في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي ﷺ
والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل قال أبو محمد الذي يفهم من الأمر أن الآمر أراد أن يكون ما أمر وألزم المأمور ذلك الأمر وقال بعض الحنفيين وبعض المالكيين وبعض الشافعيين إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها إما على وجوب في العمل أو في التحريم وإما على ندب وإما على إباحة وإما على كراهة وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا وجميع أصحاب الظاهر إلى القول بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم دليل على صرف شيء من ذلك إلى ندب أو كراهة أو إباحة فتصير إليه قال علي وهذا هو الذي لا يجوز غيره ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون ما اعترض به المخالفون وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة ثم نذكر الأدلة على صحة ما ذهبنا إليه وبالله تعالى التوفيق قال علي فعمدة ما موهوا به أن قالوا لو كان لفظ الأمر موضوعا للإيجاب لم يوجد أبدا إلا كذلك لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الإباحة ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة
[ ٣ / ٢ ]
وجب ألا نصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض إلا بدليل قالوا وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد لكنها بمنزلة عير ورجل ولون وعين فإن قولك رجل ليس هو بأن يوقع على العضو أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد وقولك عير ليس بأن يوقع على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم وقولك عين ليس بأن يوقع على يمين عين النظر أولى من أن يوقع
على عين الماء وقولك لون ليس بأن يوقع على الحمرة أولى من أن يوقع على البياض فكذلك قول القائل افعل لما وجد يراد به الندب ووجد يراد به إيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل قال علي هذا شغب فاسد وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق إن لكل مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها التفاهم وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبدا ولبطل خطاب الله تعالى لنا وقد قال الله تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح البيان أبدا لأن تخليط المعاني هو الإشكال نفسه فإذن الأصل ما ذكرناه بضرورة العقل وبنص القرآن ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع على معان شتى ووجدناها أيضا أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط وعلمنا أن المراد باللغة إنما هو الإفهام لا الإشكال لزمنا أن نلزم الأصل الذي هو اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره حتى يصح عندنا أن هذا الاسم مرتب بخلاف هذه الرتبة وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره قال علي والذي شبهوا به الأوامر من الأسماء المشتركة التي ذكروا مثل لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما
[ ٣ / ٣ ]
عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول لا تأكلوا عيرا فيجتنب كل ما يقع عليه اسم عير وإن اختلفت أنواعه وكذلك قوله تعالى ﴿وهو لذي أنزل من لسمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن لنخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ولزيتون ولرمان مشتبها وغير متشابه نظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ وكان ذلك واقعا على كل ثمر وإن
اختلفت أنواعه وكذلك قول القائل الهواء لا لون له فقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة فالفائدة بالخطاب بهذه الأسماء قائمة والتفاهم ممكن وحملها على ما يقتضيه جائز حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه
وهذا غير ممكن في الأوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالأسماء التي ذكرنا لأنه إذا قيل لنا افعلوا وكان هذا اللفظ ممكنا أن يراد به الإيجاب وممكنا به الندب أو الإباحة فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشيء ملزما ولا بد ومباحا تركه في وقت واحد لإنسان واحد هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه فيبطل تشبيههم وصح أن الأمر لو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبدا ولو كان ذلك لبطل الأمر كله ضرورة وإذ قد صح ورود الأمر من الله ﷿ وصح التخاطب بالأوامر في اللغة بين الناس علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له وبالمحالات التي لا نقدر عليها وصح أن الأمر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور وبالله تعالى التوفيق قال علي وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظا نقلت على معهودها وعن موضوعها في اللسان وعلقت على أشياء أخر فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها كيف شاء ﷿ أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب أو فعل ذلك مصطلحان فيما بينها كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها
[ ٣ / ٤ ]
في اللغة عن الدعاء إلى استقبال الكعبة ووقوف وركوع وسجود وجلوس بصفات محدودة لا تتعدى وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الأكل والشرب والوطء في أيام معلومة وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا إذا قام دليل على أن لفظا ما قد نقل عن موضوعه من اللغة ورتب في مكان آخر أن
يعتقد ذلك وإما ما لم يقم دليل على نقله فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة وقد قال بعض المفسدين للحقائق المتكلمين بما لا يعقل ليس هذا نقلا إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه قال علي وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة بل كل حال أحيلت فقد تنقل حكمها عما كان عليه والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضا على معنى آخر فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين وأيضا فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى ما فأوقعت أيضا على غير ذلك
قال علي ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم أنكم قد وجدتم آيات كثيرة وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها أن تتوقفوا في كل آية وفي كل حديث لاحتمال كل شيء منها في نفسه أن يكون منسوخا كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم وخرجتم عن الإسلام وإن أبيتم التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى
[ ٣ / ٥ ]
يصح أنها إما إيجاب أو ندب قال علي وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب فرق البتة بل هو ذلك بعينه لسنا نقول إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد وبيان ذلك أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل أو يجوز أن يستعمل والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعا مستويا وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله والمنسوخ ليس مباحا استعماله في بعض الأحوال فقط فبطل تمويههم وبالله تعالى التوفيق بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة يجوز أن يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم ومن جميع أهل اللغة وقد سمعناه تعالى يقول ﴿وقل لحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كلمهل يشوي لوجوه بئس لشراب وسآءت مرتفقا﴾ سمعناه تعالى يقول ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا﴾ وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر فيلزم على دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير لأنه
يقال لهم كما قالوا لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير
قال علي وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين فلو وجب من أجل ذلك أن
[ ٣ / ٦ ]
يبطل حمل الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا وكفى فسادا بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق وبالله تعالى التوفيق قال علي فإن قالوا إنا لم نوافقكم على أن لفظ الأمر موضوعه في اللغة الوجوب فيلزمنا ما ألزمتمونا وإنما قلنا إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب ولا الندب دون الوجوب قال علي فنقول وبالله تعالى التوفيق قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معا وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود وأن وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الأمر موضوع في أصل اللغة إما للوجوب فقط ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الأمر ثم نقل إلى الوجوب بدليل فهذا هو الذي يتشكل في العقل وأما احتمال وقوع لفظ الأمر على الندب والوجوب معا في وقت واحد فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود الأمر لا حقيقة له أصلا ولا له معنى البتة وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته وقد صح والحمد لله ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة إما أن تقولوا لفظ الأمر موضوع للوجوب في اللغة حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب وهذا
قولنا وإما أن تقولوا لفظ الأمر موضوع لغير الوجوب في اللغة حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب فإن قلتم ذلك سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال وذلك أن قول
[ ٣ / ٧ ]
القائل الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب دخول في عظيمتين إحداهما خرق الإجماع فما قال بهذا أحد قط وإنما شغب من شغب بالموقف وبما قدمنا
إبطاله من احتمال الأمرين والثانية إبطال فائدة العقل لأنه يصير حينئذ قائلا إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل لا تفعل إن شئت وهذا خلاف فهم جميع أهل اللغات لأن الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشيء غير الأمر به وكفى مع أن الإجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل وبرهان ضروري وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الإيجاب إلا بدليل يخرجها إلى الإيجاب وكانت أيضا لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم إلا بدليل يخرجها إلى التحريم وكان كلتا اللفظتين تعطي افعل إن شئت أو لا تفعل إن شئت فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل قال علي قالوا وبأي شيء يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا وإن كان بدليله فإذا لم يدل هو فدليله أحرى أن لا يدل قال علي وهذا شغب فاسد ضعيف جدا تعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا بماذا ثبت عندكم أن الأشياء حق أبأنفسها ففيها اختلفنا أم بغيرها فلا شيء في العالم يوجد من غير الأشياء الموجودة وليس غير الأشياء إلا لا شيء فإذا لم يدل الشيء على حقيقة نفسه فلا شيء أحرى ألا يدل وتعلق أيضا بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا بأي شيء علمتم صحة ما يدل عليه العقل أبالعقل أم بغير العقل ونحو هذا من الهذيان كثير وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل
[ ٣ / ٨ ]
ونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه فهو لازم لهم لا لنا إذ لم نصححه ونقول لهم بأي شيء يدل الأمر على أنه على الوقف أبنفسه أم بدليله فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا وإن كان بدليله فإذا لم يدل هو فدليله أحرى ألا يدل فمن أحمق استدلالا ممن دليله عائد عليه وهادم لقوله وإنما هم قوم لا يحققون شيئا إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء وما يخدعون إلا أنفسهم والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق
أنا قد أخبرنا فيما خلا وفي سائر كتبنا بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق وأنها موجودة على
حسب ما هي عليه وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة التي اضطرنا إليها وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن وهي عنصر لكل معرفة وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه فعلمنا أن الحجر صليب وأن الماء سيال في طبعه وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله وأن قول القائل فلان أحمق ذم وأن قوله فلان عاقل مدح وأن الأمر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر فلما استقر في النفس أن إرادة الأمر أن يفعل المأمور ما يأمره به معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى وبالله نتأيد وإياه نستعين هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال إن من
[ ٣ / ٩ ]
الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا لعلم ماذا قال آنفا أولئك لذين طبع لله على قلوبهم وتبعوا أهوآءهم﴾ قال فلو كانت الأوامر على الوجوب والألفاظ على العموم لما كان لسؤالهم عما قاله ﵇ معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا قال علي لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم لأن الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار لم يرض فعلهم ولا سؤالهم وإنما حكى الله ﷿ ذلك عنهم منكرا عليهم وقد قال تعالى ﴿فأنجيناه وأصحاب لسفينة وجعلناهآ آية
للعالمين﴾ فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله ﷿ وطاعة رسوله ﷺ بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله ﷿
وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة إلا قول إسماعيل بن إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي ﷺ صناديد قريش من غنائم هوازن إثر يوم حنين من نصيبه من خمس الخمس كما قال الشافعي ما قالت الأنصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال قال علي فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله ﷺ ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله ﷺ حجة على المؤمنين القائلين إن رسول الله ﷺ إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه لا مما جعله الله ﷿ لأقوام مسلمين معروفين اللهم
[ ٣ / ١٠ ]
إنا نبرأ إليك من هذا الكلام ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله ﷺ وبقول المنافقين ماذا قال آنفا ونحن نقول قول إنصاف إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله ﷺ وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم وتبرأنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالذين قالوا ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم لمفلحون﴾ فلله ما اختار وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم إذ قال ﷿ يعقب حكاية قوله ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم
فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا لعلم ماذا قال آنفا أولئك لذين طبع لله على قلوبهم وتبعوا أهوآءهم﴾﴾ محمد ١٦ ونحن راجون أن يعطينا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم لمفلحون﴾ إذ يقول الله تعالى ﴿إنما كان قول لمؤمنين إذا دعوا إلى لله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم لمفلحون﴾ ونعم فليعلم الجاهل المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ أن قول الذين قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا لا معنى لسؤالهم هذا ولا يعقل سؤالهم لأنه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون
وشغب بعضهم بقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ قالوا وهذا إباحة بلا شك فقلنا يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الإباحة ببرهان أما التصيد فإن النبي ﷺ حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منى ولم يصطد فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر وأما ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ فإن عبد الله بن ربيع قال حدثنا عمر بن عبد الملك حدثنا ابن الأعرابي ثنا علي بن عبد العزيز ثنا القعنبي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ
[ ٣ / ١١ ]
قال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث اللهم اغفر له اللهم ارحمه قال أبو محمد فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة فمن جاءنا في شيء من الأوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب وعن التحريم إلى الكراهية صرنا إليه وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها فمعاذ الله من ذلك واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فأمر النبي ﵇ علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله ﷺ فأخبره وزاد بعض من لا
يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال له بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه ﵇ عليا إلى خيبر وكلاهما لا يصح أصلا بل هما زيادتا كذب لم يرو قط من طريق فيها خير ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس إذ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأن يزيد في الحدود والزكاة أو ينقص منها وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع
وكذلك ما روي أنه ﵇ أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما يا رسول الله ﷺ وجدته ساجدا وقال الآخر وجدته راكعا فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير
[ ٣ / ١٢ ]
وأما أمره ﵇ بقتل ذلك الإنسان فيخرج على أحد وجهين إما أنه شهد عند النبي ﵇ بذلك قوم عدول في الظاهر منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي ﷺ ففضح الله كذبهم وأما أنه تعالى أوحى إليه بالأمر بقتله وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الأمر بإظهار براءته وكذب الناقل وكلا الأمرين وجه صحيح وبالله تعالى التوفيق قال علي فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج منها بدليل ونقول قبل ذلك إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله والتمع نور الله تعالى بصر قلبه وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة وطمعا في إطفاء ما لا ينطفىء من ضياء الحق وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة ثم تناقضوا فأوجبوا أحكاما كثيرة فرضا بنفس الأمر مما قد خالفهم فيها غيرهم وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى قال أبو محمد فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى افعل ولا يفهم منها أحد لا تفعل ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل أو مما يعبر به عن معنى لا تفعل ولا يفهم منها أحد افعل ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى ﴿قتل الخراصون﴾
[ ٣ / ١٣ ]
قال علي ويقال لهم بأي شيء تعرفون أن في الأوامر شيئا على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب فأجابوا عن ذلك بجوابين أحدهما إن قال بعضهم نعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد وقال بعضهم لسنا نجدد دلائل الوجوب وهي
أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الإيجاب ولسنا نقدر على العبارة عنها
قال علي أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم وإذا كان شيء لا يقدر على بيانه فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان وليس له حياء ولا ورع أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال إني لا أقدر على بيانه ولكنه شيء معلوم إذا وجد عرف قال علي ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان ولكنا نقول لمن هذا صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل لأن كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال وإلا فهو مدع للباطل قال أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن به وعيد اعلم أن الوعيد من الله ﷿ قد اقترن بجميع أوامر نبيه ﷺ في قوله تعالى ﴿لا تجعلوا دعآء لرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم لله لذين يتسللون منكم لواذا فليحذر لذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد بكل من خالف أمره ﵇ قال علي واعترض بعضهم في ذلك بأن قال لما صح في أن أوامره ﵇ ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم وهو أمر كان معناه الندب علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا وإن كان ذلك فقد
[ ٣ / ١٤ ]
بطل أن يكون حجة في حمل الأمر على الوجوب قال علي فيقال له وبالله تعالى التوفيق إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه بخروجه إلى معنى الندب إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب على استحقاق العذاب على تركه إلا أن الوعيد
قد حصل مقرونا بالأوامر كلها إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي ﷺ بأنه لا وعيد عليه لأنه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا أبو إسحاق البلخي عن الفربري عن البخاري ثنا محمد بن سنان ثنا فليح ثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى قال علي يسأل من قال إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ما معنى المعصية فلا بد له من أن يقول هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر فإذا لا بد من ذلك فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله ﷺ فقد عصى الله ورسوله ومن عصاهما فقد ضل ضلالا بعيدا واستحق النار وألا يدخل الجنة بنص كلام الله وكلام نبيه ﷺ قال الله تعالى ﴿إلا بلاغا من لله ورسالاته ومن يعص لله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا﴾ قال علي ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله ﷺ افعل أمرا كذا فيقول المأمور لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به أو يقول الله تعالى أو رسوله ﷺ لا تفعل أمرا كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله ومباح
[ ٣ / ١٥ ]
لي أن أفعل ما نهيتماني عنه قال علي ما يعرف أحد من العصيان غير هذا والحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بيانا وأقرب مأخذا منها على المشركين لأن المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ثم يقولون لنا لا نطيع وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما نعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على
الباطل بعد وضوحه واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلي عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال قال رسول الله ﷺ أعطيت القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله ﷺ قال
إن القرآن ذلول ذو وجوه فاتقوا ذله وكثرة وجوهه وبه إلى ابن وهب أنبأ مسلمة بن علي عن هشام عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال فذكر حديثا وذكر فيه القرآن وفيه وما منه آية إلا ولها ظهر وبطن وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع قال علي هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلا ولو صحت لما كان لهم في شيء منها حجة بوجه من الوجوه لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن ولا بقول قائل لكن
[ ٣ / ١٦ ]
ببيان النبي ﷺ الذي أمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل إليهم فإن أوجدونا بيانا عن النبي ﷺ بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين وإن لم يوجدونا بيانا عن النبي ﷺ فليس أحد أولى بالتأويل في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضا ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي ﷺ لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم فبطل ما ظنوه وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال ثنا محمد بن معاوية المرواني عن أحمد بن شعيب النسائي ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ثنا أبو هشام واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة قال علي وأنبأناه أيضا عبد الله بن يوسف بن نامي عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب ثنا يزيد بن هارون قال علي واللفظ لفظ المغيرة قال المغيرة ويزيد ثنا الربيع بن مسلم ثنا محمد بن زياد عن أبي هريرة قال خطب رسول الله ﷺ الناس فقال إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فقام رجل فقال أفي كل عام فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا
أمرتكم بالشيء فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وقد روي أيضا من طرق صحاح إلى الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس عن
[ ٣ / ١٧ ]
النبي ﷺ وقد روي أمر النبي ﷺ بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع وأن نجتنب
ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسندا إلى النبي ﷺ أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وأبو صالح والأعرج وهمام بن منبه ومحمد بن زياد كلهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ رواه عن همام معمر ورواه عن الأعرج أبو الزناد ورواه عن أبي صالح الأعمش ورواه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة الزهري ورواه عن محمد بن زياد عن أبي هريرة مسندا أيضا شعبة والربيع بن مسلم ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر قال علي فبين ﵇ في هذا الحديث بيانا لا إشكال فيه أن كل ما أمر به فهو واجب حتى لو لم يقدر عليه وهذا معنى قوله تعالى ﴿في لدنيا ولآخرة ويسألونك عن ليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ولله يعلم لمفسد من لمصلح ولو شآء لله لأعنتكم إن لله عزيز حكيم﴾ ولكنه تعالى رفع عنا الحرج ورحمنا فأمر على لسان نبيه ﷺ كما تسمع أن ما أمر به ﵇ فواجب أن يعمل به حيث انتهت الاستطاعة وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما عجزت عنه الاستطاعة فقط وأن ما نهى ﵇ عنه فواجب اجتنابه ثنا عبد الله بن يوسف بالسند المذكور إلى مسلم قال ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا أبو علي الحنفي ثنا مالك بن أنس عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن وائله أخبره أن معاذ بن جبل أخبره وقال خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك فقال رسول الله ﷺ إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان العين مثل الشراك تبض بشيء من ماء قال
فسألهما رسول الله صلى الله عليه
[ ٣ / ١٨ ]
وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم ذكر باقي الحديث وفيه الآية في نبعان الماء ببركته ﷺ قال علي فهذان استحقا السب من النبي ﷺ لخلافهما نهيه في مس الماء ولم يكن هناك وعيد متقدم فثبت أن أمره على الوجوب كله إلا ما خصه نص ولولا أنهما تركا واجبا ما استحقا سب رسول الله ﷺ وبه إلى مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة ثنا عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال لما
توفي عبد الله بن أبي ابن سلول فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه فقال رسول الله ﷺ إنما أخبرني الله تعالى فقال ﴿ستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لله لهم ذلك بأنهم كفروا بلله ورسوله ولله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ وسأزيد على السبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بلله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ قال علي ففي هذا الحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره فحمل رسول الله ﷺ اللفظ الوارد بأو على التخيير فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير والندب ورسوله ﷺ أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى فإن قال قائل فما كان مراد الله بالتخيير الذي حمل رسول الله صلى الله
[ ٣ / ١٩ ]
عليه وسلم على التخيير وبذكره تعالى السبعين مرة أتقولون إنه أراد تعالى ما قال عمر بن الخطاب من ألا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ثم نزلت الآية الأخرى مبينة فالجواب أننا وبالله تعالى التوفيق لا نقول ذلك ولا يسوغ لمسلم أن يقوله ولا نقول إن عمر ولا أحدا من ولد آدم ﵇ فهم عن الله تعالى شيئا لم يفهمه عنه نبي الله ﷺ وهذا القول عندنا كفر مجرد وبرهان ذلك أن الله تعالى لو لم يرض صلاة النبي على عبد الله بن أبي لما أقره عليها ولأنزل الوحي عليه لمنعه كما نهاه بعد صلاته عليه أن يصلي على غيره منهم فصح أن قول عمر كان اجتهادا منه أراد به الخير فأخطأ فيه وأصاب رسول الله ﷺ وأجر عمر في ذلك أجرا واحدا لكنا نقول إنه ﷿ خير نبيه ﷺ في ذلك على الحقيقة فكان مباحا له ﷺ أن يستغفر
لهم ما لم ينه عن ذلك
وأما ذكر السبعين فليس في الاقتصار عليه إيجاب أن المغفرة تقع لهم بما زاد على السبعين ولا فيه أيضا منع من وقوع المغفرة لهم بما زاد على السبعين إلا أن رسول الله ﷺ طمع ورجا إن زاد على السبعين أن يغفر لهم ولم يحقق أن المغفرة تكون بالزيادة وهذا هو نفس قولنا بعينه فلما أعلمه الله تعالى بما كان في علمه ﷿ ولم يكن أعلمه قبل ذلك به علمه حينئذ نبيهصلى الله عليه وسلم ولم يكن علم قبل نزول المنع من الاستغفار لهم بالبت أن ما زاد على السبعين غير مقبول فدعا راج لم ييأس من المغفرة ولا أيقن بها وهذا بين في لفظ الحديث وبالله تعالى التوفيق وقد سألت بريرة النبي ﷺ إذ قال لها لو راجعتيه
[ ٣ / ٢٠ ]
يعني النبي ﷺ زوجها مغيثا فقالت أتأمرني يا رسول الله فقال لا إنما أشفع ففرق ﷺ كما ترى بين أمره وشفاعته فثبت أن الشفاعة لا توجب على أحد فعل ما شفع فيه ﵇ وأن أمره بخلاف ذلك وليس فيه إلا الإيجاب فقط وقال الله ﷿ ﴿يأيها لرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ولله يعصمك من لناس إن لله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ قال علي في هذه الآية بيان جلي رافع لكل شك في أن من لم يفعل ما أمر به فقد عصى لأنه تعالى بين أن نبيه ﷺ إن لم يبلغ كما أمر فلم يفعل ما أمر به ولا معنى لهذا الخبر وهذا التقدم إلا أن خلاف الأمر معصية لا موافقة وبالله تعالى التوفيق وهم يقرون على أنفسهم أنهم لا يفعلون ما أمروا به حتى يأمرهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال تعالى ﴿فصح أنه لم يرد تعالى منا الإقرار وحده إلا مع العمل بما أمرنا معه وقال تعالى ﴿﴾
قال علي وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال لأن الندب تخيير وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله ﷺ فلا اختيار فيه لأحد وإذا بطل الاختيار فقد لزم الوجوب ضرورة لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم
[ ٣ / ٢١ ]
نفعل فأبطل الله ﷿ الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه ﷺ وثبت بذلك الوجوب والفرض في جميع أوامرهما ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث وهو الترك فقال تعالى ﴿﴾ قال علي وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه لا رابع لها نعلم ذلك بضرورة الطبيعة وببديهة العقل إما الوجوب وهو قولنا وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك وقد أبطل الله ﷿ هذا الوجه في قوله تعالى ﴿﴾ وأما الترك وهو المعصية فأخبر تعالى أن من فعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا فارتفع الإشكال جملة وبطل كل شغب يأتون به وقال تعالى ﴿﴾ فنص تعالى على توبيخ من لم يكتف بالتلاوة وهذا هو الحكم بالظاهر وحظر الانتقال إلى التأويل وقال تعالى ﴿﴾ وقال تعالى ﴿﴾ فصح أن لا بيان إلا نص القرآن ونص كلام رسول الله ﷺ فإن قالوا فإنكم تحملون كثيرا من أوامره تعالى على التخيير والندب فقد نقضتم هذا الحكم قيل لهم وبالله تعالى التوفيق ما فعلنا ما تقولون من النقض لأننا إنما حملنا منها على التخيير بأمر الله تعالى حملناه أيضا على وجوبه فإذا نص ربنا ﷿ في أمر قد أمر به على أننا إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا فقد أوجب علينا قبول هذا النص على ظاهره ضرورة فلم نخرج عن أصلنا ولم يكن لنا خيرة في صرفه إلى الوجوب بأحد طرفيه دون الآخر فقط كما أنه تعالى أو نبيه ﷺ إذا اقتصر المخاطب لنا منهما على لفظ لا تخيير معه فلا خيرة لنا في صرفه عن أمره الذي اقتصر عليه فكل
أمر مفرد فواجب علينا حمله على
[ ٣ / ٢٢ ]
انفراده وكل أمر بتخيير فواجب علينا حمله على التخيير فالقبول فرض علينا لما يرد من الألفاظ على ظواهرها ولا خيرة لنا في شيء من ذلك والإجماع إذا صح على حمل آية أو خبر على التخيير فقد أيقنا أن أصل الإجماع توقيف من رسول الله ﷺ فحملنا ذلك التوقيف أيضا على الوجوب فلم ننقض قولنا بحمد الله تعالى قال علي أفلا يستحي أن يتكلم في الدين من يسمع كلام الله تعالى في قسمة الصدقات يقول ﴿﴾ فيقول ليس ذلك فريضة وجائز للإمام أن يصرفها إلى ما يرى من وجوه البر أو إلى بعض هذه الأصناف ثم يأتي إلى قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير صاعا من تمر أو صاعا من شعير فيقول ليس صدقة الفطر فريضة ولا الشعير ولا التمر فيها أيضا فرضا ولا مستحبا بل البر الذي لم يذكره النبي ﷺ أفضل ثم يأتي إلى قول رسول الله ﷺ من صلى ههنا معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد أدرك فقال لا تخيير في ذلك والفرض الوقوف ليلا ولا بد وإلا بطل الحج ويقول في قول الله تعالى ﴿﴾ إنه يفهم منه أن خطبة الجمعة فرض تبطل الصلاة بتركها وأن ذكره تعالى للاعتكاف بعد ذكره لحكم الصيام موجب أن يكون الصوم في الاعتكاف فرضا لا يجزي الاعتكاف إلا به أيكون في عكس الحقائق ومجاهرة العقول الفهمة للغة العربية ومخالفة القرآن والسنة أكثر من هذا وقال تعالى ﴿﴾
[ ٣ / ٢٣ ]
قال علي فهذا لفظ الوعيد بقوله تعالى ﴿﴾ مقرونا بمخالفة الطاعة فأخبرنا تعالى أن ترك الطاعة تول ولا تركا للطاعة أكثر ممن يستجيز أن يترك ما أمر به أو يفعل ما نهى عنه وقال تعالى ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فصح بالنص كما ترى أن كل ما أمر به رسول الله ﷺ فهو معروف وكل ما نهى عنه فهو منكر عن المعروف فبين تعالى أن كل من نهى عما أمر به رسول الله ﷺ فهو منافق وكل من قال في قوله تعالى افعل فقال هو لا تفعل إن شئت فقد أباح تركه والنهي عنه نصا وقال تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيهآ أن لنفس بلنفس ولعين بلعين ولأنف بلأنف ولأذن بلأذن ولسن بلسن ولجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقال تعالى ﴿وليحكم أهل لإنجيل بمآ أنزل لله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل لله فأولئك هم لفاسقون﴾ قال علي ومن أجاز لنفسه ترك العمل بما أنزل الله فهو فاسق ظالم بنص القرآن وبنص تسمية الله ﷿ له فقد نصصنا كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ في إيجاب أوامرهما ونواهيهما فرضا وبطل بذلك قول من قال على الندب أو الوقف قال علي وقد فرق قوم بين أوامر الله ﷿ وأوامر رسوله ﷺ وهذا بين الفساد فقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله ﴿من يطع لرسول فقد أطاع لله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا﴾ وإن العجب ليكثر من الحنفيين والمالكيين الذين يجعلون الخطبة يوم الجمعة فرضا فإذا سئلوا عن البرهان في ذلك قالوا قول الله ﷿ ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا نفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند لله خير من للهو ومن لتجارة ولله خير لرازقين﴾
قال علي وما ندري ماذا تأدى إليهم في هذا اللفظ من إيجاب الخطبة ويقولون إن الصيام في الاعتكاف فرض إذا سئلوا عن برهان ذلك قالوا
[ ٣ / ٢٤ ]
ذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكر الصيام وعلى هذا فكل شريعة ففرض ألا تتم إلا بضم كل شريعة في القرآن إليها فلا حج لمن لم يصل ولا صلاة لمن أفطر في رمضان ولا نكاح لمن لا يقسط في اليتامى فينفسخ نكاحه مع امرأته لأن الله تعالى عطف النكاح على أمر
اليتامى فقال تعالى ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ لأنها كلها معطوف بعضها على بعض ثم قالوا في قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ ليست العمرة فرضا وقد عطفها تعالى على الحج عطفا شركها به معه في الإتمام ولم يعطف الاعتكاف في الصيام ولا الصيام على الاعتكاف وإنما عطف النهي عن المباشر في حال الاعتكاف على أحكام الصيام عطف جملة على جملة لا عطف اشتراك ثم قالوا في قوله تعالى في قسمة الخمس ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ فقالوا ليس هذا فرضا وللإمام أن يضع الخمس حيث رأى من مصالح المسلمين هذا وهم يسمعون الله تعالى يقول في قسمة الخمس على من سمى ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وقالوا في آية الصدقات وقد قال تعالى في آخرها ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ فقالوا ليست فريضة لهؤلاء فمن أضل ممن جعل الخطبة والصيام في الاعتكاف فرضا ولم يأت به أمر ولا ندب وأسقط إيجاب ما سماه الله تعالى
فريضة وقال فيه ﴿وعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل إن كنتم آمنتم بلله ومآ أنزلنا على عبدنا يوم لفرقان يوم لتقى لجمعان ولله على كل شيء قدير﴾ وأما المالكيون فإنهم احتجوا في عتق الأخ يملكه أخوه بقوله تعالى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ففرق بيننا وبين لقوم لفاسقين﴾ وما عقل قط ذو لب وجوب عتق الأخ من هذه الآية كما لم يعقل وجوب صلاة الظهر منها وأسقطوا النفقة على الوارث بآرائهم وقد قال تعالى ﴿ولوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم لرضاعة وعلى لمولود له رزقهن وكسوتهن
[ ٣ / ٢٥ ]
بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى لوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بلمعروف وتقوا لله وعلموا أن لله بما تعملون بصير﴾ ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة وبين مضارة
الوارث بموروثه فلم يوجبوا فيها النفقة وقد سوى الله ﷿ بينهما تسوية واحدة ولا ضرر في التمييز والعقل أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا وهو ذو مال يغنيه ويفضل عنه وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله وقال المالكيون أمر تعالى بالمكاتبة ندب وأمره بإتيانهم من مال الله الذي آتاهم ندب وأمره بالمتعة ندب ثم قالوا قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ فرض فلو تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون لكان أولى بهم من معارضة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ بهذيان لا يطردونه بل يتناقضون فيه في كل حين فمرة يقولون في بعض الأوامر ليس فرضا فإذا قيل لهم قد أمر الله تعالى بها قالوا الأوامر موقوفة ولا يحمل على الفرض إلا بدليل ومرة يوجبون الأوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط وبالله تعالى التوفيق قال علي وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي فإنهم يقولون إن لم نجد دليلا على أن الأمر على الندب أمضينا الأوامر على الوجوب قال علي وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف لأنهم راجعون إلى إمضاء الأوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة إذا عدموا دليلا على الندب قال علي وهذا قولنا نفسه ولم نخالفهم في أن الأمر إذا جاء نص أو إجماع على أنه ندب فواجب أن يصار إلى أنه ندب وإنما خالفناهم في الوقف فقط قال علي ونسألهم ألهذا الوقف غاية فإن حدوا حدا كلفوا عليه
[ ٣ / ٢٦ ]
البرهان ولا سبيل إليه فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر فبطل العمل بشيء من الأوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة وقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف فقال لو كان الأمر لا يعلم بلفظه أنه على الوجوب لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه إما بأمر آخر أو بشيء يستخرج من الأمر وكلا الأمرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر فالكلام في الأمر الثاني كالكلام في الأمر
الأول وهذا لا إلى غاية فعلى هذا لا يثبت وجوب أمر أبدا وقالوا أيضا محتجين عن أهل الوقف المعصية في اللغة هي مخالفة الأمر
والطاعة هو تنفيذ الأمر وقال الله تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ وقال تعالى ﴿ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن لله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فستغفروا لله وستغفر لهم لرسول لوجدوا لله توابا رحيما﴾ فثبت الوجوب في الأوامر ضرورة بحكم الله تعالى فالنار على من تركها قال علي ويقال لمن قال بالوقف ماذا تصنع إن وجدت أوامر واردة من الله تعالى ومن رسوله ﷺ خالية من قرينة بالجملة ولا دليل هناك يدل على أنها فرض ولا على أنها ندب فلا بد من أحد ثلاثة أوجه إما أن يقف أبدا وفي هذا ترك استعمال أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ وهذا هو نفسه ترك الديانة أو يحمل ذلك على الندب فيجمع وجهين أحدهما القول بلا دليل والثاني استجازة مخالفة الله ورسوله ﷺ بلا برهان أو يحمل ذلك على الفرض وهذا قولنا وفي ذلك ترك لمذهبه وأخذ بالأوامر فرضا بنفس لفظها دون قرينة وبالله تعالى التوفيق قال علي فإن تعلقوا بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم بني قريظة لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر
[ ٣ / ٢٧ ]
قبلها وقالوا لم يرد هنا هنا وصلاها آخرون بعد العتمة فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم يعنف واحدة من الطائفتين قال علي هذا حجة لهم فيه أيضا ولو شغب بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين لكان أدخل في الشغب مع أنه لا حجة لهم فيه أيضا فأما احتجاج من حمل الأوامر على غير الوجوب فلا حجة لهم فيه لأنه قد كان تقدم من رسول الله ﷺ أمر في وقت العصر أنه مذ يزيد ظل الشيء على مثله إلى أن تصفر الشمس وأن مؤخرها إلى الصفرة بغير عذر يفعل فعل المنافقين فاقترن على الصحابة في ذلك
اليوم أمران واردان واجب أن يغلب أحدهما على الآخر ضرورة فأخذت إحدى الطائفتين بالأمر المتقدم وأخذت الطائفة الأخرى بالأمر المتأخر إلا أن كل واحدة من الطائفتين حملت الأمر الذي أخذت به على الفرض والوجوب وغلبته على الأمر الثاني وقد ذكرنا هذا النوع من الأحاديث فيما خلا وبينا كيفية العمل في ذلك
ولو أننا حاضرون يوم بني قريظة لما صلينا العصر إلا فيها ولو بعد نصف الليل على ما قد بينا في رتبة العمل في جميع الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف وهي في الحقيقة متفقة من الأخذ بالزائد ومن استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني وقد جمع هذان الحديثان كلا الوجهين معا فأمره ﵇ في ذلك اليوم بألا يصلى صلاة العصر إلا في بني قريظة أمر خاص في صلاة واحدة من يوم واحد في الدهر فقط فكان ذلك مستثنى من عموم أمره بأن يصلى كل عصر من كل يوم في الأبد يخرج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس وأما ما لم تغب للمضطر حاشى يوم عرفة وأيضا فإن أمره ﵇ بألا يصلى العصر من ذلك اليوم إلا في
[ ٣ / ٢٨ ]
بني قريظة شريعة زائدة وأمر وارد بخلاف الحكم السالف وبخلاف معهود الأصل في حكم صلاة العصر قبل ذلك اليوم وبعده فواجب طاعة ذلك الأمر الحادث والشرع الطارىء لما قدمنا من البراهين على وجوب القبول لكل ما أمرنا به رسول الله ﷺ عن ربه تعالى وكان أمره بألا يصلى العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة كقوله ليلة يوم النحر في الحج وقد ذكر بصلاة المغرب فقال ﵇ الصلاة أمامك فكان ذلك عند جميع المسلمين ناقلا لوقت المغرب في تلك الليلة خاصة في الحج خاصة في ذلك المكان خاصة عن وقتها المعهود إلى وقت آخر ولا فرق بين ورود ما أمر به في العصر يوم بني قريظة وفي المغرب ليلة المزدلفة وهذا بين لمن تأمله قال أبو محمد وأما إن احتج بهذا الحديث من يرى الحق في القولين المختلفين وقال ترك النبي ﷺ أن يعنف كل واحدة من الطائفتين دليل على أن كل واحدة منهما مصيبة قيل له وبالله التوفيق لا دليل فيه على ما ذكرت ولكنه دليل واضح على أن إحدى الطائفتين مصيبة مأجورة أجرين والأخرى مجتهدة مأجورة أجرا واحدا معذورة في خطئها بالاجتهاد لأنها لم تتعمد المعصية وقد قال ﷿ ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم
في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ وقال ﵇ لكل امرىء ما نوى وكلا الطائفتين نوت الخير وقد نص ﵇ على أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر وكل متكلم
في مسألة شرعية ممن له أن يتكلم على الوجه الذي أمر به من الاستدلال الذي لا يشوبه تقليد ولا هوى فهو حاكم في تلك المسألة لأنه موجب فيها حكما وكل موجب حكما فهو حاكم وهو داخل في استجلاب الأمر بالحديث المذكور فإن قال قائل فلم يأمر رسول الله ﷺ الطائفة المخطئة
[ ٣ / ٢٩ ]
عندكم بالإعادة إن كانت هي التي صلت العصر في وقتها المعهود قبل البلوغ إلى بني قريظة وإنما كان وقتها عندكم في ذلك اليوم بعد البلوغ إلى بني قريظة أي وقت بلغ البالغ إليهم أو لم يعنف الطائفة المؤخرة للعصر إلى بعد نصف الليل إن كانت هي المخطئة على تأخيرهم صلاة فرض عن وقتها قيل له وبالله تعالى التوفيق لسنا ندري في أي وقت بلغ خبر الطائفتين المذكورتين إلى رسول الله ﷺ ولعل ذلك قد بلغه ﵇ في اليوم التالي وبعد خروج وقت العصر جملة ولا إعادة على تارك صلاة بتأول ممن له أن يتأول على الوجه المحمود لا بتقليد ولا بهوى ولا إعادة على تارك صلاة عمدا بلا تأول ولا ضرورة حتى يخرج وقتها وأما المتأول فمعذور ولا يكلف إلا ما علم وأما العامد فذنبه أجل من أن نأمره نحن بكفارة أو بصلاة لم يأمره الله تعالى بها ولا يحل لنا ولا لغيرنا تعدي حدود الله ﷿ بأن نلزمه فرضا لم يأذن به الله تعالى ونسقط عنه بذلك فرضا قد أمره الله تعالى به ونعوذ بالله تعالى من ذلك وأمره إلى خالقه لا إلينا وسيرد على ذي مغفرة واسعة وذي عقاب أليم حيث لا يضيع له شيء ولا يجمع عنده شيء فعند الموازين يعرف كل امرىء ما له وما عليه نسأل الله عفوه وغفرانه في ذلك الموقف آمين قال علي وقد أنكر رسول الله ﷺ على أبي سعيد بن
المعلى إذ ناداه فلم يستجب له وكان في صلاة فقال له رسول الله ﷺ ألم يقل الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا ستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن لله يحول بين لمرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾
قال علي وفي هذا بيان جلي في حمل أوامر الله تعالى وأوامر نبيه ﷺ على الوجوب وعلى الظاهر منها ومن تلك الأوامر أمره تعالى أن يطاع رسوله ﵇ وفي قوله ﵇ المذكور لأبي سعيد بيان جلي في صحة ما أثبتناه قبل من استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني
[ ٣ / ٣٠ ]
واستعمال جميع الأوامر لأنه تعالى قال ﴿يأيها لذين آمنوا ستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن لله يحول بين لمرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ وقال تعالى ﴿لذي جعل لكم لأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون﴾ خص ﵇ دون سائر الناس أن يكلمه المصلون إذا كلمهم ولا يكون ذلك قاطعا لصلاتهم وبهاتين الآيتين والحديث المذكور بطل قول من قال بأن المصلين يكلمون الإمام إذا وهل في صلاته ورام أن يحتج في ذلك بحديث ذي اليدين فبالنصوص التي ذكرنا أيقنا أن ذلك خاص للنبي ﷺ دون من سواه وسبحان من يسر لإخواننا المالكيين أن يجعلوا الخصوص في هذا المكان عموما وأن يجعلوا العموم الذي نص ﵇ على أنه عموم وغضب على من أراد أن يجعله خصوصا من القبلة في صيام رمضان فجعلوه خصوصا كل ذلك بلا دليل وحسبنا الله ونعم الوكيل قال أبو محمد وأما من استجاز أن يكون ورود الوعيد على معنى التهديد لا على معنى الحقيقة فقد اضمحلت الشريعة بين يديه ولعل وعيد الكفار أيضا كذلك ومن بلغ هذا المبلغ فقد سقط الكلام معه لأنه يلزمه تجويز ترك الشريعة كلها إذ لعلها ندب ولعل كل وعيد ورد إنما هو تهديد وهذا مع فراقه المعقول خروج عن الإسلام لأنه تكذيب لله ﷿ وبالله تعالى التوفيق ومما يبين أن أوامر الله تعالى كلها على الفرض
حتى يأتي نص أو إجماع أنه ليس فرضا قوله تعالى ﴿قتل لإنسان مآ أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم لسبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره * كلا لما يقض مآ أمره﴾
قال علي فعدد الله تعالى في كفر الإنسان أنه لم يقض ما أمره به وكل من حمل الأوامر على غير الفرض واستجاز تركها فلم يقض ما أمره وفيما
[ ٣ / ٣١ ]
ذكرنا كفاية وبالله تعالى التوفيق وقد فرق ﷺ بين أمر الفرض وأمر التخيير بفرق ولا مدخل للشغب فيه بعده وهو ما حدثناه عن عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري ثنا أبو عوانة عن شيبان عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال سأل رجل رسول الله ﷺ أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل قال علي فأورد ﵇ الوضوء الذي ليس عليه واجبا بلفظ التخيير وأورد الآخر بلفظ الأمر فقط ولو كان معناهما واحدا لما كان ﵇ مبينا للسائل ما سأل عنه وهذا ما لا يظنه مسلم والله الهادي إلى سواء السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل