قال علي قد بينا في باب الأخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء ونحن الآن متكلمون إن شاء الله ﷿ بتأييده لنا في ماهية الاستثناء وأنواعه فنقول وبالله تعالى التوفيق إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشيء من جملته أو إخراج شيء ما مما أدخلت فيه شيء آخر إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ حاشا وخلا وإلا وما لم يكن وما عدا وما سوى وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك اقتل القوم ودع زيدا مسمى باسم التخصيص لا استثناء وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا قال علي واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء فقالت طائفة لا يجوز أن يستثنى الشيء من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه وقالت طائفة جائز أن يستثنى الشيء من غير جنس أو المخبر عنه وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين ومن إخواننا القياسيين قال علي ونحن نقول إن استثناء الشيء من غير جنسه ونوعه المخبر عنه
[ ٤ / ١٠ ]
جائز واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال أتاني المسلمون إلا اليهود فهذا جائز كأنه قال إلا اليهود فإنهم لم يأتوني وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا إذا كان على الوجه الذي ذكرناه قال علي والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ستكبر وكان من لكافرين﴾ وقال تعالى ﴿وإذا قلنا للملائكة سجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من لجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا إلا بينه وأخبر أن إبليس كان من الجن وقد حمل التهور قوما راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم
قال علي وهذا قول فاحش من وجوه أحدها وأوضحها قول الله ﷿ إذ سأل الملائكة ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ فقالت الملائكة ﴿قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون لجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقا كما ترى والوجه الثاني إخباره ﵇ إن الملائكة خلقت من نور والجن خلقت من نار ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن قالوا الاجتنان هو الاستتار ومن ذلك يسمى المجن مجنا والجنة جنة فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن
[ ٤ / ١١ ]
قال علي وهذا هذيان لبعض أهل اللغة وفي كل قوم جنون فلو أن عاكسا عكس عليهم فقال ما اشتق الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن بماذا كانوا ينفصلون وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شيء اشتق الاجتنان فإن جروا هكذا إلى غير غاية وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها ولا نهاية لعددها وهذا محال ممتنع وموافقة أهل الكفر وإن قالوا ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق قيل لهم فما الذي جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية وقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس فإنه ألف كتابا في اشتقاق أسماء الله ﷿ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا يلزمهم القول بحدوث أسماء الله ﷿ لأن كل شيء مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ فقد كانت
الأسماء على أصلهم غير موجودة
والكلام ههنا يطول ويتشعب ويخرجنا عن غرض كتابنا وأسماء الله ﷿ إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو والمراد بها الله تعالى الذي لم يزل وحده لا شريك له ولا يزال خالق كل شيء لا إله إلا هو رب العرش العظيم وأما الأصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي فإنه قال في نوادره العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الأرض فهذه صفته فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل الذي يخضر ثم يصفر ثم يهيج فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون وأدخله
[ ٤ / ١٢ ]
في باب المضاحك والمطايب والمجون والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات أو أخذت الصفات من الأسماء إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه مثل ضارب من الضرب ومثل آكل من الأكل ومثل أبيض من البياض وغضبان من الغضب وما أشبه ذلك وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها فلا اشتقاق لها أصلا وليس بعضها قبل بعض بل كلها معا وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك ﵀ وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها وثقته وتحريه في نقلها فكان يقول لي قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا وهو يسمع قول الله ﷿ ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق لقول مني لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين﴾ وما علمنا مسلما يقول إن أحدا من الملائكة يدخل جهنم وقد قال تعالى ﴿قل أعوذ برب لناس * ملك لناس * إله لناس * من شر لوسواس لخناس *
لذى يوسوس في صدور لناس * من لجنة ولناس﴾ أفتراه تعالى أمر نبيه ﷺ بأن يستعيذ
من شر الملائكة هذا ما لا يظنه ذو عقل وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى ﴿وجعلوا بينه وبين لجنة نسبا ولقد علمت لجنة إنهم لمحضرون﴾ وقال إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن قال علي وهذا ليس بشي لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت تقول سروات الجن هم بنات الرحمن فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا المكان لا الملائكة ونسأل من ذهب إلى هذا أيجوز أن يقول قائل والجن
[ ٤ / ١٣ ]
حافون من حول العرش وهذا ما لا يجيزه مسلم وقد أخبر تعالى أن الجن عن السمع لمعزولون ودون السماء بالشهب مقذوفون وأن الملائكة بخلاف ذلك ويلزم من سمى الجن جنا من أجل اجتنانهم أن يسمي دماغه جنيا ويسمي مصيره جنيا لأن كل ذلك مجتن وقد اعترض بعضهم بأن إبليس دخل مع الملائكة في الأمر بالسجود لآدم ﷺ قال علي وهذا باطل لأن الله تعالى أخبر أنه كان من الجن ولا تدخل الجن مع الملائكة فيما خصت به الملائكة فلا بد أنه تعالى أمر إبليس أيضا بالسجود وقد جاء النص بذلك فقال تعالى ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من لعالين﴾ فقد أيقنا أن الله تعالى أمره بالسجود كما أمر الملائكة فقد وجدنا الله تعالى استثنى إبليس من غير نوعه فلا مجال للشك في هذا المعنى بعد هذا ووجدناه تعالى قد قال أيضا ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ أي لكن خطأ وقال تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا
تقتلوا أنفسكم إن لله كان بكم رحيما﴾ وقال تعالى ﴿لا يذوقون فيها لموت إلا لموتة لأولى ووقاهم عذاب لجحيم﴾ فاستثنى ﷿ الموتة الأولى وليست الموتة فيما يذاق أصلا في الجنة واستثنى تعالى التجارة وهي حق من الباطل واستثنى تعالى الخطأ من القتل المحرم وليس المخطىء قاتلا من
العمد الحرم واستثنى تعالى القول الطيب سلاما سلاما من قول الإثم ومن هذا الباب لا إله إلا الله واستثنى الله تعالى من جملة الآلهة التي عبدها من سوانا وليس تعالى من جنسها ولا نوعها ولا له ﷿ نوع ولا جنس أصلا وقد قال تعالى ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا بتغآء وجه ربه لأعلى﴾ وقال النابغة الذبياني ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فاستثنى الفخر من المعائب وقال أيضا
[ ٤ / ١٤ ]
وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الأثافي والنؤى من الأحدين وقال آخر وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال تعالى ﴿ولئن شئنا لنذهبن بلذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا﴾ فاستثنى ﷿ رحمته من الوكيل عليه الذي لا سبيل إليه فأي شيء قاله من أبى استثناء الشيء من غير جنسه في هذه الآيات وفي هذه الآي فهو قولنا وهو أنه استثناء منقطع وعطف خبر على خبر بمعنى لكن أو حتى وقد صح بلا ضرورة أن يخبر بخبر إيجاب عن واحد وبخبر نفي عن آخر ولا فرق بين أن يرد أحد الخبرين على الآخر بحرف العطف وبين أن يرد بحرف الاستثناء وقد جاء كل ذلك كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق