قال علي ذهب قوم إلى أن قوله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا﴾
[ ٣ / ٨٦ ]
أنه للأحرار دون العبيد واحتجوا بقوله تعالى ﴿وأنكحوا لأيامى منكم ولصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقرآء يغنهم لله من فضله ولله واسع عليم﴾ قال ما ندري أيهما أشد إقداما على الله وجرأة أتخصيصهم الأحرار في الآية الأولى دون العبيد أم استشهادهم بالآية الثانية في ذلك فأول إبطال قولهم إن النبي ﷺ بعث إلى العبيد والأحرار بعثا مستويا بإجماع جميع الأمة ففرض استواء العبيد مع الأحرار إلا ما فرق فيه النص بينهم كوجوب استواء العرب والعجم من قريش إلا ما فرق فيه النص بينهم من كون
الخلافة لقريش دون العرب ومن تحريم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب دون سائر قريش والعرب وكوجوب خمس الخمس لهم دون
سائر قريش والعرب وإنما خاطبنا الله تعالى في آية الإنكاح لأنه ﷿ لم يجعل للعبد أن ينكح نفسه وجعله للحر وهذا مكان نص فيه على الفرق ثم نعارضهم بقول الله تعالى ﴿وتقوا فتنة لا تصيبن لذين ظلموا منكم خآصة وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ وبقوله ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتخذوا ليهود ولنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن لله لا يهدي لقوم لظالمين﴾ وبقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن ستحبوا لكفر على لإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم لظالمون﴾ وبقوله تعالى ﴿ومنهم لذين يؤذون لنبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بلله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ولذين يؤذون رسول لله لهم عذاب أليم﴾ وبقوله تعالى ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ وبقوله تعالى ﴿كلذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كلذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في لدنيا ولآخرة وأولئك هم لخاسرون﴾ وبقوله تعالى ﴿سوآء منكم من أسر لقول ومن جهر به ومن هو مستخف بلليل وسارب بلنهار﴾ وبقوله تعالى ﴿ولقد علمنا لمستقدمين منكم ولقد علمنا لمستأخرين﴾ وبقوله تعالى ﴿ثم إذا كشف لضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون﴾ وبقوله تعالى ﴿ولله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن لله عليم قدير﴾ وبقوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ هل خص بهذا الخطاب الأحرار دون
[ ٣ / ٨٧ ]
العبيد أو عم الجميع فلا بد من أنه عموم للأحرار والعبيد فكل خطاب ورد فهو هكذا ولا فرق إلا ما فرق النص فيه بين الأحرار والعبيد
وكذلك قالوا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ فقالوا هذا للأحرار دون العبيد
قال علي وهذه أعجوبة شنيعة أترى العبيد ليسوا من رجالنا إن هذا الأمر كان ينبغي أن يستحيى منه وأن من جاهر بأن العبيد ليسوا من رجالنا الواجب أن يرغب عن الكلام معه وأيضا فإن أول الآية المذكورة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ والآية الأخرى من قوله ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الآية ولا خلاف بين أحد في أنهما متوجهتان إلى الأحرار والعبيد وأن هذا حكم عام للمتبايعين من الأحرار والعبيد وللمطلقين من الأحرار والعبيد فإذا قد صح ذلك فكيف يسوغ لذي عقل ودين أن يقول إن قوله تعالى ﴿من رجالكم﴾ وقوله تعالى ﴿منكم﴾ مخصوص به الأحرار دون العبيد والآيتان كلتاهما لا خلاف منهم مخاطب بهما والأحرار والعبيد سواء فصل في أمره ﵇ واحدا هل يكون أمرا للجميع قال علي قد أيقنا أنه ﷺ بعث إلى كل من كان حيا في عصره في معمور الأرض من إنسي أو جني وإلى من ولد بعده إلى يوم القيامة وليحكم في كل
عين وعرض يخلقهما تعالى إلى يوم القيامة فلما صح ذلك بإجماع الأمة المتيقن المقطوع به المبلغ إلى النبي ﷺ وبالنصوص الثابتة بما ذكرنا من بقاء الدين إلى يوم القيامة ولزومه الإنس والجن وعلمنا بضرورة الحس أنه لا سبيل إلى مشاهدته ﵇ من يأتي بعده كان أمره
[ ٣ / ٨٨ ]
ﷺ لواحد من النوع وفي واحد من النوع أمرا في النوع كله وللنوع كله وبين هذا أن ما كان من الشريعة خاصا لواحد أو لقوم فقد بينه ﵇ نصا وأعلم أنه خصوص كفعله في الجذعة بأبي بردة بن نيار وأخبره عليه
السلام أنها لا تجزي عن أحد بعده وكان أمره ﵇ للمستحاضة أمرا لكل مستحاضة وإقامته ابن عباس وجابرا عن يمينه في الصلاة حكما على كل مصل وحده مع إمام ولا خلاف بين أحد في أن أمره لأصحابه ﵃ وهم حاضرون أمر لكل من يأتي إلى يوم القيامة وأما إخواننا فاضطربوا في هذا اضطرابا شديدا فقالوا في فتياه ﵇ للواطىء في رمضان إن ذلك الحكم جار على كل واطىء وأصابوا في ذلك ثم لم يقنعوا بالصواب حتى تعدوه إلى الخطأ فقالوا وذلك الحكم أيضا جار على كل مفطر بغير الوطء ثم لم يقنعوا بذلك حتى قالوا هو على النساء كما هو على الرجال ثم أتوا إلى حكم النبي ﷺ في محرم مات فأمر ﵇ ألا يمس طيبا ولا يغطي وجهه ولا رأسه وأن يكفن في ثوبه فقالوا هو خصوص لذلك الواحد وليس هذا حكم من مات وهو محرم أفسمع السامعون بأعجب من هذا التحكم واحتجوا في ذلك بابن عمر وقد تركوا ابن عمر في أزيد من مائة قضية وتركوا في ذلك قول من خالف ابن عمر في ذلك من أصحابه واحتجوا بانقطاع عمل الميت تمويها وشغبا وليس هذا للميت ولكنه عمل الأحياء المأمورين بذلك كما أمروا بغسله ومواراته ولا عمل للميت في ذلك ولا فرق فإن احتجوا في ذلك بقول علي ﵁ نهاني رسول الله ﷺ ولا أقول نهاكم فقد قال كعب بن عجرة في أمر فدية حلق الرأس نزلت في خاصة وهي لكم عامة وأيضا فقد بينا في آخر كتابنا أنه لا يجوز التقليد وقد بين علي ﵁ أن قوله هذا ليس على ما ظن الظان
[ ٣ / ٨٩ ]
من أن ذلك النهي لا يتعداه ذلك إذ سئل أعهد إليك رسول الله ﷺ بشيء لم يعهده إلى غيرك فقال لا ما خصني رسول الله ﷺ بشيء إلا ما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل وأشياء من الجراحات ولا يقتل مؤمن بكافر فصح أن قول علي نهاني إنما هو تحر للفظه ﵇ فقط وبالله تعالى التوفيق وهو الموفق للصواب