قال: الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل للتكرار وقيل للمرة وقيل بالتوقف للاشتراك أو للجهل بالحقيقة.
الأمر: إما أن يرد مقيدا وهو نوعان:
أحدهما: أن يرد مقيدا بالمرة أو بالتكرار فيحمل عليه قطعا.
والثاني: ان يرد مقيدا بصفة أو شرط وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما إن يرد مطلقا عاريا من القيود وهو مسألة الكتاب وفيه مذاهب.
أحدهما: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة وانما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا أن الأمر يدل عليها بذاته واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب ونص على اختيار القول به القاضي في التلخيص لإمام الحرمين.
وقد عبر المصنف عن المرة بقوله ولا يدفعه فانه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة فإنه لو كان للمرة يدفع التكرار إذ هما متقاربان.
والثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر ونقل الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر
[ ٢ / ٤٨ ]
وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وذكر الاصفهاني ان العالمي نقله عن اكثر أصحاب الشافعي لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما صرح به اكثر الاصوليين منهم الشيخ أبو اسحاق وإمام الحرمين وابن الصباغ في عدة العالم والآمدي وغيرهم.
قال صفي الدين الهندي ثم لا يخفي عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي وهو إعادة الفعل الأول فان ذلك غير ممكن من المكلف وإنما المراد مثله ولك أن تقول ما تريد بقولك ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول أتريد الماهية مع قيد التشخيص في الأول أم الماهية وحدها الأول مسلم والثاني ممنوع لان الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.
والثالث: انه يدل على المرة ولا يحتمل التكرار وإنما يحمل عليه بدليل ونقله الشيخ أبو اسحاق عن اكثر أصحابنا وأبي حنيفة واكثر الفقهاء وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب والشيخ أبى حامد ونقل بعض الشارحين تبعا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية ثم خطا هذا الشارح والآمدي بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات.
واعلم أن الآمدي لم ينقل في الأحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع وهذه عبارة الآمدي ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبى الحسين البصري وكثير من الاصوليين ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها نفي ولا إثبات وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى والظاهر أن نسخة الاصفهاني وكذلك هذا الشارع من الأحكام سقيمة منها من قوله ومنهم إلى قوله وإليه وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.
واعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثير من الاصوليين المذهب المختار وهو خلاف ما نقله عنه الآمدي كما رأيت والذي رأيته في
[ ٢ / ٤٩ ]
المعتمد يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح بل لم يحك هذا القول الذي نقله عن الآمدي بالأصالة.
والرابع: التوقف قالوا وهو محتمل لشيئين.
أحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة وهذا قد صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه المرصاد الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.
والثاني: أنه لاحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجهلنا بالواقع ولقائل أن يقول وضعه للمرة وللتكرار كل منهما على حدته وضع للنقيضين لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان إذ لا تجتمع الوحدة بقيد الوحدة مع الكثرة ولا يرتفعان إذا هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومن نحا نحوه ممتنع فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده أن يجعل التوقف محتملا وفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن إبان أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها وإلا فيلزمه الأقل.
قال: لنا تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض وأنه ورد مع التكرار وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز وأيضا لو كان للتكرار لعم الأوقات فيكون تكليفا بما لا يطاق وينسخه كل تكليف بعده لا يجامعه.
استدل على المختار بأوجه:
أحدهما: أنه لو كان الأمر المطلق دالا على المرة لكان تقييده بها تكرارا وبالمرات نقضا ولو كان دالا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارا بالمرة نقصا والمرازمة بينة والملازمة باطل الصحة قولنا افعل ذلك مرات وليس فيه تكرار ولا نقض ولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجة الا على من يدعي أنه نص بالمرة الواحدة ولا يحتمل التكرار ومن يدعي العكس أما من يدعي التوقف والظهور في أحدهما فلا يصلح حجة عليه.
[ ٢ / ٥٠ ]
الثاني: أنه ورد للتكرار شرعا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وعرفا مثل قول القائل لغيره احفظ دابتي واحسن إلى الناس وورد للمرة شرعا كآية الحج والعمرة وعرفا مثل ادخل الدار وقول السيد لعبده اشتر اللحم فحينئذ إما أن يكون حقيقة فيهما فيلزم الاشتراك أو في أحدهما فيلزم المجاز والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك بينهما وهو طلب الإتيان بالمأمور وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات وحينئذ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.
وهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة وبعض المتأخرين من الاصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه فقالوا إذا كان موضوعا للقدر المشترك الذي هو مطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له لأن الأعم مغاير للأخص لكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز مجازا وأيضا فان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني الذهنية على رأي الإمام واتباعه فإذا استعمل فيما تشخص منهما في الخارج يكون مجازا لأنه غير ما وضع له فتقرر أن استعمال الأمر في المقيد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه وهذا بحث صحيح مطرد في كل أعم استعمل في أخص وبعضهم يفصل فيه فيقول إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة وإن استعمل فيه اعتبار خصوصه فهو مجاز وهذا التفصيل لا حاجة إليه لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص وقوله باعتبار سبب في الإستعمال فهو كاستعمال الأسد الشجاع باعتبار الشجاعة وإن أراد بقوله باعتبار أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص.
الثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار لأنه لو كان مقتضيا للتكرار نعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها وذلك لعدم أولوية وقت دون وقت لكنه لا يعم جميع الأوقات لوجهين.
[ ٢ / ٥١ ]
أحدهما: أنه لو عمها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق.
والثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل المأمور به والثاني يقتضي الإتيان بالمأمور به والإتيان بالمأمور به أولا لا يمكن مع الإتيان به ثانيا فيرتفع وجوبه لعدم إمكان فعله فيلزم النسخ وهو يأكل قطعا لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها والأمر بالحج ليس نسخا للصلاة فثبت ما قلناه من انه لا يعم كل الأوقات وحينئذ لا يكون مقتضيا وانما قيد المصنف بقوله لا يجامعه ليحترز عما يجتمع معه كالصوم مع الصلاة وفي هذين الوجهين نظر.
أما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم.
وأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقا غير مخصص ببعض الأوقات شرعا أو عقلا ومثل هذا غير واقع في الشرع ولو وقع لالتزم الخصم وقوع النسخ وأما إذا كان الامر الثاني مخصوصا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه ولا امتناع في ذلك على أنه غير واقع على الوجه المفروض.
قال: تمسك الصديق ﵁ على التكرار بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه قلنا لعله ﵊ بين تكراره قبل النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر قلنا الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال قيل لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار.
احتج من ذهب إلى أن الأمر يفيد التكرار بثلاثة اوجه.
أحدها: أن أبا بكر الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة من وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار والجواب بعد تسليم أن الإجماع السكوتي إجماع أنه لعل النبي ﷺ بين للصحابة ﵃ أن قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يفيد التكرار فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها
[ ٢ / ٥٢ ]
مستندا إلى ما بينه ﵇ وهذا وإن كان خلاف الأصل إذ الأصل أنه لم يبين لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة وقد يجاب بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلوم التكرار بالضرورة من دين محمد ﵇ أو بأن ههنا مع صيغة الأمر غيرها وهو أن القاعدة تكرر الحكم بتكرر سببه وسبب وجوب الزكاة نعمة من الملك فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة وهذا مقتضى للتكرار غير الامر.
وثانيها: أن النهي يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع كون كل منهما للطلب والجواب أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائما لأن فيه بقاء على العدم وأما امتثاله أبدا اعني استعماله دائما فغير ممكن وهذا الجواب من المصنف ربما يفهم اختياره أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف وقد صرح بعد ذلك بأن النهي كالأمر في التكرار وعدمه ثم لك أن تقول في هذا الجواب نظر لأن من قال الأمر يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق فامتثال الأمر أبدا حينئذ كالانتهاء أبدا من حيث الإمكان فالصواب في الجواب أن يقال هذا إثبات اللغة بالقياس وليس بصحيح سلمنا صحته لكن لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار بل هو على وزان الأمر سلمنا أن يقتضي التكرار لكن مقتضى الأمر اتحاد المأمور به وذلك يصدق مرة واحدة بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالإمتناع المستمر.
وثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودل على المرة لم يرد النسخ لأن وروده إما بعد فعلها وذلك محال إذ لا تكليف واما قبله وهو يدل على البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وذلك محال على الله ﷾ وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإن ورد صار بذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز.
قال: قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك.
قلنا: فقد يستفسر عن إفراد المتواطئ.
[ ٢ / ٥٣ ]
احتج من قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أو اكثر وحسن الاستفهام دليل الاشتراك والجواب ان مدعانا للتواطؤ ويجوز الإستفسار عن إفراد المتواطىء كما إذا قلت اضرب إنسانا فإنه يحسن أن يقال عمرا أم زيدا وأعتق رقبة فإنه يجوز أن يقال مؤمنة أم كافرة وقد تم شرح ما في الكتاب وليس فيه تعرض لشيء من شبه القائلين بالمرة ومنها أن من قال لغيره ادخل الدار فدخل مرة عد ممتثلا ومنها لو قال لوكليه طلق زوجتي لم يملك اكثر من واحدة ومنها لو قيل صار زيد صدق بمرة فليكن مثله في الأمر.
والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار لا على امتناع احتماله ولهذا لو قيل ادخل مرارا اصح ولو عدم الاحتمال لم يصح هذا التفسير وهو الجواب عن طلق زوجتي وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة لا لعدم الاحتمال لغة الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل.
فائدة: استحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا فلا يستحب إجابته يظهر تخريج المسالة على أن الأمر هل يقتضي التكرار.
وقد حكى النووي في شرح مسلم عن حكاية القاضي عياض اختلاف العلماء في هذه المسألة وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال يجيب كل واحد لتعدد السبب.
[ ٢ / ٥٤ ]
الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.
[ ٢ / ٥٥ ]
الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.
[ ٢ / ٥٥ ]
قال إمام الحرمين في هذا الكتاب: وهو الذي يضح وارتضاه القاضي.
فإن قلت: هذا مذهب لا يعرف في كتب المتأخرين فما ذلك من كتاب التلخيص على وجوده.
قلت: دل على ذلك أن القاضي لما ذكر أن المعلق بشرط لا يقتضى التكرار وحكى خلاف الخصوم فيه قال ومما ذكروه في هذه المسالة إن قالوا الحكم يتعلق بالعلة والشرط ثم إذا علق بالعلة تكرر بتكررها فكذلك إذا علق بالشرط وهذا الذي ذكروه اجتراء منهم بدعوى مجردة فإننا نقول لهم خلافنا يؤول إلى صيغة غريبة وقضية مفهومة وقد أوضحنا منع إثبات اللغة بالمقاييس ومعظم كلامهم يتردد على القياس فلم قلتم ان الصيغة المبنية على التعليل يضاهيها الصيغة المبنية على الشرط فاكتفت بذلك وسنفرق بين العلة والشرط في أبواب القياس انتهي كلامه وهو صريح فيما ذكرناه وإلا ما كان يلتزم المخالفة في العلة كما فعل الغزالي فانه فرض المسالة في الشرط واختار عدم التكرار ثم أورد من جهة الخصم ان الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط مثلها فان علل الشرع إمارات وأجاب بان العلة إذا كانت شرعية فلا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إليها ما لم تعترف به قرينة التعبد بالقياس.
وهذا المذهب الذي ارتضاه القاضي هو المختار لما سنذكره ان شاء الله تعالى.
المذهب الرابع: واختاره الإمام وبه جزم المصنف أنه لا يقتضيه من جهة اللفظ ويقتضيه من جهة القياس فهنا مقامان:
الأول: أنه لا يفيد لفظا واستدل عليه بوجهين:
أحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة والشرط يحتمل التكرار ويحتمل عدمه فان اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء وذلك اعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة والدليل عليه صحة تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين وموود التقسيم مشترك بين القسمين والمشترك بين الشيئين لا إشعار له بواحد منهما فإذا تعلق الشيء على شيء لا يدل على تكرار التعليق
[ ٢ / ٥٦ ]
واعترض القرافي على هذا بان الخصم قد لا يسلم صحة التقسيم فدعواها مصادرة على المطلوب.
والثاني: أنه لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال لها كلما دخلت ثم إذا لم يدل عليه في الإنشاء فلا يدل عليه في الأمر لأنه إنشاء معلق مثله واقرب من هذا المثال أن يمثل بقول الرجل لوكيله وكلتك في طلاق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار.
المقام الثاني: أنه يفيده من جهة القياس والدليل عليه أن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط وتلك الصفة لذلك الحكم كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس فيلزم أنه يتكرر الحكم بتكرر ذلك لتكرر المعلوم بتكرار علته هكذا قرره هذا المقام شراح الكتاب ولم أر من صرح في كتاب القياس بمساواة ترتيب الحكم على الشرط لترتيب الحكم على الوصف وإنما المذكور هناك ترتيب الحكم على الوصف فقط فإن كان ترتيب الحكم على الشرط مثله فهذا الدليل منقدح الا انا نمنع ذلك ولهذا كان المختار عندنا ما نقلناه عن القاضي من التفرقة بين المعلق بشرط فلا يدل على التكرار والمعلق بوصف فيدل بطريق القياس.
فإن قلت: علل الشرع علامات والشروط علامات فما وجه التفرقة.
قلت: لا نسلم أن الشروط علامات بالاعتبار الذي به العلل علامات فان المعنى من كون العلة علامة جعل الشارع إياها علامة وجود الحكم وان كان الحكم صادرا من الشارع ومعلوم ان الشرط ليس علامة بهذا الاعتبار فان وجوده لا يدل على وجود المشروط أصلا وانما الشرط علامة باعتبار الانتفاء فلا يلزم من كونهما علامتين باعتبارين مختلفين اتحاد الحكم سلمنا كونهما علامتين باعتبار واحد لكن بالاعتبار الذي في الشرط لا بالاعتبار الذي في العلة والعلة تتميز عنه حينئذ بالاعتبار الذي فيها فلا يلزم من اشتراكهما في وجهة واحدة من جهة العلامة اشتراكهما في اقتضاء الحكم وتكرره عند تكررهما لجواز أن يكون ذلك من لوازم ما به الامتياز قوله وإنما لم يتكرر
[ ٢ / ٥٧ ]
جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم للزم تكرير وقوع الطلاق المعلق على دخول الدار بتكرر الدخول وليس كذلك والملازمة بينة أجاب قولكم رتب الطلاق على الدخول قلنا مسلم يكون علة قلنا مسلم قولكم فيتكرر قلنا إنما يتكرر التعليل المعتبر وهو تعليل الشارع لا تعليل آحاد الناس فإنما لم يتكرر الوقوع لعدم اعتبار تعليله حتى لو صرح بالتعليل بأن قال طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له امرأة أخرى لا تطلق وان وجدت منها هذه الصفة.
[ ٢ / ٥٨ ]