الرجوع إلى الحق من سمات أهل الإخلاص، ولا ضَيْر على المرء أن يُقر بخطئه، ويُفصح عن زَلَلِه؛ لأنَّ ذلك علامة نُبْله ومروءته.
ونفس اللئيم تأبى الاعتراف، وتُصِرُّ على الاقتراف، وتظن أن ذلك مِن حفظ قدرها، ومراعاة شأنها، وما ظَنَّ الوضيع أن ذلك سبيل بَخْسها، وطريق ذِلَّتها، فالعزُّ في الذل، والذلُّ في العزّ، فَعِزُّها في ذلها للحق وخضوعِها له، وذلها في عزها عن الحق واستكبارها عنه.
وما زال الفضلاء في كل عصر ومصر يتبجحون بالرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، لأن هذا سبيل الشُّرَفا، أهل الصِّدق والوفا. وهذا الإمام ابن السبكي ﵀ يُفصح عن مروءته ونُبْله بتسطير خطأ وقع فيه
_________________
(١) هو الممسوح الذي ذهبت أنثياه وذَكَرُه بالكلية. انظر: معيد النعم ص ٣٩.
(٢) انظر: معيد النعم ومبيد النقم ص ٣٩.
[ ١ / ٢١٢ ]
في أحد كتبه فيقول:
"وأما ما وقع في كتابي "طبقات الفقهاء" في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في "الأم" في الجزء الرابع مِن أجزاء تسعة في باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرَّجْعة، وقبل الحجة في البتة وما أشبهها - نَصَّ على ما ذكره الإمام عنه مِنْ أنَّ العبرة بعموم اللفظ: فذلك خطأ مني في الفهم، وأردت أن أُنَبِّه على ذلك هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإن حَذْفَه مِن ذلك الكتاب تعذَّر؛ لانتشار النُّسَخ به" (^١) ثم ساق كلام الشافعي - ﵁ - وبَيَّن وجه الخطأ في فهمه الذي ذكره في "الطبقات".