الفصل الثالث في المحكوم به وفيه عدة مسائل
الأولى: في جواز التلكيف بالمحال
قال الفصل الثالث في المحكوم به وفيه مسائل:
الأولى: التكليف بالمحال جائز لأن حكمه لا يستدعي غرضا قيل لا يتصور وجوده فلا يطلب قلنا إن لم يتصور امتنع الحكم باستحالته.
ما لا يقدر العبد عليه قد يكون معجوزا عنه متعذرا عادة لا عقلا كالطيران في الهواء وقد يكون متعذرا عقلا ممكنا عادة كمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن فإن إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلا لتعلق علم الله به وإذا سئل ذوو العوائد عنه حكموا بأن الإيمان في إمكانه وهكذا كل طاعة قدر في الأزل عدمها وقد يكون متعذرا عادة وعقلا كالجمع بين السواد والبياض.
إذا عرفت هذا فمحمل النزاع في التكليف بالمستحيل إنما هو المتعذر عادة سواء كان معه التعذر العقلي أم لا أما المتعذر عقلا فقط لتعلق علم الله به فأطبق العقلاء عليه وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١ فنقول ذهب جماهير الأصحاب إلى أنه يجوز التكليف بالمحال وذهبت المعتزلة إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقا وإليه ذهب بعض أصحابنا كالشيخ أبي حامد وإمام الحرمين والغزالي واختاره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد٢ كما صرح به في شرح العنوان وذهب قوم
_________________
(١) ١ سورة يوسف ﵇ آية ١٠٣. ٢ هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المصري نشأ في قوص بصعيد مصر ولد في=
[ ١ / ١٧١ ]
إلى أنه إن كان ممتنعا لذاته لم يجز وإلا جاز واختاره الآمدي وادعى أن الغزالي مال إليه وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يجوز أن يرد التكليف بالمحال فإن ورد لا نسميه تكليفا بل يكون علامة نصبها الله على عذاب من كلف بذلك واستدل في الكتاب على الجواز مطلقا بأن امتناع التكليف عند القائل به إنما هو لكونه عبثا وذلك مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وهو باطل وهذا يصلح ردا على من بنى الامتناع على ذلك وهم المعتزلة وأما من وافقهم مع أصحابنا فلهم مأخذ آخر.
واحتج المعتزلة ومن وافقهم بأن المحال لا يتصور لأن كل ما يتصور بالعقل فهو معلوم إذ التصور من جملة أقسام العلم وكل معلوم متميز وكل متميز ثابت لأن التميز صفة وجودية ولا بد لها من موصوف موجود ضرورة عدم قيام الموجود بالمعدوم فلو كان متصورا لكان ثابتا ولكنه غير ثابت فلا يكون متصورا وإذا كان غير متصور فلا يكلف به لأنه والحالة هذه مجهول.
قال الغزالي والمطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق وأجاب المصنف بأنه إن كان غير متصور كما ذكرتم فيمتنع منكم الحكم عليه لأن الحكم على الشيء فرع تصوره فلم حكمتم عليه بالاستحالة؟
ولقائل أن يقول الحكم بالاستحالة إنما يتوقف على تصوره في الذهن لا على تصور وجوده في الخارج ولا يمتنع تصوره في الذهن وليس المراد من قوله لا يتصور وجوده الوجود الذهني بل الخارجي وهذا حق وجوابه أن لا نسلم أن كل ما لا يتصور وجوده في الخارج لا يطلب وهل النزاع إلا فيه.
_________________
(١) = شعبان سنة ٦٢٥ هـ بينبع من أرض الحجاز وكان والده في رحلة الحج فطاف به حول الكعبة داعيا له فاستجاب الله دعاه فكان ولده من العلماء العالمين وذاع صيته واشتهر بالصلاح والتقى حتى لقب بـ تقي الدين. من مؤلفاته شرح كتاب عمدة الأحكام الإمام والإلمام في أحاديث الأحكام مقدمة المطرزي في أصول الفقه. توفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ٧٠٢ بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى شذرات الذهب ٥/٦ الدرة الكامنة ٤/٩٤ درة الحجال ٢/١٥.
[ ١ / ١٧٢ ]
قال غير واقع بالممتنع لذاته كإعدام القديم وقلب الحقائق.
اختلف القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه فذهب الجمهور إلى عدم وقوعه والمختار عند المصنف التفصيل الذي ذكره وهو عدم الوقوع بالممتنع لذاته كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى وإعدام القديم هذا ما ذكره وهو يفهم وقوع الممتنع لغيره والحق فيه التفصيل أيضا فإن كان مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف فحكمه حكم الممتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع وأما ما امتنع لتعلق العلم به فذاك ليس محل النزاع بل هو واقع بالإجماع كما سلف.
فائدة قد عرفت ما عليه جمهور الأصحاب من تجويز للتكليف بالمحال واختلافهم في الوقوع على الوجه الذي رأيت فأما التجويز فهو المنقول عن أبي الحسن وهو لازم على قضايا مذهبه وأما الوقوع فقد نقلوا اختلافا عنه فيه.
قال إمام الحرمين وهذا لسوء معرفة مذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة عنده على خلاف الاستطاعة.
قال ويتقرر هذا من وجهين:
أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه وهو إذ ذاك غير مستطع قال ولا يدفع ذلك قول القائل إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرا على الفعل فهو قادر على ضد من أضداده ملابس له فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن اضداده قال وأيضا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه.
والثاني: أن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها بل مقدورها مخلوق الله تعالى والعبد مطالب بما هو من فعل ربه قال ولا معنى للتمويه بالكسب فإنا سنوضح سر ما نعتقده في خلق الأفعال انتهى.
[ ١ / ١٧٣ ]
ولقائل أن يقول على الأول قولكم ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده قلنا الكلام على رأي الشيخ وهو يرى ذلك لا على رأيكم قال صفي الدين الهندي بل الجواب عنه أن ما هو متلبس به عند ورود الخطاب ليس ضدا له وهو الآن ضده الوجودي المنهي عنه وهو الذي يستلزم للتلبس به تركه في الزمان الذي أمر بإيقاع الفعل فيه وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه لكنه حاصل عند ورود الخطاب والأمر بترك الحاصل محال اللهم إلا أن يقال إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به وحينئذ يعود المحذور المذكور.
واعلم أن الوجه الأول لا يلزم على الشيخ إلا إذا قال بتوجه الأمر قبل الفعل وفيه ما تقدم من النزاع في المسألة المتقدمة وأما الوجه الثاني فلا يلزم تجويز التكليف بالممتنع لذاته أو الممتنع عادة.
[ ١ / ١٧٤ ]