الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (٢) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ (٣) وَأَتْبَاعِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرْعِ بَلْ كُلُّ فِعْلٍ يُفْرَضُ فَهُوَ وَاجِبٌ مَأْمُورٌ بِهِ.
احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْمُبَاحِ ; لِمَا سَبَقَ فِي تَحْدِيدِهِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى انْقِسَامِ الْأَحْكَامِ إِلَى وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَمُنْكِرُ الْمُبَاحِ يَكُونُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ.
وَحُجَّةُ الْكَعْبِيِّ أَنَّهُ مَا مِنْ فِعْلٍ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا إِلَّا وَيَتَحَقَّقُ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ مَا، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ تَرْكُهُ دُونَ التَّلَبُّسِ بِضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ لِمَا سَبَقَ.
ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنِ الْإِجْمَاعِ الْمُحْتَجِّ بِهِ بِأَنْ قَالَ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ لِسَبَبِ تَوَقُّفِ تَرْكِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ ضَرُورَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ (٤)، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَنْ لَا
_________________
(١) فَإِذًا بِتَنْوِينِ الذَّالِ.
(٢) انْظُرِ الْفَصْلَ التَّابِعَ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ مَسَائِلِ الْمُبَاحِ فِي ج ١ مِنْ كِتَاب " الْمُوَافَقَاتِ " لِلشَّاطِبِيِّ.
(٣) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الْبَلْخِيُّ الْكَعْبِيُّ، مِنْ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ مَاتَ سَنَةَ ٣١٩.
(٤) فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَوْجِيهِ الْكَعْبِيِّ لِمَذْهَبِهِ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِهِ، وَالْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ.
[ ١ / ١٢٤ ]
يَعْلَمُ عَوَرَ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبًا فَالْمُبَاحُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ تَرْكِ الْحَرَامِ، بَلْ شَيْءٌ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ مَعَ إِمْكَانِ تَحَقُّقِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا. وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ، فَإِنَّهُ إِذًا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ التَّلَبُّسِ بِضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِهِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ دُونَهُ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَالتَّلَبُّسُ بِضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِهِ وَاجِبٌ، غَايَتُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْأَضْدَادِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ قَبْلَ تَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ لَهُ، وَلَكِنْ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ بَعْدَ التَّعْيِينِ، وَلَا خَلَاصَ عَنْهُ إِلَّا بِمَنْعِ وُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَفِيهِ خَرْقُ الْقَاعِدَةِ الْمُمَهَّدَةِ عَلَى أُصُولِ الْأَصْحَابِ.
وَغَايَةُ مَا أُلْزِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ لَكَانَ الْمَنْدُوبُ بَلِ الْمُحَرَّمُ إِذَا تُرِكَ بِهِ مُحْرَمٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عِنْدَ مَا إِذَا تَرَكَ بِهَا وَاجِبًا آخَرَ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَكَانَ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ، بِالنَّظَرِ إِلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ وَإِنِ اسْتَبْعَدَهُ مَنِ اسْتَبْعَدَهُ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْغُمُوضِ وَالْإِشْكَالِ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي حَلُّهُ.