قال قوم من أصحابنا ومن غيرهم لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل قال أبو محمد وقد أخطأ هؤلاء القائلون وجائز نسخ الأخف بالأثقل
[ ٤ / ٩٣ ]
والأثقل بالأخف والشيء بمثله ويفعل الله ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وإن احتج محتج بقوله الله تعالى ﴿شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ وبقوله تعالى ﴿يريد لله أن يخفف عنكم وخلق لإنسان ضعيفا﴾ وبقوله تعالى ﴿وجاهدوا في لله حق جهاده هو جتباكم وما جعل عليكم في لدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم لمسلمين من قبل وفي هذا ليكون لرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على لناس فأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وعتصموا بلله هو مولاكم فنعم لمولى ونعم لنصير﴾ وبقوله تعالى ﴿شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ فلا حجة لهم في شيء من ذلك أما قوله تعالى ﴿شهر رمضان لذي أنزل فيه لقرآن هدى للناس وبينات من لهدى ولفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد لله بكم ليسر ولا يريد بكم لعسر ولتكملوا لعدة ولتكبروا لله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ ﴿وجاهدوا في لله حق جهاده هو جتباكم وما جعل عليكم في لدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم لمسلمين من قبل وفي هذا ليكون لرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على لناس فأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وعتصموا
بلله هو مولاكم فنعم لمولى ونعم لنصير﴾ فنعم دين الله كله يسر والعسر والحرج وهو ما لا يستطاع إما ما استطيع فهو يسر وأما قوله تعالى ﴿يريد لله أن يخفف عنكم وخلق لإنسان ضعيفا﴾ فنعم ولا خفيف في العالم إلا وهو ثقيل بالإضافة إلى ما هو أخف منه ولا ثقيل البتة إلا وهو خفيف بالإضافة
إلى ما هو أثقل منه هذا أمر يعلم حسا ومشاهدة ولا يشك ذو عقل أن الصلوات الخمس المفروضة علينا أخف من خمسين صلاة وأنها لو كانت صلاة واحدة كانت أخف علينا من الخمس وقد خفف الله تعالى عن المسافر فجعلها ركعتين وعن الخائف فجعلها ركعة واحدة ولو شاء ألا يكلفنا صلاة أصلا لكان أخف بلا شك وقد نص الله تعالى في الصلاة على أنها كبيرة إلا على الخاشعين ولا يشك ذو عقل وحس أن صيام شهر أخف من صيام عام وأن صيام ساعة أخف من صيام يوم فكل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالإضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا كما قال الله تعالى آمرا لنا أن ندعوه فنقول ﴿لا يكلف لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾ وكما نص تعالى أنه وضع بنبيه ﷺ الإصر الذي كان عليهم والأغلال التي كانوا يطوقونها إذ يقول تعالى ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بلمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم لخبآئث ويضع عنهم إصرهم
[ ٤ / ٩٤ ]
والأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج وأين يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى من قتل أنفسهم بأيديهم فكل شيء كلفناه يهون عند هذا وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه من خطر على
ميت تنجس يوما إلى الليل وسائر الثقائل التي كلفوا وحرم عليهم وخفف عنا ذلك كله ولله الحمد والمنة وأما قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير﴾ فإنما معناه بخير منها لكم وكلام الله لا يتفاضل في ذاته فمعناه أكثر أجرا ولو احتج بهذه الآية من يستجيز أن يقول لا ننسخ الأخف إلا بالأثقل لكنا أقوى
شغبا ممن خالفه لأنه لا خلاف أن الأثقل فاعله أعظم أجرا وقد قال ﵇ لعائشة في العمرة هي على قدر نصبك ونفقتك كانت الناسخة أعظم أجرا فلا يكون ذلك إلا لثقلها فهذه الآية عليهم لا لهم فسقط احتجاجهم بكل ما شغبوا به ثم نقول إن من قال إن الله تعالى إنما يلزمنا أخف الأشياء فإنه يلزمه إسقاط الشرائع كلها لأنها كلها ثقال بالإضافة إلى ترك عملها والاقتصار على عمل جزء من كل عمل منها وهذا شيء يعلم بالحس والمشاهدة فصار قول من خالفنا مؤديا إلى الخروج عن الإسلام جملة ولا عمل في الدنيا إلا وفيه كلفة ومشقة وقد قال الشاعر هل الولد المحبوب إلا تعلة وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل وفي الأكل والشرب مشقة فلو أن الإنسان يصل إلى ذوق الطعوم المستطابة والشبع دون تكلف تناول ومضغ وبلع لكان أخف عليه وأقل مشقة وأيسر غررا فرب مختنق بأكله كان في ذلك حتفه أو الإشراف على الحتف ورب متأذ بما يدخل من ذلك في جوفه وبما يدخل بين أضراسه
[ ٤ / ٩٥ ]
ومغث لمعدته فيتقيأ فيألم لذلك ومن ملوث لثوبه بما يسقط من يده ولو تتبعنا ما في اللذات من عسر ومشقة لطال ذلك جدا فكيف بالأعمال المكلفة ولكن العسر والمشقة تتفاضل فإنما رفع الله ﷿ عنا في بعض المواضع ما لا نطيق وخفف تعالى في بعضها تخفيفا أكثر من تخفيف آخر وقد جاء في الأثر حفت الجنة بالمكاره فبطل بهذا الحديث نصا قول من قال إن الله تعالى لا ينسخ الأخف بالأثقل وصح أن الله تعالى يفعل ما يشاء فينسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف والشيء بمثله والشيء بإسقاطه جملة ويزيدنا شريعة من غير أن يخفف عنا أخرى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل فإن اعترضوا بقوله تعالى ﴿لآن خفف لله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن لله ولله مع لصابرين﴾ فهذه حجة عليهم بينة لا محيد عنها لأن التخفيف لا يكون إلا بعد تثقيل فإذا ثقل علينا تعالى أولا فما الذي يمنع
من أن يثقل علينا آخرا إن شاء وقد كنا برهة خالين من ذلك التثقيل الأول ثم ثقلنا به فما المانع من أن يعود علينا ثانية كما كان أولا وأن نزاد تثقيلا آخر أشد منه ويكفي من هذا كله وجودنا
ما لا سبيل لهم إلى دفع نسخه تعالى أشياء خفافا بأشياء ثقال فمن ذلك نسخه تعالى صيام يوم عاشوراء بصيام شهر رمضان ونسخ إباحة الإفطار في رمضان وإطعام مساكين بدل ما يفطر من أيامه بوجوب صيامه فرضا على كل حاضر صحيح بالغ عاقل عالم بالشهر ولزوم الصيام فيه ونسخ سقوط الغسل عن المولج العامد الذاكر لطهارته بإيجاب الغسل عليه ونسخ تعالى إباحة الكلام للمصلي بعد أن كان حلالا بتحريمه وقد كان الكلام فيها فيما ناب الإنسان أخف بلا شك ونسخ تعالى سقوط فرض الجهاد وبيعة المسلمين لرسول الله ﷺ على بيعة النساء بإيجاب القتال وحرم الخمر بعد إحلالها وقال تعالى ﴿كل لطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على
[ ٤ / ٩٦ ]
نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بلتوراة فتلوها إن كنتم صادقين﴾ فصح أنه تعالى حرم عليهم أشياء كانت لهم حلالا وقد كان المنسوخ من كل ما ذكرنا أخف من الناسخ بالحس والمشاهدة وقد بين الله تعالى ذلك بإخباره أن في الخمر والميسر منافع للناس فأبطل تعالى علينا تلك المنافع ولا يشك ذو عقل أن عدم المنفعة أثقل من وجودها ونسخ تعالى الأذى والحبس عن الزواني والزناة والرجم والتغريب ولا شك عند من له عقل أن الحجارة والسياط أثقل من السب والسجن وقد اعترض بعض من يخالف قولنا في هذه المسألة بأن قال في نسخ الحبس عن الزواني إن الحبس لم يكن مطلقا وإنما كان مقيدا بوقت منتظرا لقوله تعالى ﴿وللاتي يأتين لفاحشة من نسآئكم فستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في لبيوت حتى يتوفاهن لموت أو يجعل لله لهن سبيلا﴾ قال أبو محمد وهذا الاعتراض ساقط من وجوه ثلاثة أحدها أنه لا يجد مثل هذا الشرط في أذى الزناة وتبكيتهم ولا في سائر ما
ذكرنا من الخفائف المنسوخة بالثقائل والثاني أن كل نسخ في الدنيا فهذه صفته وإنما هو مقيد عند الله تعالى بوقت محدود في علمه تعالى كما قالت عائشة في فرض قيام الليل إنه تعالى أمسك خاتمة الآية في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزلها ولا فرق بين أن يبدي إلينا ربنا تعالى أنه سينسخ ما يأمرنا به بعد مدة وبين ألا يبدي إلينا ذلك حتى ينسخه وكل ذلك نسخ ولا فرق بين معجل النسخ ومؤجله في أن كل ذلك نسخ
والثالث أن السبيل الذي انتظر بهن هو أثقل مما كان عليهن أولا لأنه شدخ بالحجارة حتى يقع الموت بعد الإيلام بالسوط أو نفي في الأرض بعد الإيلام بالسوط فكانت السبيل المحمولة لهن سبيل الهلاك أو البلاء وكل ذلك أشد من الحبس وهذا نفس ما اختلفنا فيه فأجزناه نحن وأبوه هم وقد اعترض بعضهم في نسخ البيعة على بيعة النساء بإيجاب القتال بأن
[ ٤ / ٩٧ ]
قال كان القتال أثقل علينا في صدر الإسلام لقلتنا فلما كثر عددنا صار تركه أثقل قال أبو محمد ولو كان لهذا القائل علم بكيفيات الأسماء وحدود الكلام لم يأت بهذا الهذر ويقال له أخبرنا أزاد الناس حين نزول آية إيجاب القتال زيادة قووا بها قوة ثانية أكثر مما كانوا أم لا فإن قال لا نقص قوله وتبرأ منه وأخبر أن الحال بعد نزول هذه الآية الموجبة للقتال بعد أن كان غير واجب كالحال التي كانت قبل نزول إيجاب القتال وبطل ما قدر من التفاضل في القوة الموجبة لنزول إيجاب القتال وإن قال نعم جمع أمرين أحدهما أنه يقفو ما ليس له به علم ويكذب والثاني أنه لم يتخلص بعد من إلزامنا ويقال له لا بد أنه قد كان بين بلوغهم العدد الذي بلغوه حين نزول آية إيجاب القتال عليهم وبين نزول الآية وقت ما لا بد منه فقد كان العدد موجودا ولا قتال عليهم ثم نسخ بإيجاب القتال وأيضا فإنه ليس في المعقول أصلا ولا في الوجود عدد إذا بلغته الجماعة قويت على محاربة أهل الأرض كلهم وقد ألزم الله تعالى المسلمين إذا أمرهم بالقتال مجاهدة كل من يسكن معمور العالم من الناس والمسلمون يومئذ لم يبلغوا الألف وقد علم كل ذي عقل أنه لا فرق في القوة على محاربة أهل الأرض كلهم بين ألف وألفين وبين واحد واثنين وإنما ههنا نزول النصر فإذا أنزل الله تعالى على الإنسان الواحد قوي ذلك الواحد على محاربة أهل الأرض كلهم وعجزوا كلهم عنه كما قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿هههه المائدة ٦٧ وأيقنا بذلك لو بارزوه كلهم لسقطوا أمامه ولقدر على جميعهم
وقد قال بعض المخالفين لقولنا إن الصبر على القتال أثقل لذي النفس الآنفة
قال أبو محمد ويكفينا من الرد على هذه المقالة تكذيب الله ﷿ لها فإنه تعالى خاطب الصحابة ﵃ وهم آنف الناس نفوسا وأحماهم
[ ٤ / ٩٨ ]
قلوبا وأعزهم همما أو خاطب أيضا كل مسلم يأتي إلى يوم القيامة وهم أعز الأمم نفوسا وأقرها على الضيم بأن قال تعالى ﴿كتب عليكم لقتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وكفانا ﷿ الشغب والتعب وبين أن الكتاب مكروه عندنا والمكروه أثقل شيء وأخبرنا ﷾ أن المكروه الذي هو أثقل قد يكون لنا فيه خير أكثر مما في الأخف فقد حكم الله تعالى لنا في هذه المسألة حكما جليا لا يسوغ لأحد أن يتكلم بعد سماعه في هذا المعنى بكلمة مخالفة لقولنا والحمد لله رب العالمين واعترض بعضهم بأن قال لم تكن الخمر مباحة بل كانت حراما بالعقل فلم ينسخ إباحتها قال أبو محمد فنقول وبالله تعالى التوفيق إذ هذا القائل لو اشتغل بقراءة حديث النبي ﷺ لكان ذلك أولى به من الكلام في الدين قبل النفقة فيه وقد روينا في الحديث الصحيح تحليلها قبل أن تحرم حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج قال ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا أبو همام عبد الأعلى ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ قال يا أيها الناس إن الله يعرض بالخمر ولعل الله سينزل فيها أمرا فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال ﷺ إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع وروينا من الأطراف الصحاح شربها معلنا بعلم رسول الله ﷺ أكثر ذلك عن حمزة وسعد وأبي عبيدة بن الجراح
وسهيل بن بيضاء وعبد الرحمن بن عوف وأبي أيوب وأبي طلحة وأبي دجانة سماك
[ ٤ / ٩٩ ]
بن خرشة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم من المهاجرين والأنصار ﵃ فكيف يقول هذا الجاهل إنها لم تكن حلالا وإن العقل حرمها وأين عقل هذا الجنون العديم العقل على الحقيقة من عقل رسول الله ﷺ الذي كان يراهم يشربونها ولا ينكر ذلك عليهم أزيد من ستة عشر عاما بعد مبعثه ﵇ فإن الخمر لم تحرم إلا بعد أحد وأحد كانت في الثالث من الهجرة وتنادم الصحابة في المدينة بحضرة رسول الله ﷺ وما وقع لبعضهم من العربدة على بعض ومن الجنايات في شارفي علي ومن التخليط في الصلاة أشهر من أن يجهله من له علم بالأخبار وكل ذلك يعلمه ولا ينكره ﵇ ولا يحل لمؤمن أن يقول إنه ﵇ أقر على حرام أصلا ويكفي من هذا ما قدمنا من أمره ﵇ يبيعها قبل أن تحرم وبأن ينتفع بها والشرب يدخل في الانتفاع وبالله التوفيق