.
وَبِه قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وسُفْيَان
[ ٢٤٧ ]
الثَّوْريّ.
وَالْأول: أظهر لِأَنَّهُ مُكَلّف بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال. وَالله أعلم
[ ٢٤٨ ]