صدق القائل:
مُحَسَّدُونَ وشَرُّ الناسِ منزلةً مَنْ عاشَ في الناس يومًا غيرَ مَحْسُودِ (^١)
والقائل:
إنْ يَحْسِدوني فإنِّي غيرُ لائِمهمْ قَبْلي مِن الناس أهلِ الفضلِ قد حُسِدوا
فدامَ لِي ولَهُمْ ما بِي وَمَا بِهِمُ وماتَ أكثرُنا غيظًا بما يَجِدُ (^٢)
وصدق المولى حيث يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٣) وقلَّ أن تجد ذا نعمةٍ لا يُحسد، فعلى العاقل الصبر والدفع بالتي هي أحسن وأرشد، فهذه دار الأكدار، لا دار الصفاء والقرار:
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها صَفْوًا من الأَقْذار والأكدارِ
لقد حُسِد الإمام ابن السبكي - رحمهما الله - كما حُسِد غيره، وحِيكت له المؤامرات لتنحيته عن منصبه، وليتولاها حاسدوه، وليطفئوا
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧.
(٢) انظر: أدب الدنيا والدين ص ٢٦٢، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧.
(٣) سورة الأنعام: ١٢٤.
[ ١ / ٢٢٢ ]
جمرةَ غيظهم أمام شمسه وقمره التي أضات لهما الشام وما حولها. وليس عندنا تفاصيل تلك المحن الثلاث التي مرت بالتاج - ﵀ - ولكن عندنا بعض نُقول تدل على مُجْمل المؤامرة، وأنها في الحقيقة حسدُ النفوس، وحُبُّ الدنيا والظهور.
وقد تكلم الدكتور سعيد الحميري عن محنة التاج كلامًا جيدًا أكتفي بالإحالة عليه (^١)، وأكتفي أيضًا ببعض النقول التى تدل على براءة التاج ونزاهته ﵀:
يقول الحافظ ابن حجي: "وحصلت له محنة بسبب القضاء، وأوذي فصبر، وسُجن فثبت. وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة، وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عمن قام عليه" (^٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وحصل له بسبب القضاء محنةٌ شديدة، مرةً بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل مَنْ أساء إليه" (^٣).
_________________
(١) انظر: مقدمته لتحقيق منع الموانع ص ١٥٩.
(٢) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.
(٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.
[ ١ / ٢٢٣ ]