هاك نبذ من تناقض القائلين بالوقف وحملهم أوامر كثيرة على وجوبها وعن ظاهرها بغير قرينة ولا دليل إلا مجرد الأمر وصيغة اللفظ فقط وما تعدوا فيه طريق الحق إلى أن أوجبوا فرائض لا دليل على إيجابها يدل على كثير تناقضهم وفساد قولهم قال علي إن القائلين بالوقف من المالكيين والشافعيين والحنفيين قد أوجبوا أحكاما كثيرة بأوامر وردت لا قرينة معها فكان نقضا لمذهبهم في الوقف وما قنعوا بذلك حتى أوجبوا فرائض بلا أوامر أصلا فمن أعجب ممن لم يوجب بأمر الله تعالى إنفاذ ما أمر به وأوجب أحكاما بغير أمر من الله تعالى فمن ذلك أن المالكيين قالوا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ فأبطلوا البيع بمجرد هذا الأمر ولم يقنعوا بذلك حتى أبطلوا ما لم يبطل الله ﷿ من النكاح والإجازة تعديا لحدوده تعالى وقد تعلل بعضهم في هذا بأن لفظة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم لجمعة فسعوا إلى ذكر لله وذروا لبيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ لا يقع إلا للفرض قال علي وهذا ما لا يعرفه حامل لغة من العرب وقد قال تعالى ﴿وما قدروا لله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل لله على بشر من شيء قل من أنزل لكتاب لذي جآء به موسى نورا
وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل لله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ أفترى ذر في هذا المكان موجبة ترك الكفارة دون
وعظ ودعاء إلى الإيمان وقتل موسى وإغرام جزية وصغار وقال في قوله تعالى ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ و﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم
[ ٣ / ٩٥ ]
القصاص في لقتلى لحر بالحر ولعبد بلعبد ولأنثى بلأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن عتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ و﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لصيام كما كتب على لذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ هذه فرائض وقالوا في قوله ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم لموت إن ترك خيرا لوصية للوالدين ولأقربين بلمعروف حقا على لمتقين﴾ فقالوا ليس هذا فرضا مع أمره ﵇ من عنده شيء يوصي فيه أن لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ففرقوا بلا دليل وقالوا في قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ هذا فرض وفي قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾
قالوا هذا فرض وكذلك قالوا في هدي العمرة وجزاء الصيد وقالوا بفرض التكبير في أول الصلاة والتسليم منها ذلك فرض وقالوا في حكم المصراة ذلك فرض وقالوا في التقويم على الشريك المعتق ذلك فرض وأوجبوا الزكاة في أموال الصغار بعموم قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم﴾ وبقوله ﵇ إن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ولم يوجبوا صدقة الفطر فرضا وقد جاء النص بأنه ﵇ فرضها وهي داخلة في جملة قوله ﵇ إن عليهم صدقة وفي جملة قوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ وأجبوا الزكاة في الزيتون بقوله تعالى ﴿وهو لذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ولنخل ولزرع مختلفا أكله ولزيتون ولرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب لمسرفين﴾ ولم يروها في الرمان وقد ذكرهما تعالى في الآية ذكرا واحدا وأوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا لو ورد الأمر بذلك فقط
وأما الحنفيون فإنهم رأوا ألا تقف المرأة مع الرجل في الصلاة فرضا ورأوا الاستسعاء فرضا ولم يروا الإيتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولا مكاتبة من دعا إلى المكاتبة فرضا وكل ذلك مأمور به ورأوا تمتيع المطلقة التي لم تمس ولم يفرض لها صداق فرضا بقوله ﴿فمتعوهن﴾ ولم يروا ذلك فرضا لسائر المطلقات وقد قال تعالى ﴿وللمطلقات متاع بلمعروف حقا على لمتقين﴾ ومثل هذا كثير
[ ٣ / ٩٦ ]
ورأى الشافعيون الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فرضا ولم يروا التكبير في الركوع والرفع فرضا وقد جاء به الأمر ورأوا النية في الوضوء فرضا ولم يروا فعل الاستنثار فرضا وبكل ذلك جاء الأمر سواء ورأوا الخيار قبل التفرق في البيع فرضا ولم يروا الإشهاد فيه فرضا وبكل ذلك جاء الأمر ومثل هذا كثير ورأوا الإيتاء من مال الله للمكاتب فرضا ولم يروا كتابة من دعا إلى المكاتبة مما ملكت أيمانكم فرضا وكلاهما جاء به الأمر مجيئا مستويا وفيم ذكرنا طرف يستدل به على تناقض من قال بالوقف وبالله تعالى التوفيق وقد ذكرنا أقسام الأوامر في كتاب التقريب فأغنى عن إعادتها وسنذكر إن شاء الله تعالى الدلائل المخرجة للأمر عن موضوعه في الإيجاب إلى سائر أقسامه في فصل آخر باب العموم التالي لكلامنا في هذا إن شاء الله ﷿ وبالله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله الموفق للصواب