الفصل الثاني: في صيغة أفعل
قال: الفصل الثاني في صيغته وفيه مسائل:
الأولى: أن صيغة أفعل ترد لستة عشر معنى
الأول: الإيجاب أقيموا الصلاة.
الثاني: الندب: فكاتبوهم ومنه: كل مما يليك.
الثالث: الإرشاد: واستشهدوا.
الرابع: الإباحة: كلوا.
الخامس: التهديد: اعملوا ما شئتم ومنه: قل تمتعوا.
السادس: الامتنان: كلوا مما رزقكم الله.
السابع: الإكرام: ادخلوها.
الثامن: التسخير: كونوا قردة.
التاسع: التعجيز: فأتوا بسورة.
العاشر: الإهانة: ذق.
الحادي عشر: التسوية: اصبروا أو لا تصبروا.
الثاني عشر: الدعاء: اللهم اغفر لي.
الثالث عشر: التمني:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى.
[ ٢ / ١٥ ]
الرابع عشر: الاحتقار: بل ألقوا
الخامس عشر: التكوين: كن فيكون
السادس عشر: الخبر: فاصنع ما شئت وعكسه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ "لا تنكح المرأة المرأة".
تقدم أن الأمر اسم للقول للطالب للفعل وهذا شروع في ذكر صيغته وهي أفعل ويقوم مقامها اسم الفعل كصه والمضارع المقرون باللام مثل ليقم زيد.
وقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه لا صيغة للأمر تخص به وأن قول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين جميع محتملاته ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.
وقال آخرون ليس المعنى بتوقف أبي الحسن في المسألة إلا أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل افعل في اللسان فهو مشكوك فيه على هذا الرأي ثم نقل عن أبى الحسن ناقلون انه يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن.
قال إمام الحرمين وهو زلل بين في النقل ثم قال إمام الحرمين الذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت أو ألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألقاه في وضع اللسان مترددا وإذا كان كذلك في الظن به إذا اقترن بقول القائل افعل لفظا وألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن يقول افعل حتما أو افعل واجبا نعم قد يتردد المتردد في الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها فالمشعر بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة بقول القائل أفعل أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على مافيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.
[ ٢ / ١٦ ]
وهذا هو التنبيه على سر مذهب أبى الحسين والقاضي وطبقة الواقفية١.
هذا كلام إمام الحرمين ثم قال المصنف صيغة افعل ترد لستة عشر معنى:
الأول: الإيجاب كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢.
الثاني: الندب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٣ فإن الكتابة مستحبة لهذه الآية وحكى صاحب التقريب قولا للشافعي أنها واجبة إذا طلبها قوله ومنه أي ومن المندوب التأديب كقوله ﷺ لعمر بي أبى سلمة: "كل مما يليك" رواه البخاري ومسلم فإن الأدب مندوب إليه وقد جعله بعضهم قسيما للمندوب والحق أن افتراقها افتراق العام والخاص لما ذكرناه.
واعلم أن التمثيل بالأكل مما يليه ليس بجيد فان الذي نص عليه الشافعي ﵁ في غير موضع أن من أكل مما لا يليه عالما بنهي النبي ﷺ كان آثما عاصيا وذكره شارح الرسالة أبو بكر الصيرفي وأقره عليه والشافعي نص عليه على هذه المسألة في أخوات لها غريبات أخرجهن والدي ﵀ وأطال الله بقاه وصف فيهن كتابه المسمى بكشف اللبس عن المسائل الخمس ونص المنصوص وقد ذكرنا عيون ذلك المختصر في ترجمة البويطي من كتابنا طبقات الفقهاء.
الثالث: الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتة لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه
_________________
(١) ١ الواقفة: فرقة من فرق الخوارج ينتمون إلى فرقة تسمى العجاردة. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٤وما بعدها طبعة صبيح بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢ سورة البقرة آية ٤٣. ٣ سورة النور آية ٣٣. ٤ سورة البقرة آية ٢٨٢.
[ ٢ / ١٧ ]
وقد يقال إنه يثاب عليه لكونه ممتثلا ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه ويكون الفارق إذا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة والآخر لمنافع الدنيا والتحقيق أن الذي فعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال.
[ ٢ / ١٨ ]