لهذه الطبعة التي بين يديك أربعة أصولٍ خطية، أُجمِلُ وصفَها فيما يلي:
١ - مخطوطة مكتبة شيخ الِإسلام عارف حكمت - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في المدينة المنورة. ورقمها فيها ٣ فتاوى، في مجلد لطيف بقطع صغير في ٥٠ ورقة، مذهَّبةَ العنوان تذهيبًا خزائنيًا. وهي بخطِّ إبراهيم بن نباتة، وعليها في كثير من حواشيها بلاغات تفيد أنها قُرئت وقُوبلت مرتين. وجاء في غير موضع منها على الحاشية لفظُ "وفي نسخة "، ممَّا يفيد أنَّه كان بيد كاتبها نسختان. وقد بحثتُ طويلًا عن ترجمة له فلم أقف على شيء. ويُقدَّر أنها من مخطوطات القرن الثامن أو بعده بقليل، والله أعلم.
وهي مخطوطة جيدة صحيحة جدًا، يَنْدُرُ فيها الخطأ أو التحريف، قابلتُ بها نسختي المستخلَصة المصححة من مخطوطة الأحمدية والأزهر ودار الكتب المصرية، فكانت هي أصحَّ منها جميعًا. قابلتُها بمعاونة ابن أخي الأستاذ الناهض البارع النجيب الشيخ عبد الستار أبو عدة في ثمانية مجالس، آخرها يوم الأحد ٢٥ من ذي الحجة سنة ١٣٨٥ في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وهي من حيث الصحةُ والجودةُ تأتي في المرتبة الأولى.
[ ١٢ ]
٢ - مخطوطة المكتبة الأحمدية في بلدنا حلب. وهي ضمن مجموع في كتب الحديث الشريف، رقمه ٣٠٦. جاء في آخرها: "وكان الفراغُ من تعليقه في شهر صفر من شهور سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، والحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد". وبجانبه في الصفحة ذاتها بقلم ناسخها نفسِهِ وبحبرِ مغاير ما صورته "بلغَتْ المُعَارضَةُ له مطالعةَ مع مراجعةِ المنقولِ منه، وكان فيه سُقمٌ، فصَحَّتْ هذه النسخة بحسب الإِمكان ولله الحمد والمنة".
وناسخُها قد كتَبَ اسمَه في آخر كتابِ "الأمنيَّة في إدراكِ النيَّة" للقرافي أيضًا، الذي هو في المجموع المذكور بخطّه أيضًا بعلى كتاب "الإِحكام"، فقال: "ووافَقَ الفراغُ منه ليلةَ الخميس المبارك من شهرِ صفر، من شهور سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى عبدُ الرحمن بنُ عباس بن عبد الرحمن".
فهو قد نسَخَ هذين الكتابين: "الإِحكام" و"الأُمنية" في شهر واحد هو صَفَر، كانسَخَ قبلَهما في الشهر الذي قبله المحرَّم: كتابَ "تأويل مختلِف الحديث" لابن قتيبة، وهو أوَّلُ كتابِ في المجموع المذكور، جاء فيه باسم "كتابُ الردّ على من قال بتناقُضِ الحديث وعابَ أهلَهُ". وفَرَغ منه كما قال: "ووافق الفراغُ منه في شهر الله المحرَّم من شهور سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة". وقد بحثت كثيرًا عن ترجمة له فلم أقف على شيء. فلعله كان ناسخًا محترفًا؟ والله أعلم.
وهذا ما يَغلِبُ على الظنّ، فقد وَقَفْتُ له على كتابِ بخطه أيضًا، في زيارتي للمغرب في صيف عام ١٣٨٨، في خزانة الأستاذ السيد ناصر الكتاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في مدينة الرباط بالمغرب الأقصى، وهو "شرح مقدمة ابن الحاجب في النحو". وقد كتبه كلَّه بخطه وفَرَغ منه كما قال في آخره: "تمَّ شَرْحُ المقدمة في النحو بحمدِ الله وحسن توفيقه، والصلاةِ والسلام على خير خلقه محمدِ وآلِهِ أجمعين، عام ٧٤٨ ثاني ذي الحجة بحلب المحروسة". انتهى.
[ ١٣ ]
ولم يَذكُر فيه اسمَه كما هو ظاهر، غيرَ أن الورَقَ وحَجْمَه وتلوينَهُ ونوعَهُ والخَطَّ وقاعدَتَهُ كلها مماثلةٌ تمامَ المماثلة لما في مجموعِ الأحمدية المشار إليه.
ومخطوطةُ الأحمدية هذه عدَدُ صفحاتها ٧٥ صفحة من القطع الصغير، وخطُّها جيد، يَندُرُ فيها الخطأ، وتغلبُ عليها الصحة، ووقع فيها نقصُ ورقة قبل الصفحة الأخيرة من الكتاب. وهي من حيث الصحةُ والجودةُ تأتي في المرتبة الثانية. وهي قريبةُ العهد بالمؤلف بين نَسْخِها ووفاتِهِ ٥٤ سنة. وقد استفدتُ منها كثيرًا في تصحيح الأغلاط، واستدراك الأسقاط، وتصويب التحاريف.
٣ - مخطوطة مكتبة الأزهر، رَقْمُها فيها في فقه السادة المالكية ١٧٦٦، عروسي عمومية ٤٢٢٩٨، كتبها محمد بن محمد بن عبد الباقي الخالدي المالكي سنة ١٠٠٥ من الهجرة، في ٥٥ ورقة، ومسطرتها ٢١ سطرًا ٢٠ سم. وهي نسخة جيدة مصححة بعناية، كما كتبه لي الأستاذ الدكتور الشيخ نور الدين عِتر الحلبي، وقد رجوت منه أن يقابل نسختي المقابلة بمخطوطة الأحمدية بالنسختين المحفوظتين في مكتبة الأزهر، فتفضل مشكورًا بمقابلتها بالنسخة المذكورة. وقال عن النسخة الثانية التي رقمها في فقه السادة المالكية أيضًا ٨٠١، عمومية ١٢٦٠١ المكتوبة سنة ١٢٣٨ في ٤٢ ورقة،: "قابلتُ بها صدرَ الكتاب لأسطر معدودة، ولم أتابع المقابلة بها لكثرة غلطهما وقربِ عهد كتابتها". وتأتي مخطوطةُ الأزهر التي جرت المقابلة بها من حيث الصحة والجودة في المرتبة الثالثة.
٤ - مخطوطةُ دار الكتب المصرية ذات الرقم الخصوصي ٢١، والعمومي ١٨٥٠ من كتب فقه السادة المالكية، قلمُها عادي، وفرغ منها ناسخها الذي لم يُسمَّ في ١١ من صفر سنة ١١٧٣. وهي نسخة سقيمة جدًا، مملوءة بالأغلاط الفاحشة والتحريضات العجيبة والسَّقْطِ الكثير بحيث لا تخلو صفحة من صفحاتها عن ذلك. وهي من حيث الصحة والجودة تأتي في المرتبة الرابعة والأخيرة.
وعن هذه النسخة طُبع الكتاب منذ ثلاثين سنة، في عام ١٣٥٧ بمطبعة الأنوار بالقاهرة، وقام بطبعه الأستاذ عزَّت العطَّار، واشتغل بتحقيقه الأستاذ
[ ١٤ ]
القاضي الشيخ محمود عرنوس - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -. وقد اعتذر الشيخ عرنوس في ختام المطبوعة عما وقع فيها من تحريفات وأخطاء بقوله: "صادفتنا عقبات أثناء طبع الكتاب لقلة أصوله، وكثرة التحريف في الموجود منها، لذلك كله نعتذر إلى حضرات القراء إذا صادفهم ما يؤاخذ عليه".
وعلى كل حال فالفضل ثابت لهما بإخراج الكتاب من عالم المخطوطات إلى أيدي القراء وأنظارهم، فجزاهما الله خيرًا وإحسانًا على ذلك. وبلغت صفحات تلك الطبعة ٨١ صفحة من القطع الكبير.
وقد وازنت بين هذه الأصول الأربعة عند اختلافها، واخترت أصحَّها وأجودها فأثبته، وتركت ما عداه ممَّا هو خطأ أو ضعيف. ولم أستحسن أن أعتمد نسخة بعينها ثم أشير إلى المغايرات بينها وبين غيرها كما يفعله بعضهم، فإن الغاية أن يقدَّم للقارئ نسخة صحيحة أو أقربُ ما تكون إلى الصحة، لا تقديمُ نسخة بعينها ومَلْءُ الحواشي بذكر مغايرات سواها، ويكون فيها الغثُّ والسمين والغلطُ والصحيح، ممَّا يَقطع على القارئ فكرَهُ ويشوش عليه فَهْمَه.
وأشرت في بعض المواضع إلى توافق النسخ في الخطأ أو التكرار أو النقص أو التقديم والتأخير، وأغفلت الإشارة في مواضع أخرى وقع فيها أحَدُ هذه الأنواع من الخَلَل، لئلا أثقل على الحواشي بما لا فائدة فيه للقارئ سوى أن يلمح الجهود التي بذلها المعتني بإخراج الكتاب.
وكثرةُ التوافق بين الأصول الأربعة في الخطأ تشير إلى أنها هي أو أصولها نُسخت من أمّ واحدة، ثم ازدادت تلك الفروع سلامةً أو تحريفًا، بحسب ماتيشَر لها من عالم نابه أو ناسخ ماسخ. ولذا كثيرًا ما تركتُ ما جاء في الأصول كلها، وأثبتُ ما هو الصواب ونبهتُ على ذلك كما تراه في ص ١٥٨ و١٩٢ و١٩٩ و٢٠٠ وغيرها.
وقد صحَّحتُ بعضَ الأخطاء الواقعة في الأصول من النقول المأخوذة عن هذا الكتاب في "تبصرة الحكام" لإبن فرحون و"مُعين الحكام" لعلاء الدين
[ ١٥ ]
الطرابلسي. وما يزال في الكتاب أخطاء لم أهتد إليها أو لم أوفق إلى تصويبها، وقد أشرتُ إلى بعضها، وعسى الله أن ييسر لي الوصول إلى نسخة مخطوطة معتمدة أصح من النسخ التي وقفت عليها؟ فأستدرك ما بقي في الكتاب من أخطاء في طبعته الثانية، إن شاء الله تعالى.
وقد تمَّ ذلك التصويبُ والتصحيحُ بفضل الله وعونه، إذْ يسَّر لي الوقوف على النسخة الخامسة، التي تقدم وصفُها في (تقدمة الطبعة الثانية) في ص ٨، فأغناني ذكرُ حالها هناك عن ذكر حالها هنا.
[ ١٦ ]