وإذا كانت الحياة العلمية قد نشطت في عصر المماليك - فإنه يلاحظ أن الركن الأول للنشاط العلمي في أي زمان ومكان هو الكتب والمكتبات. فبدون الكتب والمكتبات لا تستطيع المدارس أن تؤدي مهمتها، ولا يستطيع المتعلِّمون والمعلِّمون أن يواصلوا رسالتهم. لذلك لا عجب إذا شهد عصر المماليك نشاطًا منقطع النظير في التأليف من ناجية، وفي جمع الكتب وإنشاء المكتبات والعناية بها من ناحية ثانية. وكان سلاطين المماليك أنفسهم أول مَنْ قدَّر أهمية الكتب فاحتفظوا في قلعة الجبل بخزانة كتب
_________________
(١) انظر: العصر المماليكي ص ٣٤٢ - ٣٤٥.
[ ١ / ٨٧ ]
جليلة القدر، حوت مجموعة ضخمة من الكتب الدينية وغير الدينية. وقد ظلت هذه المكتبة عامرة بالكتب محتفظة بأهميتها، رغم الحريق الذي تعرضت له سنة ١٢٩٢ م على عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (^١).
أما مكتبات المدارس والجوامع في عصر المماليك فكانت على درجة فائقة من الإعداد والغنى. فإذا كان السلطان الظاهر بيبرس قد أنشأ المدرسة الظاهرية، فإن المراجع تشير إلى أنه ألحق بتلك المدرسة خزانة كتب جليلة تشتمل على مجموعة ضخمة من المراجع في مختلف العلوم. وكذلك حرص السلطان المنصور قلاوون على أن يزوّد مكتبة المدرسة المنصورية بالكثير من كتب التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والطب، والأدبيات، ودواوين الشعراء. وكذلك المدرسة الناصرية التي أقامها السلطان الناصر محمد، إذ أنشأ بها خزانة كتب جليلة.
ولم يَقِلَّ سلاطينُ المماليك الجراكسة عنايةً بالكتب عن سلاطين دولة المماليك الأولى أو الأتراك، فنسمع عن خزائن الكتب العامرة التي ألحقها سلاطين الجراكسة مثل الظاهر برقوق والمؤيد شيخ (^٢) والأشرف قايتباي
_________________
(١) هو خليل بن قلاوون الصالحي، الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور. ولد سنة ٦٦٦ هـ. ولي بعد وفاة أبيه سنة ٦٨٩ هـ، واستفتح الملك بالجهاد. قتل غيلة بمصر سنة ٦٩٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٥٤، شذرات ٥/ ٤٢٢، الأعلام ٢/ ٣٢١.
(٢) هو شيخ بن عبد الله المحموديُّ الظاهريّ، أبو النصر الجركسيُّ الأصل. ولد سنة ٧٧٠ هـ تقريبًا. أصله. تولى السلطنة في سنة ٨١٥ هـ. توفي سنة ٨٢٤ هـ. انظر: الضوء اللامع ٣/ ٣٠٨، الأعلام ٣/ ١٨٢، العصر المماليكي ص ١٦٨.
[ ١ / ٨٨ ]
والأشرف قانصوه الغوري بمدارسهم، هذا مع ملاحظة أن خزانات الكتب في عصر المماليك لم تلحق بالمدارس فحسب وإنما ألحقت أيضًا بالخانقاوات (^١) والجوامع، وذلك تحقيقًا وتعميمًا للفائدة العلمية المرجوة. وفي جميع الحالات قام بالإشراف على خزانة الكتب "خازن الكتب" ومهمته ترتيب الكتب وتنظيمها وحفظها وحبكها وترميمها بين حين وآخر، فضلًا عن إرشاد القراء إلى ما يلزمهم من مراجع، لذلك كان يُختار لخزانة الكتب عادة فقيهٌ أو عالمٌ يراعى فيه سعة العلم والأمانة.
وكانت عملية تغذية المكتبات بالكتب مستمرة، فبالإضافة إلى مجموعة الكتب التي يحبسها صاحب المدرسة على خزنتها، استمرت المكتبات تحصل على جديد من الكتب إما عن طريق الهدايا والهبات وإما عن طريق النسخ وإما عن طريق الشراء. ولعل صعوبة نسخ الكتب والحصول عليها في ذلك العصر هي التي تطلبت تحريم إعارة الكتب خارجيًا تحريمًا باتًّا إلا في حالات نادرة خاصة. ومعنى ذلك أن الاستفادة من الكتب اقتصرت على الاطلاع الداخلي وفق شروط خاصة تضمن المحافظة على الكتب وعدم استهلاكها (^٢).