(كما عَرَفتُهُ)
والدُه الشيخُ محمد زين العابدين الكُرْدِي - ﵀ -، وأسرتُهُ كلها زوجًا وأولادًا، هم في الأصل من أهل أنطاكية، وهي مركز قضاء تابع ومرتبط بلواء الإِسكندرون، الذي هو أحد الألوية التابعة لولاية (محافظة) حلب في التقسيمات الإِدارية للدولة العثمانية.
ثم بعدَ الحرب العالمية الأولى وانفصالِ البلاد العربية عن الدول العثمانية التي انكسرت في تلك الحرب، استمر هذا الترتيب الإداري في العهد الفيصلي، حيث حَكَم بلادَ سورية ولبنان من بلاد الشام الأميرُ فيصلُ بنُ الحسين.
وقد كان والدُه الشريف حسين بن علي حاكمُ الحجاز التابعُ للدولة العثمانية قد ثار على الدولة العثمانية في أواخر الحرب العالمية الأولى، حين أقنعه الإِنجليز وأطمعوه بأنهم سيولّونه حُكمَ البلاد العربية، التي ستنفصل عن الدولة إذا خسرت الحرب. فثار على الدولة العثمانية متعاونًا مع الحلفاء ضدها، مما عَجَّل بانكسارها وتقسيم ممتلكاتها.
وحينئذِ تولَّى الحُكمَ في سورية ولبنان الأميرُ فيصل بن الحسين قُرابَة سنتين، حتى تَمَّ التفاهُمُ بين بريطانيا وفرنسا على اقتسام البلاد العربية، وكانت سورية ولبنان لفرنسا، وضربوا بوعدهم للشريف حسين عُرْضَ الحائط!!
فزحف الجنرال غورو على دمشق وفَرَّ الأمير فيصل، فأقامه الإِنجليز مَلِكًا على العراق، واستقرَّ الحُكمُ الإستعماري لفرنسا في سورية ولبنان في عام (١٩٢٠ م).
وظَل لواءُ الِإسكندرون وما يضمُّه من أنطاكية وسواها تابعًا لمحافظة حلب سنواتِ، بعدَ الإحتلال الفرنسي لسورية ولبنان، ثم عَقَد الحلفاء مع مصطفى كمال - (القائد التركي الذي جَمَع جيشًا تركيًا لطرد الحلفاء وذيولهم من البلاد التركية) - صَفْقَةً لكي يعلن إلغاء الخلافة العثمانية، ويَطْرُدَ أسرتها، ويُنفذَ بَرنامَجًا لقطع جذور العربية والإِسلام في البلاد التركية، وهدمِ الجسور مع البلاد العربية المنفصلة، وإعلانِ تركيا دولة علمانية لقاءَ دعم الحلفاء له في أن يكون حاكمًا مطلقًا فيها.
[ ٢٨١ ]
وبعد أن تَمَّ لمصطفى كمال تنفيذُ هذه الصفقة، ومنها إلغاءُ الأذان باللغة العربية، وتغييرُ كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية (حتى كتابة المصاحف)، وتغييرُ أسماء الأشخاص الأتراك الذين أسماؤهم عربية إلى أسماء طُوْرَانِيَّة، وتسمَّى هو (أتاتورك) بدلًا من (مصطفى كمال): اتفَقَتْ فرنسا على أن تتخلى لتركيا عن لواء الإِسكندرون بكامله (ومنه قضاء أنطاكية وما يتبعها)، فسُلِخَ لواء الإِسكندرون عن سورية وأُلحِق بتركيا الحديثة، وطُبَّق فيه نِظامُها العلماني الجديد، ومنه فَرضُ اللباس الِإفرنجي، والقُبَّعَةِ الأوروبية (البرنيطة)، وفَرضُ الحُسُورِ على النساء، ومنعُ تغطية رؤوسهن بغير البرنيطة الإِفرنجية إلخ.
وكان في أنطاكية إذ ذاك عالِمُها الصالح ومرْجِعُها الديني الشيخ محمد زين العابدين الكردي، فهاجر بأسرته وأولاده من أنطاكية إلى حلب، واستقروا فيها حفاظًا على دينهم.
وكان له عدد من الأبناء أبرزَهُم الشيخُ عبدُ الرحمن (موضوع كلمتي هذه والشيخ محمد أبو الخير) - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى -، وكانا إذ ذاك من طلاب العلوم الشرعية المتميزين بحُسنِ فهمهم. وقد عُهِدَ إلى والدهم الشيخ محمن زين العابدين بتدريس التفسير والحديث النبوي في المدرسة الشرعية، التي افتُتحَتْ في حلب، أول العِشْرِينيَّات من هذا القرن الميلادي (القرن العشرين)، عقِبَ احتلال الفرنسيين لسورية ولبنان كما أشرتُ إليه آنفًا، وكان اسمها المدرسَةَ الخُسْرُوِية (نِسبةَ إلى خُسْرُو باشا من رجالات الدولة العثمانية وهو بانيها)، وكنتُ أنا من الرعيل الأول الذي دخلها للدراسة بعدَ ترميمها وافتتاحها، فقد تعطل فيها التدريس خلال الحرب العالمية الأولى، وأصبحَتْ أثناء الحرب ثُكْنَةَ عسكرية، لموقعِها المهم بجانب قلعة حلب، ومزاياها وسعةِ ساحاتها وكثرةِ أجنحتها وغُرَفها.