قد نشأ التاج - رحمه الله تعالى - في بيت علم وفضل ودين، بيت التَّقِيِّ الإمام العَلَم، وهذا من فضل الله تعالى على التاج وإخوانه، أن ينشأوا في بيت العلم والفضل؛ فإنَّ مما يساعد على مزيد الفائدة أن يجتمع حُنُوُّ الأب مع حُنُوِّ المعلِّم وحرصِه على التعليم، فلا يبقى إلا حرصُ المتعلِّم واستعدادُه.
وقد كان التقي ﵀ يغرس في أبنائه حبَّ العلم، ويحثهم على الجد والاجتهاد في تحصيله، ولا يألو جهده في نصحهم وإرشادهم، مع الثناء عليهم في بعض أعمالهم العلمية، تشجيعًا وترغيبًا.
وقد سبق ذِكْر قصيدته التي وجَّهها لابنه الأكبر محمد ﵀، ناصحًا له، وحاثًّا على حيازة العلم والعمل، والدين والأخلاق، والاقتداء بسِيَر الأعلام النبلاء:
أبُنَيَّ لا تُهْمِلْ نصيحتيَ التي أُوصيكَ واسْمَعْ مِنْ مقالي تَرشُدِ (^١)
ولما وقف على كتاب "المناقضات" لابنه الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد أحمد - رحمه الله تعالى - قال مادحًا له:
أبو حامدٍ في العلمِ أمثالُ أنْجُمِ وفي النَّقْدِ كالإبريزِ أُخْلِصَ بالسَّبكِ
فأوَّلُهُمْ مِنْ إسْفَرايِنَ نَشْؤْه وثانيهُمُ الطُّوسِيُّ والثالثُ السُّبْكي
_________________
(١) انظرها في الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٧.
[ ١ / ١٧١ ]
يقول التاج ﵀ عن هذا المدِيح لأخيه: "وهذه منقبة للأخ، سلَّمه الله، فأيُّ مرتبة أعلى مِنْ تَشبيه والده - وهو مَنْ هو، عِلْمًا ودينًا وتحرزًا في المقال - له بالغزاليّ، وأبي حامدٍ الإسفرايينيّ (^١).
وقال التاج أيضًا: "وأنشدنا لنفسه، وكتب بهما على "الجزء" الذي خرَّجتُه في الكلام على حديث المتبايعين بالخيار (^٢):
عبدُ الوهَّاب مُخَرِّجُهُ مِن فَضْلِ الله عليَّ نَشَا
يا ربِّ قِهِ ما يحذَرُهُ واقدُرْ فيه الخيراتِ وَشَا" (^٣)
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيدُ تمثيلٍ لهذا التشجيع الأبوي الصادق الذي له تأثير وأيُّ تأثير، وترغيبٌ وأيُّ ترغيب، فلا جرم أن كان أبناء التقي ﵏ أئمة أعلامًا، بمثل هذه التوجيهات المباركات، والنصائح والدعوات، والثناء الذي يزيد بسببه العطاء، وتَسْتحكم به عُرَى الحب والإخاء، والإجلال والوفاء.
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٠.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٤٢ - ٧٤٤، في كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، حديث رقم ٢٠٠١، وفي باب إذا لم يوقِّت في الخيار هل يجوز البيع، حديث رقم ٢٠٠٣، وفي باب البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، حديث رقم ٢٠٠٥، وفي باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، رقم ٢٠٠٦، من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه من حديث حكيم بن حزام، رقم ٢٠٠٢، ٢٠٠٤، ٢٠٠٨. وأخرجه مسلم ٣/ ١١٦٣، في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم ١٥٣١، من حديث ابن عمر ﵄، وفي ٣/ ١١٦٤، في باب الصدق في البيع والبيان، رقم ١٥٣٢، من حديث حكيم بن حزام - ﵁ -.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١.
[ ١ / ١٧٢ ]
ومن عجيب عناية هذا الوالد بأبنائه أنه كان لا يَدَع أحدًا من أسرته ينام بعد منتصف الليل، فغاية النوم إلى المنتصف، وما بعده فهو للجد والعمل في طلب العلم، أو في العبادة والمناجاة وقضاء الليل تسبيحًا وتهليلًا وتلاوة للقرآن.
يقول التاج ﵀: "وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل، ويقول لي: يا بنيَّ تَعَوَّدِ السهرَ ولو أنك تَلْعَب، والويل كلُّ الويل لمَنْ يراه نائمًا وقد انتصف الليل" (^١).
أما شيوخ التاج - ﵀ - الذين أخذ عنهم واستفاد منهم فهم كثير ومُقَدَّمهم ورئيسهم والده ﵀، فبه تخرج في أكثر العلوم، وكان ذلك بلا شك من سعادته وتيسير الله له أسباب النبوغ والعلم والتمكن، أن يكون والده إمامه، وشيخه ومعلِّمه، ومربيه ومهذِّبه، مع ما تميز به الابن من مواهب ربانية، وعطايا رحمانية، فها هو الابن عبد الوهاب وهو لا يزال فتىً غضًا تلتفت إليه الأنظار، وتنعقد عليه الآمال، ويتوسم فيه أشياخه النبوغ والوصول، ولا غرابة فهذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الشهاب من ذلك الكوكب، ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (^٢). ولم يكتف بتتلمذه على والده، بل تتلمذ على مشاهير عصره، ولازمهم، ووالده من وراء ذلك يشجعه ويدفعه، ويسأله عما استفاد في دروسه وجلوسه مع شيوخه. استمع معي إلى حكايته لحاله في الطلب في أثناء ترجمته لشيخه المِزِّيِّ عليه الرحمة والرضوان:
_________________
(١) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٠٣.
(٢) سورة آل عمران: ٣٤.
[ ١ / ١٧٣ ]
"وكنت أنا كثيرَ الملازمة للذهبيّ، أمضي إليه في كل يومٍ مرتين، بكرةً والعصرَ، وأما المِزِّيُّ فما كنت أمضي إليه غيرَ مرتين في الأسبوع، وكان سببَ ذلك أن الذهبيَّ كان كثير الملاطفة لي، والمحبةِ فِيَّ، بحيث يَعْرف مَنْ عرف حالي معه أنه لم يكن يحبُّ أحدًا كمحبته فيَّ، وكنتُ أنا شابًّا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا. وأما المزي فكان رجلًا عَبُوسًا مَهِيبًا.
وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحبُّ أن ألازم المِزِّيَّ أكثرَ من ملازمة الذهبي؛ لعظمة المزي عنده.
وكنت إذا جئتُ غالبًا من عند شيخٍ - يقول: هاتِ ما استفدتَ، ما قرأتَ، ما سمعتَ. فأحكي له مجلسي معه، فكنتُ إذا جئتُ من عند الذهبي يقول: جئتَ من عند شيخِك. وإذا جئتُ من عند الشيخ نجم الدين القَحْفَازِيّ يقول: جئتَ مِنْ جامع تِنْكُز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يَشْغَلُنا فيه. وإذا جئتُ من عند الشيخ شمس الدين ابن النقيب يقول: جئتَ من الشاميَّة؛ لأني كنتُ أقرأ عليه فيها. وإذا جئتُ من عند الشيخ أبي العباس الأنْدَرَشِيّ (^١) يقول: جئتَ من الجامع؛ لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا. وأما إذا جئتُ من عند المِزِّيِّ فيقول: جئتَ من عند الشَّيخ، ويُفْصِح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوتَه. وأنا جازمٌ بأنه إنما كان يفعل ذلك ليُثَبِّت في قلبي
_________________
(١) هو أبو العباس أحمد بن سعد بن عبد الله العسكريّ الأنْدَرَشِيّ الصوفيّ. شيخ العربية بدمشق في زمانه، مشارك في الفضائل، وكان منجمعًا عن الناس اختصر تهذيب الكمال، وشرع في تفسير كبير. مولده بعد التسعين وستمائة، وتوفي سنة ٧٥٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٣٥، شذرات ٦/ ١٦٦.
[ ١ / ١٧٤ ]
عظمتَه، ويَحُثَّني على ملازمته" (^١).
يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - ذاكرًا بعض شيوخه الذين أَخَذ عنهم أو أجازوه وهو في طفولته بمصر: "وأجاز له ابن الشحنة (^٢) ويونس الدَّبُّوسي (^٣)، وأُسْمِع على يحيى بن المصري (^٤)، وعبد المحسن الصابوني (^٥)، وابن سيد الناس (^٦)، وصالح بن مختار (^٧)، وعبد القادر بن
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٢) هو مُسْند الدنيا شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن الصالحي الحجَّار بن الشحنة، أبو العباس. ولد سنة ٦٢٣ هـ، وانفرد بالرواية عن الحسين الزبيدي، وبين سماعه للصحيح وموته مائة سنة، وحدَّث بالصحيح أكثر من سبعين مرة، ولما مات نزل الناس بموته درجة. توفي سنة ٧٣٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٤٢، شذرات ٦/ ٩٣.
(٣) هو يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني العسقلاني، فتح الدين، أبو النون الدبابيسي، ويقال أيضًا الدَّبُّوسي. عالم بالحديث، مُسْنِد مُعَمَّر. له "معجم". ولد سنة ٦٣٥ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة ٧٢٩ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٤٨٤، الأعلام ٨/ ٢٦٠.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصابوني، أمين الدين، أبو الفضل، حفيد الحافظ أبي حامد بن الصابوني. ولد في سنة ٦٥٧ هـ، وتوفي في سنة ٧٣٦ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٤١١.
(٦) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس أبو الفتح اليَعْمُري الشافعي. الحافظ العلامة الأديب المشهور، ولد بالقاهرة سنة ٦٧١ هـ، وأصله من إشبيلية. من تصانيفه: "عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسِّيَر"، و"بشرى اللبيب في ذكرى الحبيب" قصيدة، و"النفح الشَّذِي في شرح جامع الترمذي"، وغيرها. توفي بالقاهرة سنة ٧٣٤ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٢٠٨، الطبقات الكبرى ٩/ ٢٦٨، الأعلام ٧/ ٣٤.
(٧) صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس، تقي الدين أبو التقي وأبو الخير الأشنهي =
[ ١ / ١٧٥ ]
الملوك (^١)، وغيرهم" (^٢).
وأما تلقيه بدمشق فيقول عنه: "ثم قدم مع والده دمشق سنة ٣٩، فسمع بها من زينب بنت الكمال (^٣)، وابن أبي اليسر (^٤)، وغيرهما. وقرأ بنفسه على المزي، ولازم الذهبي، وتخرج بتقي الدين بن رافع، وأمعن في طلب الحديث، وكَتَب الأجزاء والطباق مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية، حتى مَهَر وهو شاب، وخَرَّج له ابن سعد (^٥) مشيخةً حَدَّث بها، وأجاد في الخط والنظم والنثر" (^٦).
والظاهر أن الحافظ ابن حجر - ﵀ - يقصد بقوله: "وتخرج بتقي الدين بن رافع" أنه استفاد منه، لا أنه تَخَرَّج في صناعة الحديث به؛ لأن
_________________
(١) = العجمي الأصل العزايزي المولد المصري. ولد سنة ٦٤٢ هـ. كان صالحًا مباركًا. وتوفي سنة ٧٣٨ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٢٠٤، أعيان العصر ٢/ ٥٥٠.
(٢) لم أجد ترجمته.
(٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥.
(٤) زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية، المعروفة ببنت الكمال. ولدت سنة ٦٤٦ هـ. قال الذهبي: "تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة، وكانت ديِّنةً خَيِّرة، روت الكثير، وتزاحم عليها الطَّلَبة، وقرأوا عليها الكتب الكبار". قال: "وكانت قانعة متعفِّفة كريمة النفس طيبة الخُلُق، وأصيبت عينُها برمدٍ في صِغَرها ولم تتزوج قطَّ". ماتت سنة ٧٤٠ هـ، وقد جاوزت التسعين، ونزل الناس بموتها درجة في شيءٍ كثير من الحديث حمل بعير. انظر: الدرر ٢/ ١١٧ - شذرات ٦/ ١٢٦.
(٥) لم أقف على ترجمته.
(٦) لم أقف على ترجمته.
(٧) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥، ٤٢٦.
[ ١ / ١٧٦ ]
التاج يصرِّح بنفسه أن الذي أدخله في هذا العلم وجَعَله من أهله العارفين هو شيخه الإمام الذهبي ﵀ ورضي عنه، إذ يقول عنه في ترجمته: "وهو الذي خَرَّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عِدَاد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجَعَل حَظَّه في غُرُفات الجِنان مُوَفَّر الإجزاء" (^١).
ويقول أيضًا قبل ذلك في مطلع الترجمة: "اشتمل عصرنا على أربعةٍ من الحفَّاظ، بينهم عُمومٌ وخصوص: المِزِّيُّ، والبِرْزَاليُّ، والذهبيُّ، والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عَصْرهم" (^٢) فتبيَّن بهذين النقلين أن الحافظ ابن رافع - ﵀ - على جلالة قدره في الحديث لم يبلغ مبالغ هؤلاء الأربعة، ولم يكن هو الذي تخرج به التاج في صناعة الحديث، غاية ما في الأمر حصول الفائدة وهذا ليس بمدفوع.
وذكر ابن قاضي شهبة - رحمه الله تعالى - شيوخ التاج، ومما قال: "واشتغل على والده وعلى غيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي وتخرج به، وطلب بنفسه ودأب" (^٣).
وهذا هو المناسب من قوله: "ولازم الذهبي" أن يكون هو الذي تخرج به لا غيره. فالله أعلم هل في نسخةِ "الدرر" تحريف؟
ومن مشايخه البارزين: أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي أبو حيان الأندلسي، الذي قال عنه التاج رحمهما الله تعالى:
_________________
(١) انظر: الطبقات ٩/ ١٠١.
(٢) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٠.
(٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤.
[ ١ / ١٧٧ ]
"شيخنا وأستاذنا أبو حيان، شيخُ النحاة العَلَم الفَرْد، والبحرُ الذي لم يَعْرِف الجزرَ بل المدّ، سِيبَوَيْه الزمان، والمبرِّدُ إذا حَمَى الوطيس بتشاجر الأقران. وإمامُ النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسانُ العرب الذي لكل سمعٍ لديه الإصغاء. كعبةُ عِلْمٍ تُحَجُّ ولا تَحُجّ، ويُقصد مِن كل فَجّ. تَضْرِبُ إليه الإبلُ آباطها، وتَفِد عليه كلُّ طائفةٍ، سفرًا لا يعرف إلا نمارِقُ البيد بساطَها" (^١).
إلى أن قال: "سمع عليه الجمُّ الغفير، وأخذ عنه غالبُ مَشْيختِنا وأقرانِنا، منهم الشيخ الإمام الوالد، وناهيك بها لأبي حَيَّان منقبةً، وكان يُعظمه كثيرًا، وتصانيفه مشحونةٌ بالنقل عنه. ولما توجَّهنا مِنْ دمشقَ إلى القاهرةَ، في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ثم أمرنا السلطان بالعود إلى الشام؛ لانقضاء ما كنا توجهنا لأجله - استمهله الوالدُ أيامًا لأجلي، فمكث حتى أكملتُ على أبي حيان ما كنت أقرؤه عليه، وقال: با بُنَيَّ هو غنيمةٌ، ولعلك لا تَجِدُه في سفرةٍ أخرى. وكان كذلك" (^٢).
ومن الطريف أن أبا حيان - ﵀ - امتدح التاج وهو ابن ثلاث سنين فقال:
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٦.
(٢) انظر: الطبقات ٩/ ٢٧٨. قلت: تأمل - رحمك الله - إلى مدى حرص الأب على عدم فوات هذه الفرصة العلمية الثمينة على ابنه، ثم تأمل نبوغ هذا الفتى الذى يستفيد من أبي حيان - ﵀ - دقائق النحو وهو في سن الرابعة عشرة من عمره؛ لتعلم حقًا كيف الرجال تُبنى، بل كيف الأمة تُحيا، وراية الدين تُبْقى، وسنة محمد ﵌ تُعْلى.
[ ١ / ١٧٨ ]
ألا إنَّ تاجَ الدين تاجُ معارِفٍ وبَدْرُ هُدىً تُجْلى به ظُلَمُ الدَّهْرِ
سليلُ إمامٍ قَلَّ في الناسِ مِثْلُهُ فضائِلُه تَرْبُو على الزُّهْرِ والزَّهْرِ (^١)
ومن كبار مشايخه الذين تَلَقَّى عنهم في طفولتهم بمصر:
محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله الكِنانيُّ الحمويّ، حاكم الإقليمين مصر والشام، مولده في سنة ٦٣٩ بحماة، ومات بمصر سنة ٧٣٣ هـ، يعني كان عمر التاج حين موته ست سنوات، ومع ذلك يقول عنه: "وسمعنا الكثير عليه" (^٢)، بل وينُصُّ التاج ﵀ أنه سمع عليه وهو ابن ثلاث سنين، يقول ﵀: "أخبرنا شيخُنا قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة، قراءة عليه وأنا حاضِرٌ في الثالثة" ثم ساق بقية السند (^٣). فلله دَرُّ هذا الإدراك والنبوغ.
ومن مشايخه في الفقه: الشيخ عمر بن محمد بن عبد الحاكم، أبو حفص البلفيائيّ، جبلٌ من جبال الفقه، وقال عنه التاج ﵀: "وقد خَرَّجتُ له أيام تَفَقُّهي عليه أجزاء من مَرْويَّاته، حَدَّث بها". وتوفي بصَفَد بمصر سنة ٧٤٩ هـ (^٤).
ومن مشايخه أيضًا: شمس الدين أبو الثناء محمود بن أبي القاسم
_________________
(١) انظر: الطبقات ٩/ ٢٨٧.
(٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠.
(٤) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأصبهانيّ، المولود بأصبهان سنة ٦٧٤ هـ. قال عنه التاج: "وله التصانيف الكثيرة: شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح الطواله، وشرح الطوالع، وناظر العين، وغيرها، وشَرَع في تفسير كبير لم يُتمه، أوقفني على بعضه" (^١) توفي سنة ٧٤٩ هـ، بطاعون مصر.
_________________
(١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٨٤.
[ ١ / ١٨٠ ]