ولا أدل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي من حرصهم على إنشاء كثير من المدارس، فضلًا عن المؤسسات الأخرى التي قامت أحيانًا بوظيفة المدارس مثل المساجد.
_________________
(١) هو قانصوه بن عبد الله الظاهري الأشرفي (نسبة إلى الأشرف قايتباي) الغوري أبو النصر، سيف الدين الملقب بالملك الأشرف، جركسي الأصل. بُويع بالسلطنة سنة ٩٠٥ هـ، وكان عظيم الدهاء قوي التدبير، فثبَّت قدمه في السلطنة ثباتًا عظيمًا، مات قهرًا، وضاعت جثته تحت سنابك الخيل في معركة مرج دابق، وذلك في سنة ٩٢٢ هـ. انظر: الأعلام ٥/ ١٨٧، البدر الطالع ٢/ ٥٥، العصر المماليكي ص ١٨٥.
(٢) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٤١ - ٣٤٢.
[ ١ / ٨٤ ]
ومن المدارس العديدة التي أسسها سلاطين المماليك المدرسة الظاهرية نسبةً إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي وضع أساسها سنة ١٢٦١ م، والمدرسة الناصرية التي شيدها السلطان الناصر محمد ١٣٠٣ م، ومدرسة السلطان برقوق (^١) التي أنشأها بين القصرين بالقاهرة سنة ١٣٨٦ م. ولم تكن جميع المدارس التي شيَّدها سلاطين المماليك في المدن الكبرى، وإنما شُيِّد في القرى والريف مثل مدرسة سَرْياقَوْس (^٢) التي أنشأها السلطان برسباي (^٣).
ومن جهة أخرى فإن سلاطين المماليك لم يقتصروا في إنشاء المدارس على مصر، وإنما أقاموا كثيرًا منها في مختلف أنحاء دولتهم الواسعة، ومن ذلك ما نسمعه عن أن السلطان قايتباي (^٤) أنشأ مدارس عديدة في مصر
_________________
(١) هو الملك الظاهر برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسي. كان اسمه الطنبغا فسماه سيده يلبغا الكبير برقوقًا لنتوءٍ في عينيه. تولى الملك سنة ٧٨٤ هـ. كان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور. توفي سنة ٨٠١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٦، الجوهر الثمين ص ٤٥٧، العصر المماليكي ص ١٦٠.
(٢) سَرْياقَوْس: بُليدة في نواحي القاهرة بمصر. انظر: معجم البلدان ٣/ ٢١٨.
(٣) هو الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدقماقي الظاهر الجركسي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية، الثاني والثلاثون من ملوك الترك، والثامن مِنْ ملوك الجراكسة. بُويع بالسلطنة سنة ٨٢٥ هـ فساس الملك أحسن سياسة. توفي سنة ٨٤١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٣٨، الضوء اللامع ٣/ ٨، الأعلام ٢/ ٤٨.
(٤) هو السلطان قايتباي المحمودي الأشرفي ثم الظاهري، أبو النصر سيف الدين الجركسي. ولد سنة ٨١٥ هـ، وتسلطن سنة ٨٧٢ هـ. كان مقبلًا على أفعال الخير، مقرِّبًا للعلماء والصلحاء، محبًا للفقراء. دامت مدة ملكه تسعة وعشرين سنة. توفي سنة ٩٠١ هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/ ٢٠١، البدر الطالع ٢/ ٥٥، الأعلام ٥/ ١٨٨، العصر المماليكي ص ١٨٢.
[ ١ / ٨٥ ]
والشام والحجاز، كما أنشأ السلطان الغوري مدرسة في مكة.
وجرت العادة عند الفراغ من إنشاء مدرسة في عصر المماليك أن يُحتفل بافتتاحها احتفالًا كبيرًا يحضره السلطان والأمراء والفقهاء والقضاة والأعيان، ويُمَدُّ سِماطٌ فاخر في صحن المدرسة به ألوان الأطعمة والحلوى والفواكه، وبعد أن يخلع السلطان على كل من أسهم في بناء المدرسة من المعلِّمين والبنَّائين والمهندسين، يعيِّن للمدرسة موظَّفيها من المدرسين والفقهاء والمؤذنين والقراء والفَرَّاشين وغيرهم.
وكانت وظيفة التدريس بالمدرسة جليلة القدر، يخلع السلطان على صاحبها (^١) ويكتب له توقيعًا من ديوان الإنشاء يختلف باختلاف المادة التي يُدَرِّسها المدرِّس تفسيرًا كانت أو حديثًا. وفي هذا التوقيع يقدِّم السلطان النصح للمدرس بأن يظهر مكنون علمه للطلاب، ويقبل على الدرس وهو طَلْق الوجه منشرح الصدر؛ ليستميل إليه طلبته ويربيهم كما يربي الوالد ولده. كذلك يطلب من المدرِّس أن ينظر في طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال.
وجرت العادة على تعيين معيد أو أكثر لكل مدرِّس؛ ليعيد للطلبة ما ألقاه عليهم المدرِّس ليفهموه ويحسنوه، كما يشرح لهم ما يحتاج إلى الشرح.
أما الطلبة فقد تمتعوا بحرية اختيار المواد التي يدرسونها، بحيث لا يمنع فقيه أو مستفيد من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعية. وكثيرًا ما
_________________
(١) أي: يُنعم عليه بملابس فاخرة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ٥٣.
[ ١ / ٨٦ ]
اعتمد هذا الاختيار على مكانة المدرِّس وشهرته العلمية، بحيث ينتقل طالب العلم من بلد بعيدٍ ليتتلمذ على فقيه أو محدث مشهور. فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك، وكتب له إجازة يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك.
ولا شك في أن قيمة هذه الإجازة كانت تتوقف على سمعة الشيخ الذي صدرت عنه ومكانته العلمية.
والواقع أن المدارس في عصر المماليك تمتعت بدخل مالي ثابت مكَّنها من أداء رسالتها وتدعيم نظامها. أما هذا الدخل فكان مصدره الأوقاف: من أراضٍ وبيوتٍ وأسواقٍ ومعاصرَ وغيرها، وهي أوقاف كان يُنفق مِنْ ريعها على المدرسة ومَنْ فيها مِنْ مدرسين وطلاب علمٍ وموظفين (^١).