الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْأَسْمَاءِ الْمَجَازِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى:
فَنَفَاهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالرَّافِضَةُ، وَأَثْبَتَهُ الْبَاقُونَ. (١) احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ﴾ .
وَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَذَفْتَ الْكَافَ بَقِيَ الْكَلَامُ مُسْتَقِلًّا.
وَالثَّانِي مِنْ بَابِ النُّقْصَانِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لِاسْتِحَالَةِ سُؤَالِ الْقَرْيَةِ وَالْعِيرِ وَهِيَ الْبَهَائِمُ.
وَالثَّالِثُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ لِتَعَذُّرِ الْإِرَادَةِ مِنَ الْجِدَارِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ حَمْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي اللُّغَةِ، فَمَا تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ هُوَ الْمَجَازُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ التَّجَوُّزَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ ; إِذِ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ مُجْتَمَعُ النَّاسِ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَمْعِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ، وَقَرَأَتِ النَّاقَةُ لَبَنَهَا فِي ضَرْعِهَا أَيْ جَمَعَتْهُ، وَيُقَالُ لِمَنْ صَارَ مَعْرُوفًا بِالضِّيَافَةِ: مُقْرِي، وَيَقْرِي لِاجْتِمَاعِ الْأَضْيَافِ عِنْدَهُ. وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِذَلِكَ أَيْضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَجْمُوعِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ، وَأَمَّا الْعِيرُ فَهِيَ الْقَافِلَةُ وَمِنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْقَرْيَةِ لِلْجُدْرَانِ وَالْعِيرِ لِلْبَهَائِمِ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِنْطَاقِهَا، وَزَمَنُ النُّبُوَّةِ زَمَنُ خَرْقِ الْعَوَائِدِ فَلَا يَمْتَنِعُ نُطْقُهَا بِسُؤَالِ النَّبِيِّ لَهَا.
_________________
(١) انْظُرْ ص " ١٠٧ " وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْجُزْءِ ٧ مِنْ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى.
[ ١ / ٤٧ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ﴾ فَمَحْمُولٌ أَيْضًا عَلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى خَلْقُ الْإِرَادَةِ فِيهِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى التَّجَوُّزِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ، وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ نَفْيُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِلْبَلِيدِ (حِمَارٌ) وَلِلْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ (أَسَدٌ)، وَنَقِيضُ النَّفْيِ الصَّادِقِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَلِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ الرَّكِيكُ مِنَ الْكَلَامِ، وَكَلَامُ الرَّبِّ تَعَالَى مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ ثُمَّ الْعَجْزُ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَيَتَعَالَى الرَّبُّ عَنْ ذَلِكَ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْعَجْزِ عَنِ الْحَقِيقَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ دُونَ قَرِينَةٍ، وَرُبَّمَا تَخْفَى فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ عَلَى الْمُخَاطَبِ، وَهُوَ قَبِيحٌ مِنَ الْحَكِيمِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى الِالْتِبَاسِ غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا خَاطَبَ بِالْمَجَازِ وَجَبَ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُتَجَوِّزًا نَظَرًا إِلَى الِاشْتِقَاقِ كَمَا فِي الْوَاحِدِ مِنَّا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
سَلَّمْنَا عَدَمَ اتِّصَافِهِ غَيْرَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ فَلَهُ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَابِلَةٌ لِلْمَجَازِ.
وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْكَافُ هَاهُنَا لِلتَّشْبِيهِ لَكَانَ مَعْنَى النَّفْيِ: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ مِثْلٌ لِمَثَلِهِ، فَالْمِثْلُ فِي الْآيَةِ زَائِدٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ مِثْلُكَ لَا يَقُولُ هَذَا الْمُشَارِكُ لَهُ فِي صِفَاتِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ مِنَ الْقَرْيَةِ النَّاسُ الْمُجْتَمِعُونَ، لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ هِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ لَا نَفْسُ الِاجْتِمَاعِ، وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ الزَّمَانُ الَّذِي فِيهِ يَجْتَمِعُ دَمُ الْحَيْضِ قُرْءً، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْقَارِيُّ لِجَامِعِ الْقُرْآنِ، وَالْمُقْرِي لِجَامِعِ الْأَضْيَافِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعِيرَ هِيَ الْقَافِلَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنَ النَّاسِ.
قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ لَا نَفْسِ النَّاسِ فَقَطْ، وَلِهَذَا لَا يُقَالُ لِمُجْتَمَعِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ بَهَائِمُ: قَافِلَةٌ.
[ ١ / ٤٨ ]
قَوْلُهُمْ: لَوْ سَأَلَ لَوَقَعَ الْجَوَابُ.
قُلْنَا: جَوَابُ الْجُدْرَانِ وَالْبَهَائِمِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى وِفْقِ الِاخْتِيَارِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ، بَلْ إِنْ وَقَعَ فَإِنَّمَا يَقَعُ بِتَقْدِيرِ تَحَدِّي النَّبِيِّ ﵇ بِهِ. وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَإِنْ أَمْكَنَ تَخَيُّلُ مَا قَالُوهُ مَعَ بُعْدِهِ فَبِمَاذَا يَعْتَذِرُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وَالْأَنْهَارُ غَيْرُ جَارِيَةٍ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وَهُوَ غَيْرُ مُشْتَعِلٍ، وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وَالذُّلُّ لَا جَنَاحَ لَهُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وَالْأَشْهُرُ لَيْسَتْ هِيَ الْحَجُّ وَإِنَّمَا هِيَ ظَرْفٌ لِأَفْعَالِ الْحَجِّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ وَالصَّلَوَاتُ لَا تُهَدَّمُ وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِعُدْوَانِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ إِلَى مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ مِنَ الْمَجَازَاتِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأَوْلَى بِمَنْعِ كَوْنِ الْمَجَازِ كَذِبًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا أَنْ لَوْ أَثْبَتَ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، كَيْفَ وَإِنَّ الْكَذِبَ مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بِخِلَافِ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّجَوُّزِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ مَنَّ الْمُسْتَحْسَنَاتِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ، لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْمَجَازُ أَفْصَحَ وَأَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ الْبَلِيغِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِمَنْعِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اشْتِرَاطِ الْمَصِيرِ إِلَى الْمَجَازِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَقَاصِدِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. (١)
_________________
(١) سَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
[ ١ / ٤٩ ]
كَيْفَ وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى الْخُصُومِ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَمَا هُوَ الْجَوَابُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ؟ هُوَ الْجَوَابُ لَنَا هَاهُنَا.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُسَمَّ مُتَجَوِّزًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُ التَّسَمُّحُ فِي أَقْوَالِهِ بِالْقَبِيحِ، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ: (فُلَانٌ مُتَجَوِّزٌ فِي مَقَالِهِ) . . . (١)، فَيُتَوَقَّفُ إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِطْلَاقِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَرِدْ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ فَبِمَعْنَى كَوْنِهِ صِدْقًا لَا بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْمَجَازِ.