ربما يظن الظان بأن التاج - ﵀ - كان ممن يسعون إلى المناصب والوجاهات، ولذلك تولَّى ما تولَّى. ومَنْ تأمل وأنصف علم أن الرجل بلَّغه علمُه وتفوقُه، فهو ﵀ ذو مواهب خارقة، وهمة عالية، ومشايخه أدركوا ذلك وهو شابٌّ غَضّ، وبَوَّؤوه منزلةً رفيعة، وهو في ذلك السن، وليس بغائبٍ عنا شهادة المزي له بأنه في الطبقة العليا من تلاميذه وهو غضٌّ طري (^٢)، ونزول شيخه الذهبي له عن مشيخة دار الحديث الظاهرية،
_________________
(١) انظر: الإبهاج ٣/ ١٢٢٨.
(٢) لأنَّ المزي ﵀، توفي في ثاني عشر من شهر صفر سنة ٧٤٢ هـ، والتاج ﵀، ولد ٧٢٧ هـ، وفي قول ٧٢٨، فسنه حين مات المزي ﵀، بين =
[ ١ / ٢١٣ ]
وإذن شيخه شمس الدين ابن النقيب بالفتيا له وهو دون الثامنة عشرة من عمره، فما عساك بشاب يبلغ هذا المبلغ وهو دون العشرين كيف حاله إذا بلغ أو قارب الثلاثين! وكتابه "الإبهاج" الذي نحقِّقه هو أول كتاب يؤلفه في أصول الفقه، قد أتى فيه بالعجب العجاب وهو ابن أربع وعشرين سنة، وألفه في وقت السآمة كما قال هو: "وقد كنا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب" فمَنْ كان هذا حاله كيف لا تخطبه المناصب الشرعية وتَفدُ إليه، وكيف لا يتولاها والكل يشهد بأهليته وعُلُوِّ كعبيه! ووالله مَنْ قرأَ كتبه وَتَمَعَّن فيها عَلِم أنه سيد زمانه، وإمام أوانه، والفارس المقدَّم، والإمام المبجَّل.