قال علي قد بينا في غير موضع أن مراتب الشريعة خمسة حرام وفرض وهذان طرفان ثم يلي الحرام المكروه ويلي الفرض الندب وبين الندب والكراهة واسطة وهي الإباحة فالحرام ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا
[ ٣ / ٧٦ ]
مطيعا وفاعله آثما عاصيا والفرض ما لا يحل تركه ويكون فاعله مأجورا مطيعا ويكون تاركه آثما والمكروه هو ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر وإن تركه أجر والندب هو ما إن فعله المرء أجر وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر والإباحة هي ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر كصبغ المرء ثوبه أخضر أو أصفر فإذا نسخ الحظر نظرنا فإن جاء نسخه بلفظ الأمر فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما وإن كان أتى فعل لشيء تقدم فيه النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط والنهي باق على الاختيار وكذلك الأمر إذا أتى بعده فعل بخلافه فهو منتقل إلى الإباحة والأمر باق على الندب كما قلنا في أمره ﵇ الناس إذا صلى إمامهم جالسا أن يصلوا وراءه جلوسا ثم صلى ﵇ في مرضه الذي توفي فيه جالسا والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم فعلمنا أن نهيه ﵇ عن القيام للمذكر خاصة ندب واختيار إلا أن يفعل ذلك تعظيما للإمام فهو حرام وعلمنا أن
الوقوف له مباح وإنما هذا فيما تيقنا فيه للمتقدم والمتأخر وأما ما لم يعلم أي الخبرين كان قبل فالعمل بذلك الأخذ بالزائد والاستثناء على ما قدمناه وبالله تعالى التوفيق
قال علي وقد ادعى بعض من سلف أنه تقرأ الأوامر كلها الواردة بعد الحظر فوجدها كلها اختيارا أو إباحة وذكر من ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ ﴿ويسألونك عن لمحيض قل هو أذى فعتزلوا لنسآء في لمحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم لله إن لله يحب لتوابين ويحب لمتطهرين﴾ ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾
[ ٣ / ٧٧ ]
قال علي وقد أغفل هذا القائل قد قال الله تعالى ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ فكان الفطر بالأكل والشرب فرضا لا بد منه بين ذلك النهي عن الوصال وكذلك قوله تعالى لله الآية إلى قوله
تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تدخلوا بيوت لنبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فدخلوا فإذا طعمتم فنتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي لنبي فيستحيي منكم ولله لا يستحيي من لحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول لله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند لله عظيما﴾ فالانتشار المذكور في هذه الآية هو الخروج عن بيوت النبي ﷺ وهو فرض لا يحل لهم القعود فيها بعد أن يطعموا ما دعوا إلى طعامه وأما الأوامر التي ذكرنا قبل فإن دلائل النصوص قد صحت على أنها ندب ونحن لا نأبى الإقرار بما أتى به نص بل نبادر إلى قبوله وإنما ننكر الحكم بالآراء الفاسدة والأهواء الزائغة بغير برهان من الله ﷿ أما قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تحلوا شعآئر لله ولا لشهر لحرام ولا لهدي ولا لقلائد ولا آمين لبيت لحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن لمسجد لحرام أن تعتدوا وتعاونوا على لبر ولتقوى ولا تعاونوا على لإثم ولعدوان وتقوا لله إن لله شديد آلعقاب﴾ فإن رسول الله ﷺ حل من عمرته ومن حجه ولم يصطد فعلمنا أنه ندب وإباحة وأما قوله تعالى ﴿فإذا قضيت لصلاة فنتشروا في لأرض وبتغوا من فضل لله وذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ فقد صح عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تزال تصلي على المرء ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث ولم يخص صلاة من صلاة فصح أن الانتشار مباح إلا للحدث والنظر في مصالح نفسه وأهله فهو فرض
وأما قوله ﵇ في القبور فزوروها فإن الفرض لا يكون إلا محدودا وإما موكولا إلى المرء ما فعل منه أو محمولا على الطاقة والمعروف وليس في زيارة القبور نص بشيء من هذه الوجوه ثم لو كان فرضا لكان زائرها مرة واحدة قد أدى فرضه في ذلك لما قدمنا في إبطال التكرار وأما قوله ﵇ فانتبذوا فإنه ﵇ لم ينتبذ لكن كان ينتبذ له فصح أن الانتباذ ليس فرضا لكنه إباحة وأما قوله تعالى ﴿أحل لكم ليلة لصيام لرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم لله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فلآن باشروهن وبتغوا ما كتب لله لكم وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم لخيط لأبيض من لخيط لأسود من لفجر ثم أتموا لصيام إلى لليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في لمساجد تلك حدود لله فلا تقربوها كذلك يبين لله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ والمباشرة من الرجل لزوجته فرض ولا بد ولا يحل له هجرها في المضجع ولا الامتناع من وطئها إلا بتجافيها له عن ذلك على ما بينا في كتاب النكاح من كلامنا في الأحكام والحمد لله رب العالمين
[ ٣ / ٧٨ ]
قال علي وقد ذهب بعض المالكيين إلى أن ههنا واجبا ليس فرضا ولا تطوعا قال علي وهذا هذيان فاسد لا يعقل أصلا لأن الواجب هو الذي لا بد من فعله وغير الواجب هو ما إن شاء فعله المرء وإن شاء تركه ولا يعرف ههنا شيء يتوسط هذين الطرفين فإن راعوا ما ورد به لفظ الفرض في الشريعة فهم أول عاص لما ورد فيها لأن الله ﷿ يقول ﴿إنما لصدقات للفقرآء ولمساكين ولعاملين عليها ولمؤلفة قلوبهم وفي لرقاب ولغارمين وفي سبيل لله وبن لسبيل فريضة من لله ولله عليم حكيم﴾ فقالوا هم هذه القسمة ليست فريضة بل جائز أن يعطى من الصدقات غير هؤلاء وجائز أن توضع في بعض هذه الأصناف دون بعض وقال ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل صغير أو كبير ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير
فقالوا ليس هذا فرضا ولا الشعير أيضا ولا التمر فيها فرضا فما نعلم أحدا ترك لفظ الفرض الوارد في الشريعة منهم ثم احتجوا في البرسام الذي ادعوه من وجوه أنه شيء واجب ليس فرضا ولا تطوعا فقالوا ذلك مثل الأذان والوتر وركعتي الفجر وصلاة العيدين والصلاة في جماعة ورمي الجمار للمبيت ليالي منى بمنى
قال علي وكل هذا فدعوى فاسدة أما الصلاة في جماعة والأذان ورمي الجمار ففرائض واجبة يعصي من تركها لأمر النبي ﷺ بها وأما صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر والمبيت ليالي منى بمنى فليست فرائض ولكنها تطوع يكره تركها فلو تركها تارك دهره كله متعمدا ما أثم ولا عصى الله ﷿ ولا قدح ذلك في عدالته وقد قال ﵇ في الذي حلف ألا يزيد على الصلوات الخمس الفرائض أفلح والله إن صدق دخل الجنة إن صدق وقد سأل هذا القائل النبي ﷺ إذ وصف له الصلوات الخمس فقال يا رسول الله هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع فسمى النبي صلى
[ ٣ / ٧٩ ]
الله عليه وسلم تارك كل صلاة ما عدا الخمس مفلحا ولم يعنفه وأخبر ﵇ أن كل صلاة ما عدا الخمس فهي تطوع فحرام على كل أحد خلاف النبي ﷺ ولولا أن الأمر ورد بصلاة الجنائز فصارت فرضا لا بد منه لكانت تطوعا ولكن من هذه الخلال أشياء يكره تركها فمن تركها لم يأثم ولم يؤجر ومن فعلها أجر فبطلت بما ذكرنا قسمتهم الفاسدة والحمد لله رب العالمين