قال السادسة إنما للحصر لأن إن للإثبات وما للفي فيجب الجمع على ما أمكن.
وقد قال الأعشى وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق.
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي.
وعورض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلنا المراد الكاملون.
تقييد الحكم بإنما مثل إنما قام زيد هل يفيد حصر الأول في الثاني بمعنى أنه تفيد إثبات الحكم في المحكوم عليه ونفيه عن غيره فيه مذهبان:
أحدهما: تفيد الحصر وبه قال القاضي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وعليه الإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب.
والثاني: لا بل تفيد الإثبات واختاره الآمدي واحتج الأولون بوجهين:
أحدهما: أن كلمة أن تقتضي الإثبات وما تقتضي النفي فعند تركيبهما يجب بقاء كل منهما على أصله لأن الأصل عدم التغيير وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان فلا بد من إثبات شيء ونفي آخر لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد وحينئذ إما أن نقول كلمة إن تقتضي ثبوت غير المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهو باطل إجماعا أو نقول كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهذا هو الحصر وهو المراد وقد ضعف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل وذكر في إفادتها الحصر وجه آخر
[ ١ / ٣٥٦ ]
أسند إلى علي بن عيسى الربعي١ وهو أن كلمة أن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم لما اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية لما ذكرنا تضاعف تأكيدها فناسب أن تضمن معنى القصد لأن قصر الشيء على الشيء ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ألا ترى إلى قولك جاء زيد لا عمرو وكيف يكون جاء زيد إثباتا للمجيء صريحا وقولك لا عمرو إثباتا ثانيا لمجيئه ضمنا وهذا الوجه أشد من الأول إلا أن للمعترض عليه أن يقول وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر والكلام فيه ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.
الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى عبد الله بن الأعور المازني الصحابي ﵁:
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر٢
ولست بفتح التاء ضبطه الجوهري وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي ﵀:
_________________
(١) ١ هو علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أو الحسن الربعي عالم بالعربية أصله من شيراز له مؤلفات في النحو منها كتاب البديع وشرح مختصر الجرمي وشرح الإيضاح لأبي علي الفارسي. توفي ببغداد ٤٢٠ هـ. وفيات الأعيان ١/٣٤٣ الأعلام ٥/١٣٤. ٢ ما قاله الشارح عن قائل هذا البيت ليس بصحيح فإن قائله هو الأعشى ميمون بن قيس بن جندل بن سراحيل من الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات أدرك الرسول – ﷺ – توفي سنة ٧ هـ. وهذا البيت من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علامة ويمدح عامر بن الطفيل مطلعها: شاقك من قتلة أطلالها بالشط فالوتر إلى حاجر الصبح المنير في شعر أبي بصير الأعلام ٣/١٠٩٠.
[ ١ / ٣٥٧ ]
أنا الذائد الحامي الذمار
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي١
قوله وعورض إشارة إلى حجة الخصم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ قالوا فلو أفادت الحصر لكان من لا يحصل له الوجل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنا وأجاب بأن المراد بالمؤمنين الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدعي.
واعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهب الثاني وكان مصمما عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر الذي اختاره والدي أبقاه الله.
الأول: وله كلام مبسوط في المسألة اشتد فيه نكيره على الشيخ أبي حيان وقال إنه استمر على لجاج وأن اللبيب لا يقدر أن يدفع عن نفسه فهم أن إنما للحصر ومن أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٣ فقال هذه الآية تفيد أن إنما للحصر فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك وإن تولوا فعليك البلاغ وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا أو إنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون تسلية له ويعلم أن توليهم لا يضر.
قال وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم الحصر منها كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿إنما أنت منذر﴾ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ﴿إِنَّمَا
_________________
(١) ١ قائله فرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي من شعراء الطبقة الأولى الإسلاميين توفي بالبصرة سنة ١١٠ هـ. معجم الشعراء للمرزباني ص ٤٦٥. ٢ سورة الأنفال آية: ٢. ٣ سورة آل عمران آية: ٢٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
قال فيكاد فهم الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع لا يرتاب فيه ولا يتمارى.
فائدة إذا قلنا إنما للحصر فهل ذلك للمنطوق أو بالمفهوم فيه مذهبان:
والأول: هو قضية كلام من استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل والنقل الذي تقدم ذكره ومنهم صاحب الكتاب والله أعلم.
[ ١ / ٣٥٩ ]