قال علي واختلفوا في نوع من أنواع الاستثناء وهو أن يستثنى من الجملة أكثرها ويبقى الأقل فأجازه قوم وهو قول جميع أصحابنا أهل الظاهر وبه نأخذ وبه قال جمهور الشافعيين وأباه قوم وهو قول جمهور المالكيين ولا نعلم لهؤلاء القوم حجة أصلا في المنع من ذلك إلا أن يقول بعضهم إنكم قد وافقتمونا على جواز استثناء ولا نوافقكم على جواز استثناء الأكثر قال علي وهذه حجة إنما تصح فيما لا نص فيه أو فيما لم يقم عليه برهان
[ ٤ / ١٥ ]
وأما كل ما قام فيه برهان عقلي أو شرعي فلا نبالي من وافقنا فيه ولا من خالفنا وقد قامت البراهين على جواز استثناء الأكثر من جملة لا يبقى منها بعد ذلك إلا الأقل قال الله ﷿ ﴿قم لليل إلا قليلا * نصفه أو نقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل لقرآن ترتيلا﴾ فأبدل تعالى النصف من القليل وهو بدل البيان ولم يختلف قط أحد أنه لم يفرض عليه قيام الليل كله وإنما فرض عليه القيام في الليل وهذا البدل يحل محل المبدل منه فالمفهوم أنه قال تعالى قم الليل إلا نصفه ثم زادنا الله تعالى فائدة عظيمة وهي أن النصف قليل بالإضافة إلى الكل قال علي فإن قال قائل كيف تحتجون بهذا وأنتم تقولون إن قيام أكثر من ثلث الليل لا يجوز لقول النبي ﷺ إنه لا قيام فوق داود وكان يقوم ثلث الليل بعد أن ينام نصفه ثم ينام سدسه قيل له وبالله تعالى التوفيق معنى قوله تعالى ﴿نصفه أو نقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل لقرآن ترتيلا﴾ إنما هو والله أعلم إعلام بوقت القيام لا بمقدار القيام ليتفق معنى الآية والحديث فكل من عند الله تعالى وما كان من عنده تعالى فلا اختلاف فيه
قال الله ﷿ ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فصح أن معنى قوله تعالى ﴿قم لليل إلا قليلا﴾ قم في الليل إلا في قليل في نصفه وهكذا قوله تعالى ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي لليل ونصفه وثلثه وطآئفة من لذين معك ولله يقدر لليل ولنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فقرءوا ما تيسر من لقرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في لأرض يبتغون من فضل لله وآخرون يقاتلون في سبيل لله فقرءوا ما تيسر منه وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وأقرضوا لله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند لله هو خيرا وأعظم أجرا وستغفروا لله إن لله غفور رحيم﴾ إنما معناه في أدنى وقوله تعالى ﴿كانوا قليلا من لليل ما يهجعون﴾ مع نهيه على لسان نبيه عن قيام أكثر من ثلث الليل بيان أن الثلثين قبل الإضافة إلى الكل لأنهم كانوا يهجعون قليلا وهو الثلثان ويخرج أيضا على أن ما ههنا جحد محقق فيكون معناه كانوا ما يهجعون قليلا من الليل وهو الثلث فأقل فيكون هذا أيضا حسنا موافقا لما صح عن النبي ﷺ في قيام الثلث وكلا القولين متفق لأنه إذا هجع الثلثين وقام الثلث فإن الثلثين قليل بالإضافة إلى الكل والثلث أيضا كذلك وبالله تعالى التوفيق
[ ٤ / ١٦ ]
فإن اعترض معترض بقول رسول الله ﷺ الثلث كثير قيل له صدق رسول الله ﷺ الثلث كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه وهكذا كل عدد من العالم فألف ألف كثيرا بالإضافة إلى عشرة آلاف وألف ألف قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف ألف قال علي ونقدر أن الذي أقحم هؤلاء القوم في هذه الورطة تجويزهم للمحتبس استثناء أقل من الثلث ولم يجوزوا له استثناء الأكثر من ذلك فقادهم الخطأ إلى ما هو أشد خطأ منه وإن أولى الناس بالتقنع إذا ذكر هذا الحديث الذي اعترضوا به من قول رسول الله ﷺ الثلث كثير فالمالكيون لأنهم يجعلون الثلث كثيرا في
الاستثناء من الحبس كما ذكرنا ثم يجعلونه في حكم المرأة ذات الزوج في مالها قليلا فيجوزون لها الثلث دون رأي زوجها ويمنعونها من أكثر من الثلث إلا برأيه ثم يجعلون الثلث كثيرا في الجائحة إذا أصابت من الثمرة ثلثها فصاعدا ويجعلون ما دون الثلث قليلا لا حكم له ثم يجعلون الثلث قليلا في استثناء البائع من حائطه المبيع أو زرعه المبيع مكيلة تبلغ الثلث فأقل ويجعلون ما زاد على الثلث في ذلك كثيرا ممنوعا
ثم يجعلون الثلث كثيرا في الشاة تباع ويستثنى منها أرطال فمنعوا من ذلك إن كانت الأرطال مقدار الثلث وأجازوه إن كانت أقل من الثلث ثم يجعلون الثلث قليلا في الدار تكترى وفيها نخل لم يظهر بعد فيه ثمرة أو ظهرت ولم يبد صلاحها فأجازوا دخول تلك الثمرة في الكراء قالوا فإن كانت أكثر من الثلث لم يجز ذلك ويجعلون العشر قليلا وما زاد عليه كثيرا فيمن أمر آخر أن يشتري له جارية بثلاثين فاشترى له جارية بثلاثة وثلاثين قالوا هي لازمة للآمر فإن كان أكثر فهي غير لازمة للآمر وقد قالوا أيضا إن ما زاد على نصف العشر كثير فيمن أمر آخر أن يشتري له عبدا بمائة دينار فاشتراه له بمائة وخمسة دنانير أنه يلزمه
[ ٤ / ١٧ ]
ولا يلزمه إن اشتراه بأكثر ومرة يجعلون النصف قليلا فيمن كان له عند آخر دينارا فصارفه في نصفه بدراهم فأخذ بالنصف الثاني طعاما أن ذلك جائز فإن صارفه بأكثر من النصف وأخذ بالباقي لم يجز ذلك لأنه كثير وقالوا من ابتاع سلعا فوجد بعضها فاسدة لا يجوز بيعها كشاة ميتة بين مذكيات ونحو ذلك فإن كان وجه الصفقة والذي يرجى فيه الربح فسخت الصفقة كلها وإن كان أقل من ذلك فسخ الحرام ونفذ العقد في الحلال وحدوا الكثير في ذلك بالسبعين من المائة فجعلوا ما دون الثلاثة الأرباع قليلا وجعلوا نقص النصف من الأذن والذنب مانعا من جواز التضحية ونرجح في الثلث فما فوقه إلى النصف ثم يجعلون الثلث قليلا في الحلي والسيف والمصحف يكون فيه فضة تقع في ذلك قيمته ما هي فيه فيجيزون بيعه كله أو بعضه أو يكون فيه ذهب يقع في ثلث قيمة ما هو فيه فيباع بالذهب قالوا فإن كان مقدار ذلك أكثر من الثلث مما هو فيه لم يجز بيعه إن كان فضة بفضة أصلا وإن كان ذهبا بذهب أصلا قالوا والسكين بخلاف الحلي والسيف المصحف في ذلك قال علي فمرة كما ترى يجعلونه الثلث قليلا ومرة يجعلونه كثيرا ومرة يجعلون النصف قليلا ومرة يجعلون ما زاد على العشر كثيرا تحكما بآرائهم الفاسدة بلا دليل
وإن سماع هذه القضايا الفاسدة التي لم يأذن بها الله ﷿ لعبرة لمن اعتبر
وآية لمن تفكر والعجب يتضاعف من قوم قبلوا ذلك ودانوا به كما ترى وتركوا له دلائل القرآن والسنة ونصوصهما وحسبنا الله ونعم الوكيل قال علي وقد جاء في نص القرآن استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل بعد ذلك فبطل كلام كل من خالفه قال الله ﷿ لإبليس ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من تبعك من لغاوين﴾ وقد أخبر رسول
[ ٤ / ١٨ ]
الله ﷺ أنا في الأمم التي تدخل النار كالشعرة السوداء في الثور الأبيض وأنه ﵇ يرجو أن يكون نصف أهل الجنة وأن بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار واحد إلى الجنة هذا حكم جميع ولد آدم ﵇ ويكفي من ذلك قوله تعالى ﴿ومآ أكثر لناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فقد استثنى الغاوين من جملة الناس وهم أكثر الناس فاستثنى كما ترى ألفا غير واحد من ألف قال علي وأيضا فإن الاستثناء إنما هو إخراج للشيء المستثنى مما أخبر به المخبر عن الجملة المستثنى منها ولا فرق بين إخراجك من ذلك الأكثر وبين إخراجك الأقل وكل ذلك خبر يخبر به فالخبر جائز عن الأكثر كجوازه عن الأقل ولا يمنع من ذلك إلا وقاح معاند أو جاهل وأيضا فلا شك بضرورة التمييز أن عشرة آلاف أكثر من عشرة آلاف حاشا واحدا فإذا كان ذلك فعشرة آلاف غير واحد قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف كاملة وإذا كان ذلك فاستثناء القليل من الكثير جائز لا تمانع فيه وأيضا فإنه لا فرق بين قول القائل ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين وبين قوله واحد ولا فرق بين قول القائل سبعمائة وثلاثمائة وبين قوله ألف وهذا كله من المتلائمات وهي ألفاظ مختلفة معناها واحد وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمائة من ألف لأنها بعض الألف وبين استثناء تسعة وتسعمائة وتسعين من الألف أيضا لأنها بعض الألف ولا فرق فإن قال قائل إن ربك ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين إذا كان ذلك بمعنى
واحد قيل له وبالله تعالى التوفيق لو عقلت معنى تسمية ربك تعالى لم تسمنا هذا ونحن لا يحل عندنا أن نقول إن الله تعالى فرد ولا أنه
[ ٤ / ١٩ ]
فذ ولا نقول إلا واحد وتر
كما جاء النص فقط لأن كل ذلك تسمية ولا يحل تسمية الباري تعالى بغير ما سمى به نفسه ومن فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه وهو تعالى ليس عددا وإنما يسمى ما دونه واحدا على المجاز وإلا فليس في العالم واحد أصلا لأن الواحد الذي لا يتكثر البتة وليس هذا في العالم البتة حاشا الله تعالى وحده وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل فأخر استثناء الجملة كلها قيل له هذا لا يجوز لأنه كان يتكون أحد الخبرين مبطلا للآخر ومكذبا له كله لأنه إذا قال أتاني إخوتك إلا إخوتك كأن قد قال إتاني إخوتك لم يأتني إخوتك وهذا تناقض وتكاذب وخلف من الكلام ومحال لا يجوز أصلا وليس هذا المحال موجودا في استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل ولا في استثناء الشيء من غير جنسه ألا ترى أنك إذا قلت أتاني إخوتك ولم يأتني بنو عمك وأتاني إخوتك ولم يأتوني كلهم لكن بعضهم فهذان الخبران صدق إذا صدق فيهما والإخبار بهما صحيح حسن فهذا فرق ما بين استثناء الجملة كلها وبين استثناء أكثرها واستثناء الشيء من غير جنسه وقد قال قائلون إن من لفظ بعموم في خبره فلا بد له أن يبقي إن استثنى من جنس تلك الجملة ما يقع عليه اسم عموم ولم يجوزوا أن يقول القائل أتاني إخوتك لم يأتني كلهم ولكن أتاني واحد منهم وقالوا إن الآتي ليس إخوة ولكنه أخ فلا يستثنى إلا بأن يبقى ثلاثة فصاعدا قال علي وهذا لا معنى له لأن ألف سنة ليس مطابقا لتسعمائة فإن قال هو مطابق لتسعمائة وخمسين قيل له ومجيء الأخ الواحد مطابق لعدم مجيء جميعهم حاشاه ولا فرق فإن قال قائل فإذا لا تجوزون استثناء الجملة كلها فكيف قلتم إن من قال لفلان عندي مائة دينار إلا عبدا قيمته مائة دينار أو قال لفلان عندي مائة دينار إلا مائة دينار إن هذا الإقرار
[ ٤ / ٢٠ ]