رحم الله القائل:
تواضعْ كما النجمُ استبان لناظرٍ على صَفَحات الماءِ وهو رفيعُ
ولا تَكُ كالدخان يرفع نفسَه إلى طبقات الجو وهو وضيعُ (^٢)
يقول ابن السبكي في ترجمة الإمام الذهبي ﵀:
"وأنشدنا لنفسه، وأرسلها معي إلى الوالد ﵀، وهي فيما أراه آخِرَ شعرٍ قاله؛ لأنَّ ذلك كان في مرض موته، قبل موته بيومين أو ثلاثة:
تقي الدين يا قاضِي الممالِكْ ومَنْ نحن العبيدُ وأنت مالِكْ
(ثم ذكر التاج بقية الأبيات، إلى أن قال:
وذكر بعد هذا أبياتًا على هذا النمَّطَ، تتعلَّق بمدحي، لم أذكرها" (^٣).
وفي "منع الموانع" يقول بعد أن رَدَّ كلام ابن الحاجب - ﵀ - في تعريف الأداء: "وقد كان ابن الحاجب - ﵀ - إمامًا مقدَّمًا في الأصول والفقه، والنحو والتصريف، أمسكتْه البلاغةُ زِمامَها، وألقت إليه الفصاحةُ مقاليدَها، وأعطاه الإيجازُ كلَّه، ومِنْ بحر علمه اغترفنا، وبكثير
_________________
(١) انظر: الطبقات ١٠/ ٥ - ٦.
(٢) انظر: الدرر ٤/ ٣٧٨.
(٣) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
علمه اعترفنا، فلا يَظُنَّن الظَّانُّ أنَّا أردنا في هذا الكتاب مطاولتَه، فأين الثريَّا مِنْ يد المتطاول" (^١).
ومَنْ أنصف، ونظر في "جمع الجوامع" للتاج، وقارنه بمختصر ابن الحاجب - ﵀ - تبيَّن تفوق التاج في جمعه تفوقًا ظاهرًا، فما ظنُّك بكتاب هو زبدة مائة كتابٍ مِنْ كتابٍ جُل ما فيه مأخوذٌ من "الإحكام" للآمدي (^٢)؛ لأن "المختصر" هو اختصار كتاب "منتهى السُّؤْل والأمل في علمي الأصول والجدل"، وهو لابن الحاجب أيضًا اختصره من "الإحكام"، وبالمقارنة بين الأصل والمنتهى يتجلى بوضوح أن ابن الحاجب - ﵀ - لم يزد على ما في "الإحكام" إلا قليلًا، بل هو عالةٌ عليه لا شك ولا ريب.
وليس هذا انتقاصًا لابن الحاجب ﵀، فقدره في العلم معلوم، ولكن القصد بيان تواضع التاج مع تقدمه وتفوقه، هذا ما نقوله أمانةً لا تعصبًا.