قال التاج ﵀: "أما المدائح فتربوا على مُجلَّدات، فلا معنى للتطويل بها، وأما المراثي فنذكر منها ما حَضَرنا" (^١).
وقد ذكر جملةً من المراثي، وقد افتتحها بمرثية شاعر الوقت ابن نُباتة وهي غاية في الجودة، ومنها قوله:
أَضْحَى لسُبْكَ بجُزْءٍ مِن مَناقِبِه على العِراق فَخَارٌ غيرُ مُنْتَقِبِ
لَهْفِي لِعِلْمَيْنِ مَرْوِيٍّ ومُجْتَهَدٍ لَهْفي لفَضْلَينِ مُورُوثٍ ومُكْتَسَبِ
آهًا لِمُرْتَحِلٍ عنا وأنْعُمُهُ مِلءُ الحقائبِ للطلَّاب والحِقَبِ (^٢) (^٣)
ومِن مراثيه أيضًا مَرْثِيَّةُ ابنه التاج ﵀، وقد أجاد فيها وأبدع،
_________________
(١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣١٧.
(٢) الحقائب: جمع حقيبة: وهي ما يُجعل فيه المتاع والزاد. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٥، والمعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والحِقَب: جمع حِقْبة: وهي السنة. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٦، المعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والمعنى: وا أسفًا ووا ألمًا على فراق هذا المرتَّحِل، الذي رحل عنا وآثار إحسانه ونعمائه على الطلاب باقية ملأ حقائبهم، وملأ السنين، فنعماؤه باقية لا تبليها الأيام ولا السنون.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٢٠.
[ ١ / ١٦٥ ]
وحَرَّك المشاعرَ وأسال المَدْمع. يقول التاج:
"وقلتُ أنا من أبيات:
هي المنيَّةُ للأرواح تَخْتَرِمُ وهيَ الحوادثُ أمضَى أمرَها القِدَمُ (^١)
وهْيَ السِّهام نُصِبْنا نحوَها غَرَضًا تُصْمَى بها وتُشَاكُ العُرْبُ والعَجَمُ (^٢)
وهو القضاء من الرحمن يَحْمَدُهُ حمدًا كثيرًا عليه الحاذِقُ الفَهِمُ (^٣)
ما ثَمَّ إلا الرِّضا والصبرَ فادَّرِعِ الصَّـ ـبْرَ الجميلَ لِبَاسًا كلُّه ألمُ
حاز الثوابَ الذي يرضَى القضاءَ وفا ز الصابرون فهمُ مُذْ سَلَّمُوا سَلِمُوا
_________________
(١) أي: الأمر القديم، وهو القضاء الأزلي القديم. وفي المعجم الوسيط ٢/ ٧١٩: "قَدُمَ الشيء قِدَمًا وقَدامةً: مضى على وجوده زمنٌ طويل، فهو قديم". وانظر: اللسان ١٢/ ٤٦٥، مادة (قدم).
(٢) تُصْمَى: تُصَاب وتُقتل. انظر: اللسان ١٤/ ٤٦٩، وانظر: لسان العرب ١٠/ ٤٥٣، مادة (شوك)، وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٠٠. والمعنى والله أعلم: أن سهام القضاء والقدر قد نُصِبنا نحوها غَرَضًا، فلا يفوتُها أحدٌ منا، فمنا مَنْ كانت إصابته قاتلة وقضى نَحبه فورًا، ومنا مَنْ تَشُوكه وتُصيبه إصابةً غير قاتلة، إلى أن يأتي الموعد المحدَّد لذلك.
(٣) وهو المؤمن؛ لأنه هو الذي فهم وأيقن بأن الخير كله فيما قضى الرحمن، فَيُثمر له هذا اليقينُ حمدَ المولى تعالى في كل حال.
[ ١ / ١٦٦ ]