قال أبو محمد النسخ لا يجوز إلا في الكلام الذي معناه الأمر أو النهي وقد بينا في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب لحدود المنطق أن الكلام كله ينقسم أربعة أقسام أمر ورغبة وخبر واستفهام فالاستفهام والخبر والرغبة لا يقع فيها نسخ وإنما يسمى الرجوع عن الخبر وعن الاستفهام استدراكا فكل ذلك منفي عن الله ﷿ لأن الرجوع عنهما إنما هو تكذيب للخبر المرجوع عنه
[ ٤ / ٧١ ]
ومعرفة وكراهية لما رجع عن الاستفهام عنه لعرض حدث أو لعلم بشيء كان يجهل وأما الرجوع عن الرغبة فإنما يسمى استقالة أو تنزها عما انحط إليه قبل ذلك وقد قدمنا أن المعاني إذا اختلفت فواجب أن يخالف بين أسمائها لئلا يقع الإشكال وليلوح البيان ويصح الفهم والإفهام فبقي الرجوع عن الأمر بإحداث أمر غيره فيسمى نسخا وهو فعل من علم أن سيرفع أمره ويحيله فإذا ورد الكلام لفظه لفظ الخبر ومعناه معنى الأمر جاز النسخ فيه مثل قوله تعالى ﴿ولذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى لحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ولله عزيز حكيم﴾ وفي هذا توجد منا المعصية مثل قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ فإنما هذا أمر لنا بأن نؤمن كل من دخل مقام إبراهيم وليس هذا خبرا ولو كان خبرا لكان كذبا لأنه قد قتل الناس حوله ظلما وعدوانا قال أبو محمد وموجود في كل لغة أن يرد الأمر بلفظ الخبر وبلفظ الاستفهام كقول القائل لعبده أتفعل أمر كذا أو ترى ما يحل بك وإنما ذلك أن الخبر عن الشيء إيجاب لما يخبر به عنه والأمر إيجاب لفعل المأمور به فهذا اشتراك بين صيغة الخبر وصيغة الأمر فإذا قال قائل حق عليك القيام إلى زيد فهذا
خبر صحيح البنية معناه قم إلى زيد وكذلك قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ معناه ليحج الناس منكم من استطاع وكذلك إذا قال القائل قد
أوجبت عليك القيام إلى زيد فهذا خبر صحيح البنية معناه قم إلى زيد وكذلك قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا كتب عليكم لصيام كما كتب على لذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ معناه صوموا فما كان من الأخبار هكذا فالنسخ فيها جائز وأما ما كان خبرا مجردا مثل قام زيد وهذا عمرو ووقع أمس خطب كذا وزيد الآن قائم وغدا يكون أمر كذا فهو لا يجوز النسخ فيه البتة لأنه تكذيب لهذا الخبر والله تعالى منزه عن الكذب
[ ٤ / ٧٢ ]
بإخباره تعالى أن قوله الحق وبقوله تعالى ﴿قال فلحق ولحق أقول﴾ وهو موصوف بأنه ينسخ ويحيل ويبدل الأمور بقوله تعالى ﴿يمحو لله ما يشآء ويثبت وعنده أم لكتاب﴾ وبقوله تعالى ﴿قل للهم مالك لملك تؤتي لملك من تشآء وتنزع لملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك لخير إنك على كل شيء قدير﴾ وبقوله تعالى ﴿قل للهم مالك لملك تؤتي لملك من تشآء وتنزع لملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك لخير إنك على كل شيء قدير﴾ بإخباره تعالى أنه كل يوم في شأن وقد اختلف أصحابنا في بعض الأوامر أيجوز فيها النسخ أم لا فقالوا كل ما علم بالعقل فلا يجوز أن ينسخ مثل التوحيد وشبهه قال أبو محمد وهذا فاسد من القول لأنه مجمل لما لا يجوز مع ما لا يجوز ولكن يسأل قائل هذا القول فيقال ما أردت بقولك لا يجوز نسخ التوحيد فإن كنت تريد أنه بعد أن أعلمنا الله تعالى أنه لا ينسخ هذا الدين أبدا لا يجوز تبديله وإن كنت تريد أنه لما سلف في سابق علم الله تعالى أنه لا ينسخه أبدا علمنا أنه لا يجوز نسخه فنعم هذا قوله صحيح وهكذا إباحة الكبش وتحريم الخنزير وجميع شرائع الملة الحنيفة المستقرة لا يجوز نسخ شيء منها أبدا ولا فرق
بين التوحيد وسائر الشرائع في ذلك البتة وإن كنت تريد أنه تعالى غير قادر على نسخ التوحيد أو أنه تعالى قادر على نسخه والأمر بالتثنية أو التثليث إلا أنه لو فعل ذلك لكان ظلما وعبثا فاعلم أنك مخطىء ومفتر على الله تعالى لأنك معجز له متحكم عليه وقاض بأنك مدبر لخالقك ﷿ وموقع له تحت رتب وقوانين بعقلك إن خالفها عبث وظلم
وهذا كلام يؤول إلى الكفر المجرد والشرك المحض مع عظيم ما فيه من الجهل والجنون بل نقول إن الله ﷿ قادر على أن ينسخ التوحيد وعلى أن يأمر بالتثنية والتثليث وعبادة الأوثان وأنه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقا ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا ولكنه تعالى لا يفعل ذلك أبدا لأنه قد أخبرنا أن لا يحيل دينه الذي أمرنا به فلما أمنا
[ ٤ / ٧٣ ]
ذلك صار ما تبرأ الله منه كفرا وظلما وعبثا وصار ما أمر به حقا وعدلا وحكمة فقط وليس اعتقادنا التوحيد حقا ولا حكمة بذاته دون أن يكون لله فيه أمر ولكن إنما صار حقا وعدلا وحكمة لأن الله تعالى أمر به ورضيه وسماه حقا وعدلا وحكمة فقط فهذا دين الله ﷿ الذي نص عليه بأن يفعل ما يشاء وأنه ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ وأنه لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء وهذا هو القول الذي دلت العقول على صحته وبطلان ما عداه لأن العقل يشهد أن الله تعالى خلقه وأنه كان تعالى حقا واحدا أولا إذ لا نفس حيوانية ولا عقل مركب فيها ولا في غيرها ولا جوهر ولا عرض ولا عدد ولا معدود ولا رتبة من الرتب وأنه تعالى خلق النفوس بعد أن لم تكن وخلق العقول على ما هي عليه بعد أن لم تكن ورتب فيها الرتب على ما هي عليه بعد أن لم يكن شيء منها وأنه لو شاء أن يخلق العقول على غير ما هي عليه وأن يرتب الأمور فيها على خلاف ما رتبها لفعله ولما تعذر ذلك عليه ولكان حينئذ هو الحق والعدل والحكمة وما عداه الظلم والجور والعبث لا معقب لحكمه ومن ادعى غير هذا فقد ادعى أن رتبة العقل المجهول في النفس كانت موجودة إذ لا عقل ولا نفس وهذا عين التناقض والخبال والخلف والمحال ومن أنار الله تعالى عقله وسيره لأن يستضيء به وتصور له حدوث العالم بعد أن لم يكن أشرف على
صحة ما ذكرناه وأيقنه وشاهده وعلمه ضرورة ولم يكن عنه له محيد أصلا ومن أصحب الله تعالى نفسه والحيرة وتمييزه
[ ٤ / ٧٤ ]
الضعف تحير وتصور الأمور بخلاف ما هي عليه ولم يخرج إلى طرف وظن الظنون المردية ولله تعالى الحمد على ما علم وهدى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم قال أبو محمد ومن بديع ما قطع أصحابنا على أنه لا يجوز نسخه شكر المنعم وأن كفر المنعم لا سبيل إلى إباحته في العقل أصلا قال أبو محمد فنسأل قائل هذا القول الفاسد فنقول له ما تقول في رجل استنقذ طفلا قد أشرف الأسد على افتراسه فرباه ولا أب له ولا أم ولا مال فأحسن تربيته ثم علمه العلوم وأكرمه وبره ولم يذله ولا استخدمه وموله وزوجه وخوله ثم إن ذلك المحسن إليه زنى وهو محصن وسرق وقذف ثم تاب من كل ذلك وتعبد ثم قامت عليه بذلك بينة عدل وقدم إلى يتيمه وهو بعد حاكم من حكام المسلمين فما ترى أن يفعل فيه أيشكر فيعفو عنه ولا سيما وقد تاب أو يأمر بأن يوجع متناه بالسياط ثم يقطع يده ثم يأمر بشدخ هامته بالحجارة حتى يموت فإن قال أرى أن يعفو عنه كفر إن اعتقد ذلك أو فسق إن أشار بذلك غير معتقد له وإن قال أرى أن يوقع به أنواع العذاب الذي ذكرنا فقد ترك مذهبه الفاسد في ألا يكفر إحسان المنعم فإن قال إن هذا الفعل هو شكره على الحقيقة قال خلاف ما ادعى أن العقل يوجبه وسمى غاية الإساءة إحسانا فإن رجع إلى أن يقول إنما يحسن في العقول شكر المنعم الذي أمر الله تعالى بشكره لا شكر المنعم الذي أمر الله تعالى بالإضرار به وألا يقارض على إحسانه رجع إلى الحق وإلى أنه لا حسن إلا ما فعل الله تعالى ولا قبيح إلا ما نهى الله عنه وهذا الذي لا يجوز غيره
[ ٤ / ٧٥ ]
والعجب من ذهاب هؤلاء القوم عن نور الحق في هذه المسألة وهم يسمعون الله تعالى يقول ﴿لا تجد قوما يؤمنون بلله وليوم لآخر يوآدون من حآد لله ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم لإيمان وأيدهم بروح منه
ويدخلهم جنات تجري من تحتها لأنهار خالدين فيها رضي لله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب لله ألا إن حزب لله هم لمفلحون﴾
وقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا كونوا قوامين بلقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو لوالدين ولأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فلله أولى بهما فلا تتبعوا لهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن لله كان بما تعملون خبيرا﴾ فأوجب تعالى القيام عليهم بمر الحق وإن أدى إلى صلبهم وقتلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وأعضائهم وضربهم بالسياط وشدخهم بالحجارة وهتك أستارهم وسبي نسائهم وذراريهم وبيع أملاكهم وبيعهم مماليك وأخذ أموالهم وإن كانوا آباءنا المحسنين إلينا إذا كفروا فأين شكر المنعم وبر الأب على الإطلاق وهذا كله محال وإنما الذي يجب فهو بر الوالدين الأبوين الذين أوجب الله برهما وإنما الذي يجب أيضا فهو شكر المنعم الذي أمر الله بشكره ولم يأمرنا الله تعالى ببر الوالدين لما وجب برهما ولا عقوقهما ولو لم يأمرنا بشكر المنعم لما لزم شكره ولا كفره كما لا يلزم بر الوالدين الحربيين أو المحاربين وكذلك المنعم الحربي أو المحارب ولو لم يأمرنا بالرحمة لما وجبت أيضا كما أننا نضجع
[ ٤ / ٧٦ ]
الخروف الصغير ونذبحه ونطبخ لحمه ونأكله ونفعل ذلك أيضا بالفصيل الصغير ونثكل أمه إياه ونولد عليها من الحنين والوله أمرا ترق قلوب سامعيه له وتؤلم نفوس مشاهديها وقد شاهدنا كيف خوار البقر وفعلها إذا وجدت دم ثور قد ذبح وكل هذا حلال بلا مأمور به ويكفر من لم يستحله ويجب بذلك سفك دمه فأي فرق في العقول بين هذا وبين ذبح صبي آدمي لو أبيح لنا ذلك وقد جاء في بعض الشرائع أن موسى ﵇ أمر في أهل مدين إذا حاربهم بقتل جميع أطفالهم أولهم عن آخرهم من الذكور وقد سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين يصابون في البيات فقال هم من آبائهم فهل في هذا كله شيء غير الأمور الواردة من الله ﷿ وقد قال قوم إذا جاء أمر بشريعة ما وجاء على
فعلها وعد وعلى تركها وعيد ثم نسخ ذلك الأمر فقد نسخ الوعد والوعيد عليه قال أبو محمد فيقال له وبالله تعالى التوفيق لم ينسخ الوعد ولا الوعيد لأنهما إنما
كانا متعلقين بثبات ذلك الأمر لا على الإطلاق وإنما يصح النسخ فيها لو بقي ذلك الأمر بحبسه ثم يأتي خبر بإسقاط ذلك الوعيد وهذا ما لا سبيل إليه بعد ورود الخبر به ولا نسخ في الوعد ولا في الوعيد البتة لأنه كان يكون كذبا وإخلافا وقد تنزه الله تعالى عن ذلك ولكن الآيات والأحاديث الواردة في ذلك مضموم بعضها إلى بعض ولا يجوز أن نقتصر منها على بعض دون بعض على ما بينا في كتاب الفصل وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد وقد غلط قوم غلطا شديدا وأتوا بأخبار ولدها الكاذبون والملحدون منها أن الداجن أكل صحيفة فيها آية متلوة فذهب البتة
[ ٤ / ٧٧ ]
ومنها أن قرآنا أخذه عثمان بشهادة رجلين وشهادة واحدة ومنها أن قراءات كانت على عهد رسول الله ﷺ أسقطها عثمان وجمع الناس على قراءة واحدة قال أبو محمد وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ فمن شك في هذا كفر ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين ووصفهن بتضييع ما يتلى في بيوتهن حتى تأكله الشاة فيتلف مع أن هذا كذب ظاهر ومحال ممتنع لأن الذي أكل الداجن لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون رسول الله ﷺ حافظا له أو كان قد أنسيه فإن كان في حفظه فسواء أكل الدواجن الصحيفة أو تركها وإن كان رسول الله ﷺ قد أنسيه فسواء أكله الداجن أو تركه قد رفع من القرآن فلا يحل إثباته فيه كما قال تعالى ﴿سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شآء لله إنه يعلم لجهر وما يخفى﴾ فنص تعالى على أنه لا ينسى أصلا شيئا من القرآن إلا ما أراد تعالى رفعه بإنسائه فصح أن حديث الداجن إفك وكذب وفرية ولعن الله من جوز هذا أو صدق به بل كل ما رفعه الله
تعالى من القرآن فإنما رفعه في حياة النبي ﷺ قاصدا إلى رفعه ناهيا عن تلاوته إن كان غير منسي أو ممحوا من الصدور كلها ولا سبيل إلى كون شيء من ذلك بعد موت رسول الله ﷺ ولا يجيز هذا مسلم لأنه تكذيب لقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ ولكان
ذلك أيضا تكذيبا لقوله تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ ولكان ما يرفع منه بعد موت رسول الله ﷺ خرما في الدين ونقصا منه وإبطالا للكمال المضمون ولكان ذلك مبطلا لهذه الفضيلة التي خصصنا بها والفضائل لا تنسخ والحمد لله رب العالمين
[ ٤ / ٧٨ ]
وأما فعل عثمان ﵁ فلم يمت رسول الله ﷺ إلا والقرآن مجموع كما هو مرتب لا مزيد فيه ولا نقص ولا تبديل والقراءات التي كانت على عهد رسول الله ﷺ باقية كلها كما كانت لم يسقط منها شيء ولا يحل حظر شيء منها قل أو كثر قال الله تعالى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ ولبيانه هذا وتقصي الكلام فيه مكانه من باب الإجماع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى قال أبو محمد وقد قال قوم في آية الرجم إنها لم تكن قرآنا وفي آيات الرضعات كذلك قال أبو محمد ونحن لا نأبى هذا ولا نقطع أنها كانت قرآنا متلوا في الصلوات ولكنا نقول إنها كانت وحيا أوحاه الله تعالى إلى نبيه ﷺ مع ما أوحى إليه من القرآن فقرىء المتلو مثبوتا في المصاحف والصلوات وقرىء سائر الوحي منقولا محفوظا معمولا به كسائر كلامه الذي هو وحي فقط ولسنا ننكر رفع آيات في عهد رسول الله ﷺ من الصدور جملة لقوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير﴾ ولا نجيز ذلك بعد موته لقوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير﴾
فإنما اشترط الله تعالى لنا رفعها معلقا بأن يأتينا بخير منها أو مثلها وهذا ما لا سبيل إليه بعد وفاة رسول الله ﷺ لأن الإتيان بآية بعده لا سبيل إليه إذ قد انقطع الوحي بموته ومن أجاز ذلك فقد أجاز كون النبوة بعده ومن أجاز ذلك فقد كفر وحل دمه وماله ولا سبيل إلى أن ينسى ﵇ شيئا من القرآن قبل أن يبلغه فإذا بلغه وحفظه للناس فلسنا ننكر أن ينساه ﵇ لأنه بعد محفوظ مثبت وقد جاء مثل ذلك في خبر صحيح أنه سمع رجلا يتلو القرآن فدعا له
بالرحمة وأخبر ﵇ أنه أذكره آية كان نسيها ولأنه قد بلغه كما أمر كما
[ ٤ / ٧٩ ]
حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ من الليل فقال ﵀ لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا ورواه عبدة وأبو معاوية عن هشام أذكرني آية كنت أنسيتها