الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اخْتَلَفُوا فِي الْمُبَاحِ: هَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَاجِبِ أَمْ لَا؟
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالدُّخُولِ، أَنَّ الْمُبَاحَ مَا لَا حَرَجَ عَلَى فِعْلِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الْوَاجِبِ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الْوَاجِبُ غَيْرُ نَافِيَةٍ لِلِاشْتِرَاكِ فِيمَا قِيلَ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّبَايُنِ، أَنَّ الْمُبَاحَ مَا خُيِّرَ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ (١)، وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْحَقُّ. (٢)
_________________
(١) ذُكِرَتْ فِي تَعْرِيفِ الْمُبَاحِ ص ١٢٣.
(٢) وَقِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْرِيفِ الْمُبَاحِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ.
[ ١ / ١٢٥ ]
فَإِنْ قِيلَ: الْعَادَةُ مُطَّرِدَةٌ بِإِطْلَاقِ الْجَائِزِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ فِي قَوْلِهِمْ: صَلَاةٌ جَائِزَةٌ وَصَوْمٌ جَائِزٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومُ الْجَائِزِ مُتَحَقِّقًا فِي الْوَاجِبِ لَزِمَ مِنْهُ إِمَّا الِاشْتِرَاكُ وَإِمَّا التَّجَوُّزُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا سِوَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى حَقِيقَةً فَالْعَادَةُ أَيْضًا مُطَّرِدَةٌ بِإِطْلَاقِ الْجَائِزِ عَلَى مَا انْتَفَى الْحَرَجُ عَنْ تَرْكِهِ، وَلِذَا يُقَالُ: الْمُحَرَّمُ جَائِزُ التَّرْكِ، وَمَا هُوَ مُسَمَّى الْجَائِزِ أَوَّلًا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ هُنَا. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجَائِزِ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمِ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ بَلِ احْتِمَالُ التَّجَوُّزِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْإِطْلَاقِ فِي قَوْلِهِمْ: هَذَا وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.