يقول الدكتور علي محيي الدين حفظه الله: "نتيجة للغزو المغولي الدموي على البلاد الإسلامية، وإيقاع الدمار والخراب بها، مع أن شيراز كانت بمأمن من هذه الويلات - أصبح العلماء يقصدونها من كل فج عميق، وكان حاكمها الأتابك يشجع على العلم والعلماء، مما أدى إلى قيام نهضة علمية متطورة في شيراز وأنحائها، فاجتمع فيها كبار العلماء الذين أتوا من مختلف الأقطار الإسلامية؛ لذلك لم يحتج الإمام البيضاوي إلى رحلات علمية يقوم بها لأجل تحصيل العلم، إذ كبار العلماء قد أصبحوا
_________________
(١) أي: يحصل التحصيل والتحليل والاستنتاج والبحث في العلوم في آنٍ واحد غير متفاوت، فهو يحصِّل وفي الوقت نفسه يحلِّل ويستنتج.
(٢) انظر: التفسير ورجاله، لابن عاشور ص ٩٨.
(٣) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٣٩، مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٥٨.
[ ١ / ٣١ ]
في بلده، ولهذا لم نعثر في كتب الطبقات والتراجم النصَّ على أكثر من رحلتين له" (^١).
أما رحلته الأولى: فكانت من البيضاء إلى شيراز، حيث رحل أبوه بأسرته فارًا من جحافل التتار.
أما رحلته الثانية: فهي من شيراز إلى تبريز عاصمة الإيلخانيين الذين أسلموا من المغول، واتخذوا تبريز عاصمة لهم، ولم نعثر في بطون كتب التراجم والطبقات على تاريخ لهذه الرحلة، لكنها كانت بعد أن تولى القضاء بشيراز (^٢). وقد رجح الدكتور جلال الدين - حفظه الله - أن رحلته إلى تبريز كانت سنة ٦٨١ هـ، وذكر أدلة على ذلك (^٣).
والظاهر أن البيضاوي - ﵀ - قد دخل تبريز قبل أن يرحل إليها ويستقر بها في آخر حياته، وذلك أن الإمام البيضاوي قد زار تبريز طلبًا في قضاء شيراز، فأعطي ذلك، ثم عاد قاضيًا على شيراز، ثم عزل بعد ذلك كما سيأتي، ثم رجع إلى تبريز وقضى فيها بقية عمره المبارك في الزهد والعبادة والتدريس والتأليف.