وهو وصف عزيز، وخُلُق مُنِيف، كيف لا ومالك - ﵁ - يقول: "ليس في زماننا شيءٌ أعزَّ من الإنصاف" (^١)، فما ظنك بعزته في مثل هذه الأزمنة إن لم يكن بفقدانه!
وابن السبكي - ﵀ - يتكلم عن خلق الإنصاف من خلال
_________________
(١) ذكرته من حفظي، ولا يحضرني الآن أين هو، وقد فتشت عنه فلم أعثر عليه.
[ ١ / ٢١٠ ]
القاعدة التي تكلم عنها في حق المؤرخين، الذين يتحملون تبعةً عظمى في نقل الحقائق والوقائع، وسير العلماء والوجهاء والملوك، كما هي من غير محاباة أو تحامل.
ومن إنصاف التاج - ﵀ - ثناؤه على ابن تيمية - ﵀ - مع ما بينهما من تنافرٍ من الآراء، فها هو يذكر قصيدة ابن تيمية في الرد على أحد الزنادقة. ويقول: "جواب الشيخ تقي الدين الحنبلي" ثم يذكر القصيدة وهي أربعة وأربعون بيتًا كما هي في الطبقات (^١)، ثم هو ينقل كلام شيخه الذهبي بأنه ما رأى أحفظ من أربعة، وذكر منهم ابن تيمية ﵀ (^٢)، ويَعْزُو إليه في "معيد النعم، ومبيد النقم" في معرض كلامه عن سفك دم مَنْ ينتقص النبي ﵌ فيقول: "ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى - ﷺ - أو يسبه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تُقبل، وهو اختيار طوائف من المتأخرين. فإن كان الذي وقع منه هذا ممن يتكرر هذا الحال منه، أو عُرف بسوء العقيدة وصحبة المشهورين بذلك، أو وقع منه ما وقع على وجهٍ فظيع تشهد القرائن فيه بالخبث الباطن، فأرى أنه لا تقبل له توبة، ويُسفك دمه، وهو رأي الشيخ الإمام الوالد تغمده الله تعالى برحمته، والشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية" (^٣).
_________________
(١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٧.
(٢) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٢١.
(٣) انظر: معيد النعم ص ٢٣ - ٢٤.
[ ١ / ٢١١ ]
ومن إنصافه ترجيحه لغير المذهب الشافعي في مسألة نظر العبد إلى سيدته فيقول: ". . . أكثر أصحابنا أنَّ نظر العبد إلى سيدته حلال، وإن كان سليم الذَّكَر والأُنثيين. هذا ما رجَّحه الرافعي والنووي. وعلى هذا نَظَرُ الطواشي (^١) أولى بالحل، ولكن الصحيح عند الشيخ الإمام وجماعة أنَّ نظر السليم الذكر والأنثيين إلى سيدته حرام، وهو الحق، فكيف يُباح نظر المماليك الحِسان الذين يفتنون بجمالهم - إلى سيداتهم، والنساء ناقصات عقلٍ ودين" (¬٢).