ظهر الفرقُ بين المفتي والحاكم، فما الفرقُ بينهما وبين الإِمام الأعظم في تصرُّفاته؟
جَوَابُهُ
أنَّ الِإمام نِسبتُهُ إِليهما كنسبةِ الكلِّ لجزئه والمركَّبِ لبعضِه. فإِنَّ للِإمام أن تقضي وأن يُفتي كما تقدَّم (١)، وله أن يَفعل ما ليس بفُتْيا ولا قضاءِ كجمع الجيوش، وإِنشاء الحروب، وحَوْزِ الأموال، وصَرْفِها في مصارفها، وتوليةِ الولاة، وقتلِ الطغاة. وهي أمور كثيرة يختصُّ بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي. فكلُّ إمامِ: قاضِ ومُفتِ، والقاضي والمفتي لا يَصْدُق عليهما وصف الإِمامة الكبرى.
ونبَّهَ على هذه الخصائصِ قولُه - ﷺ -: "أقضاكم عليّ (٢)، وأعلمُكم
_________________
(١) لم يتقدم شيء، كما نبَّهتُ إليه في التعليقة (٣) في ص ٤١.
(٢) هذا ثناء عظيم، وتزكية كريمة من رسول الله - ﷺ -، لأفضلية معرفة علي ﵁ بالقضاء وإقامة الحقوق والحدود في دين الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في "باب مناقب أبي عبيدة" ٧: ٧٣ "خَصَّ النبي - ﷺ - كلَّ واحد من الكبار بفضيلة، ووصفه بها، فأشعر بقَدْرِ زائدِ فيها على غيره كالحياء لعثمان، والقضاء لعلي، ونحوِ ذلك" انتهى. وقد بعثه رسول الله - ﷺ - على حداثة سنه قاضيًا إلى اليَمَن، وبشَّره أن الله يُسدِّدُهُ ويُثبِّتُه على الحق والصّواب، وعلَّمه كيف يقضي. فلا غرابة أن يكون أقضى الأمة. =
[ ٤٦ ]
بالحلال والحرامِ معاذُ بن جبل" (١).
_________________
(١) = روى أبو داود في "سننه" ٣: ٣٠١ "عن علي - ﵇ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليَمَن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديثُ السنّ ولا عِلمَ لي بالقضاءِ؟ فقال: إن الله سيَهدي قلبك، ويُثَبِّتُ لسانك، فإذا جَلَس بين يديك الخصمان فلا تَقضِيَنَّ حتى تَسمعَ من الآخَرِ كما سمعتَ من الأول، فأنَّه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككتُ في قضاءٍ بَعدُ". وروى القاضي وكيع في "أخبار القضاة" ١: ٨٨ بسنده إلى ابنِ عمر وشدَّادِ بن أوس قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "أقضَى أُمَّتي علي". ورواه البغوي أيضًا من طريق أنس، كما في "كشاف الخفاء" للعجلوني ١: ١٦٢. وناهيك برجل علَّمه رسول الله القضاء، ودَعَا له بالسدادِ والثباتِ على الحق، وشَهِدَ له بالأفضليةِ في معرفة القضاء. وقد اشتَهر أبو الحسن عليٌّ - ﵁ - بالقضاء حتى صار يُضرَب به المثلُ في حَل المُعضِلات وفَك المُغلَقَات، حتى قيل في كل مشكلةٍ يَستعصي حَلُّها ويَصعُبُ كشفُ كُنهها: "قَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَن لها". يَعنون أن عليًا أبا الحسن - ﵁ - وهو حلَّالُ المشكلات - قد يَعجِز عن حلِّ تلك المشكلة التي عَجَزوا عنها لتوغُلها في الصعوبة والإغلاق. ولهذا كان عمر - ﵁ - وهو المُحَدَّثَ المُلْهَم - يتعوَّذُ من مُعضِلة ليس لها أبو الحسن، وكان يقول؛ لولا عليٌّ لهَلَك عمر. ويقول: عليٌّ أقضانا. وقال عبد الله بن مسعود: كُنَّا نتحدث أن أقضَى أهل المدينة عليٌّ بن أبي طالب. وقال عبد الله بن عباس: والله لقد أُعطِيَ علي بن أبي طالب تسعةَ أعشار العلم، وأيمُ الله لقد شارككم في العَشْرِ العاشر. وقالت عائشة: إنه لأعلَمُ النَّاس بالسُّنَّة. أسلَمَ عليٌّ وعمره ١٣ سنة، ومات في ليلة ١٧ من رمضان سنة ٤٠ من الهجرة عن ثلاث وستين سنة من العمر، - ﵁ -.
(٢) وهذا ثناءٌ عظيم من رسول الله - ﷺ - على أفضلية علم معاذ بالحلال والحرام. ولهذا أمَرَ النَّاسَ بأخذِ القرآن عنه لعلمه بحلالِهِ وحرامه. روى البخاري ٧: ٩٦ و٩: ٤٣، ومسلم ١٦: ١٧ واللفظ له: عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص - ﵁ - قال: قال =
[ ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رسول الله - ﷺ -: "خذوا القرآن من أربعة: من عبدِ الله بن مسعود، ومعاذِ بن جبل، وأُبَيِّ بن كعب، وسالم مولى أبي حُذَيفة". وقد أسلم معاذ أبو عبد الرحمن - ﵁ - بالمدينة في السنة الثالثة من الهجرة، وكان عُمُره يوم أسلم ثمانَ عشرة سنة. وخَلَّفَهُ رسولُ الله - ﷺ - بمكة حين توجَّه إلى حُنَين، في السنة الثامنة يُفقِّهُ أهلَ مكّة ويُعلِّمُهم السُّنَن ويقرئهم القرآن. كما في "طبقات ابن سعد" ٢: ١٣٧، ٣٤٨. وكان معاذ - ﵁ - شابًا أبيض، وَضِيءَ الوجه، بَزَاقَ الثَّنايا، أكحلَ العينين، جميلًا وسيمًا سمحًا، من خير شباب قومه، يأخذُ بألباب سامعيه ومشاهديه إذا تحدِّث. كما في ترجمته في "الإصابة" ٣: ٤٢٧. وجاء في "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثمي في كتاب العلم، في (باب أخذ كل علم عن أهله) ١: ١٣٥ "عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية وقال: يا أيها الناس من أراد أن يَسأل عن القرآن فليأت أُبَيَّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المالِ فليأتني، فإن الله جعلني له واليًا وقاسِمًا. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه داود بن الحصين، لم أر من ذكره". انتهى. وذَكَرَ طرفًا منه ابنُ سعد في (الطبقات) في ترجمة معاذ ٢: ٣٤٨. وروى الترمذي في "سننه" ١٣: ٢٠٥ وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "نِعْمَ الرجلُ معاذُ بن جبل". وروى ابن سعد أيضًا ٢: ٣٤٧ عن محمد بن كعب القُرَظي قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي معاذُ بنُ جبل يوم القيامة أمامَ العلماء برَتْوة". والرَّتْوَةُ مسافةُ رميةِ السهم، والمرادُ بها هنا بيان تقدم منزلته على العلماء. قال الجاحظ في كتاب "البُرْصَان والعُرْجَان" ص ٣٣٧ - ٣٣٨ من طبعة بغداد: "ومن العُرجان: مُعاذ بن جبل، وكان مُعاذٌ أُمَّةً، وكان يُشبِهُ إبراهيمَ خليلَ الرحمن، ولم يكن في السلف أحسَنُ جُردةً - أي أجمَلُ جسمًا إذا تجرَّد من ثيابه - ولا أنعَمُ بَدَنًا =
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من معاذ وسَهْلِ بن حُنَيْف. وكان بمعاذ عَرَج، فكان إذا صلَّى قدَّم إحدى رجليه. ولما بَعَثه النبي - ﷺ - إلى اليمن، نَزَل في حيّ منهم، وقال: لا تَرَوْني أصنعُ شيئًا إلَّا صنعتم مثلَه، فلما صلَّوْا لم يَبق أحدٌ إلَّا قدَّم إحدى رجليه، فلما انصرفوا قال لهم: "إنَّما فعلتُ هذا من عَرَج، فلا تفعلوا مثل هذا". انتهى. فإن صح هذا - إذْ لم أتحققه - فيُفسِّرُ قدومَ معاذ - ﵁ - يوم القيامة أمامَ العلماء بَرتوَة، يعني أنَّه مع عَرَجِه متقدمٌ عليهم في القدوم. وهذا مديحٌ رفيع. وكان معاذ - ﵁ - أجش الصوت، أوتي محبّة الناس له. قال عَمْرو بنُ ميمون: قَدِمَ علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله - ﷺ - من السَّحَر رافعًا صوته بالتكبير، أجشَّ الصوت، فألقِيَتْ عليه محبتي. ذكره الحافظ ابن حجر عن الأوزاعي يرويه عن عَمْرو بن ميمون. كما في "تهذيب التهذيب" في ترجمة (عمرو بن ميمون) ٨: ١٠٩ - ١١٠. ولمَّا وجَّهه رسول الله سنة عشر من الهجرة وبعد سبع سنوات من إسلامه إلى اليَمَن إلى مدينةِ الجَنَد قاضيًا ومعلَّمًا للناس القرآن وشرائعَ الإسلام، مسألة كيف يقضي إذا عَرَض له قضاء؟ فكان جوابُه دالًا على زكانَتِهِ وفَطانته وسَعَةِ مداركه الفذَّة على حداثةِ سِنِّه، فحَمِدَه رسولُ الله وأثنى عليه وأمضَى إرساله. روى أبو داود ٣: ٣٠٣، والترمذي ٦: ٦٨، والدارمي ص ٣٤، وابن سعد ٢: ٣٤٧، والقاضي وكيع في "أخبار القضاة" ١: ٩٨، واللفظُ مجموع من رواياتهم عن معاذ قال: "لما بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن قال لي: كيف تقضي إن عَرَض لك قضاء؟ قلتُ: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قلت: أقضي بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قلتُ: أجتهد برأيي ولا آلو - أي لا أُقصِّر - قال: فضرب رسول الله صدري بيده وقال: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسول الله لما يُرضِي رسولَ الله". وبلغ من تكريم رسول الله - ﷺ - وإظهاره لشأنه وفضله: أن خرج معه رسول الله - ﷺ - إلى خارج المدينة يُودعه ويُوصِيه، ومعاذٌ راكبٌ، ورسولُ الله يمشي تحت راحلته، =
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حتى فَرَغ من وصيته، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد في "مسنده" عن معاذ، بسند رجالُه رجال الصحيح سوى راشد بن سعد وعاصم بن حُمَيد، وهما ثقتان، قاله الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩: ٢٢. وكان في جملةِ ما أوصاه به أن قال له: إياك والتنعم، فإنَّ عباد الله ليسوا بالمتنعمين. رواه الإمام أحمد عن معاذ بسند رجاله ثقات، كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي ١٠: ٢٥٠. ولم يزل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عهد أبي بكر، وقد كان يفتي الناس بالمدينة في حياة أبي بكر كما كان يفتيهم فيها في حياة رسول الله - ﷺ -. ولما فُتحت الشام في خلافة أبي بكر، أراد معاذ الخروج إليها فمانع عمرُ في خروجه، وبعد أن خرج إليها كان عمر يقول: لقد أخل خروج معاذ بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به، ولقد كنتُ كلَّمت أبا بكر - ﵀ - أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى عليَّ وقال: رجل أراد وجهًا يريد الشهادة في سبيل الله فلا أحبسه، فقلت: والله إن الرجل ليُرزَقُ الشهادة وهو على فراشه في بيته عظيمُ الغني عن مِصره. وكان عمر يقول: عجزت النساءُ أن يلدن مثل معاذ بن جبل. ولولا معاذ لهلك عمر. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: حدِّثونا عن العاقلَينِ العالِمينِ، فيقال: من هما؟ فيقول: معاذُ بن جبل وأبو الدرداء. وتوفي معاذٌ في طاعون عَمَواس سنة ١٨ من الهجرة، وكان عُمره ٣٣ سنة، ودُفن في الغَوْر الشرقي في بَيْسان من الأرْدُن - ﵁ -، وما يزال قبرُه معروفًا هناك يُزار. أما تخريج الحديث الذي أورده القرافي فهو جزء من حديث طويل، رواه الإِمام أحمد في "مسنده" ٣: ١٨٤ و٢٨١، والترمذي في "جامعه" ١٣: ٢٠٣، وابن ماجه في "سننه" ١: ٥٥ واللفظ الآتي له، كلهم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أرحَمُ أمَّتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في دين الله عمر، وأصدقُهم حياءَ عثمان، وأقْضَاهُم عليُّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبَي بن كعب، وأعلمُهم بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل، وأفرضُهم زيدُ بن ثابت. ألا وإنَّ لكل أمَّة أمينًا، وأمينُ هذه =
[ ٥٠ ]
وأشار إلى إِمامةِ الصِّدِّيق - ﵃ أجمعين - بقوله - ﵊ -: "مُرُوا أبا بكر يُصَلِّي بالناس" (١).
_________________
(١) = الأمة أبو عبيدة بن الجراح". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم - في "المستدرك" ٣: ٤٢٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي - والحافظ ابن حجر كما في "فتح الباري": ٧٣:٧ و٩٥، و"كشف الخفاء" للعجلوني ١: ١٠٩ و"فيض القدير" للمُناوي ١: ٤٦٠. وانظره وانظر "المقاصد الحسنة" للسخاوي ص ٤٧ - ٤٨. وتفرَّد ابنُ ماجه بقوله: (وأقضاهم علي بن أبي طالب). ونصُّ القرافي هنا: "أقضاكم عليّ، وأعلمُكم معاذ " بكاف الخطاب إنما هو من بابِ الروايةِ بالمعنى، والله أعلم.
(٢) قلتُ: وأشار - ﷺ - بأقوى من هذا إلى إمامة أبي بكر - ﵁ -، وذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" ١٦:٧، و١٨:١٣، و٢٨٠ "عن مُحَّمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه قال: أتَتْ النبي - ﷺ - امرأة من الأنصار، فكلَّمته في شيء، فأمَرَها أن تَرجعَ إليه، قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئتُ ولم أجدك؟ كأنها تعني الموت: قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر". وحديث "مروا أبا بكر ". رواه البخاري في مواضع من"صحيحه" ٢: ١٢٨ و١٣٧ و١٣٨ و١٧٠، و٢٩٩:٦، و٢٣٥:١٣، ومسلم ٤: ١٤٠ و١٤٤، والنسائي ٩٩:٤، وابن ماجه ١: ٣٨٩ و٣٩١. وقولُه: "يُصلِّي بالناس" هكذا في بعض الروايات، ومعناها: فهو يُصلِّي، وفي أكثرها: "فليُصِلِّ بالناس". وفي نسخة (ر): بلفظ (مُرُوا أبا بكر يُصَلِّ بالناس). وأراد المؤلِّفُ بإيراد هذين الحديثين حديثِ "أقضاكم علي" وحديثِ "مُرُوا أيا بكر" التنبيهَ على ما يُقدَّمُ به كل واحد من هؤلاء الصحابةِ الأجلَّةِ على سواه، وقد شَرَحَ هذا المعنى في مواضع من كتابه "الفروق" ٥: ١٤٢ في الفرق (٩١)، و١٩٧ في الفرق (٩٦)، و٢٢٧ في الفرق (١١٣)، فقال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "اعلم أنه يجب أن يُقدَّمَ في كلِّ ولايةٍ مَنْ هو أقومُ بمصالحها على من هو دونه، فيُقدَّمُ في ولاية الحروب من هو أعرَفُ بمكايِدِ الحروب، وسياسةِ الجيوش، والصولةِ على الأعداء، والهيبةِ عليهم. =
[ ٥١ ]
قال العلماء: كان - ﷺ - يُريدُ أن يَنزِلَ عليه وحْيٌ بإِمامةِ أبي بكر فلم يَنزِل عليه ذلك، فأُلهمَ - ﷺ - بالتنبيه لوجه المصلحة بالاستنابة في الصلاة، حرصًا على مصلحة الأُمَّة بالتلويح، وأدبًا مع الربوبية بعدمِ التصريح، فكمَلَ له الشَّرَف، وانتظمَتْ له ولأمَّته المصلحة - ﷺ -.
_________________
(١) = ويُقدَّم في القضاء من هو أعرفُ بالأحكام الشرعية، وأشدُّ تفطنًا لِحجاج الخصوم وخُدَعِهم، وهو معنى قوله - ﵇ - "أقضاكم علي" أي هو أشدُّ تفطنًا لِحجاج الخُصوم وخُدَع المتحاكمين. وبه يظهر الجمعُ بينه وبين قوله - ﵇ -: "أعلمُكم بالحلال والحرام مُعاذُ بنُ جبل". فإنه إذا كان معاذٌ أعرفَ بالحلال والحرام كان أقضَى الناس، غير أن القضاء لمَّا كان يَرجعُ إلى معرفة الحِجَاج والتفطُّنِ لها كان أمرًا زائدًا على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسانُ شديدَ المعرفة بالحلال والحرام وهو يُخدَعُ بأيسر الشبهات. فالقضاءُ عبارةٌ عن هذا التفطُّن، ولهذا قال - ﵇ -: "إنما أنا بَشَر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكونُ ألحنَ بحُجَّتِه من بعض، فأقضِي له على نحو ما أَسَمع". الحديث. فدَلَّ ذلك على أن القضاء تَبَعُ الحِجَاجِ وأحوالِها، فمن كان لها أشدَّ تفطنًا كان أقضى من غيره ويُقدَّم في القضاء. وإنَّ الأسباب المُوجبة للتفضيل قد تتعارض، فيكون الأفضلُ من حازَ أكثرَها وأفضلَها، والتفضيلُ إنما يقع بين المجموعات، وقد يَختصُّ المفضولُ ببعضِ الصفات الفاضلة، ولا يَقدحُ ذلك في التفضيل عليه، لقوله - ﷺ -: "أقضاكم علي، وأَفْرَضُكم زيد، وأقرؤكم أُبَيّ، وأعلمُكم بالحلالِ والحرام معاذُ بنُ جبل" - ﵃ -. مع أنَّ أبا بكر - ﵁ - أفضَلُ الجصيع، وعليُّ بن أبي طالب أفضلُ من أُبَيّ وزيد، ومع ذلك فقد فَضَلاه في الفرائض والقراءة، وما سبَبُ ذلك إلا أنه يَجوزُ أن يَحصُلَ للمفضول ما لم يَحصُل للفاضل، والفرقُ بين الأفضلية والمزية أن المفضول يجوز أن يَختص بما ليس للفاضل، فيكون المجموعُ الحاصلُ للفاضل لم يَحصُل للمفضول".
[ ٥٢ ]
قال العلماء: وإِذا كان معاذٌ أعلمَ بالحلال والحرام فهو أقضى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فما معنى قولهِ - ﵊ -: "أقضاكم عليّ"؟ أجابوا - ﵃ - بأنَّ القضاءَ يرجع إِلى التفطُّنِ لوجوهِ حِجَاج الخصوم. وقد يكون الإِنسانُ أعلمَ بالحلال والحرام وهو بعيدٌ عن التفطُّنِ للخُدَعِ الصادرة من الخصوم والمكايِدِ والتنُّبهِ لوجه الصواب من أقوال المتحاكمين (١).
_________________
(١) قلت: قد استفاضت الأخبارُ وتوافرت الوقائع في فَطانةِ سيدنا علي - ﵁ - في القضاء، وتجد طائفة كبيرة منها في "كنز العمال" للمتقي الهندي في كتاب الخلافة والإمارة منه، في (الأقضية (٣: ١٧٨ - ١٨٠ من الطبعة الأولى الهندية الكبيرة، سنة ١٣١٣، و٥: ٤٩٣ - ٥٠٣ من الطبعة الهندية الثانية سنة ١٣٧٤، و٥: ٨٢٥ - ٨٤٢، من الطبعة الثالثة الحلبية أو المصورة عنها البيروتية سنة ١٣٩٩، وفي "الرياض النضرة في مناقب العشرة" للمحب الطبري ٢: ١٦٧ - ١٧٠، وقد أورد الشيخ ابن قيم الجوزيةَ في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" غيرَ قليل منها. وإليك بعضها منه:
(٢) قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في ص ٤٩ منه، - ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة في "المصنف" كما نقله عنه الزيلعي في "نصب الراية" ٤: ٣٥٥ -: "إن شابًّا شكا إلى علي - ﵁ - نَفَرًا فقال: إنَّ هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يَعُدْ أبي! فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما تَرَك شيئًا، وكان معه مال كثير، وترافَعْنا إلى شُرَيح فاستَحلفَهم وخلَّى سبيلَهم. فدعا علي بالشُّرَط فوكَلَ بكل رجلِ رجلين، وأوصاهم أن لا يمكِّنوا بعضَهم يدنو من بعض، ولا يمكِّنوا أحدًا يُكلِّمُهم، ودعا كاتبَه، ودعا أحدَهم فقال، أخبرني عن أبي هذا الفتى: أيَّ يوم خرج معكم؟ وفي أيِّ منزلِ نزلتم؟ وكيف كان سَيْرُكم؟ وبأيِّ علَّةٍ مات؟ وكيف أُصيبَ بمالِه؟ وسأله عمَّن غسَّلَه ودفَنَه! ومن توَّلى الصلاةَ عليه؛ وأين دُفنَ؟ ونحوِ ذلك، والكاتبُ يكتُب، ثم كبَّرَ على - ﵁ - وكبَّر الحاضرون، والمتَّهمُون لا عِلْمَ لهم إلَّا أنهم ظنُّوا أن صاحبَهم قد أقرَّ عليهم. =
[ ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم دعا آخَرَ بعد أن غيَّب الأوّل عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبَه، ثم الآخَرَ كذلك، حتى عَرَف ما عند الجميع، فوجَدَ كلَّ واحدِ منهم يُخبر بضدِّ ما أخبرنا به صاحبُه، ثم أمَرَ بردِّ الأول فقال: يا عدوَّ الله قد عرفتُ غَدْرَك وكذِبَك بما سمعتُ من أصحابك، وما يُنجيك من العقوبة إلَّا الصدق، ثم أمَرَ به إلى السجن، وكبَّر وكبَّر معه الحاضرون، فلما أبصر القوم الحالَ لم يَشكُّوا أن صاحبَهم قد أقرَّ عليهم. فدعا آخَرَ منهم فهدَّده فقال: يا أمير المؤمنين واللهِ لقد كنتُ كارهًا لما صنعوا ثم دعا الجميع فأقرُّوا بالقصَّة، واستدعى الأول الذي في السجن وقال له: قد أقرَّ أصحابك، ولا يُنجيك سوى الصدق، فأقرَّ بكل ما أقرَّ به القوم، فأغرَمهم المال، وأقادَ منهم بالقتيل". انتهى. وذكره القاضي علاء الدين الطرابلسي الحنفي في "معين الحكام فيما يتردَّدُ بين الخصمين من الأحكام" ص ١٦٧. وانظره أيضًا في "القاموس" للفيروزآبادي مختصرًا، وفي شرحِهِ "تاج العروس" للزبيدي ٥: ٣٩٦، في مادة (شرع)، وفي روايتِهِ نَقْدُ سيدنا علي لاسترواح شُرَيح إلى استحلافِهم وتخليةِ سبيلهم؛ وقولُ سيدنا علي في انتقاد شُريح: "إنَّ أهونَ السَّقْيِ التشريعُ". والتشريعُ إيرادُ الِإبل على الشريعة - أي على الشاطئ - فلا تحتاجُ في سَقْيها إلى نزعِ الماء بالدلو ولا سَقيٍ في الحوض. وهذا مَثَلٌ عند العرب، يُضرَبُ لمن أخذ بالأسهل والأهون وتَرَك الأصعب والأحوط، كما بيَّنه الزبيدي.
(٢) وقال ابن القيم - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في ص ٥٠ "وأوصى رجل إلى آخر أن يتصدَّق عنه من هذه الألف دينار بما أحبّ، فتصدَّق بعُشرِها وأمسَكَ الباقي، فخاصموه إلى علي وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف فقال: أنصفوك، قال: إنه قال لي: أخرِجْ منها ما أحببتَ، قال: فأخرِجْ عن الرجلِ تسعَ مئة، والباقي لك. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ الرجل أمَرك أن تخرج ما أحببتَ، وقد أحببتَ التسعَ مئة، فأخرِجْها".
(٣) وقال ابن القيم أيضًا في ص ٥٠ ومن ذلك أنَّ رجلًا ضَرَب آخرَ على رأسه، فادَّعى المضروبُ أنه أُخرِسَ، ورُفعَتْ القضيَّةُ إلى علي - ﵁ - فقال: يُخرِجُ لسانَه ويُنخَسُ بإبرة، فإنْ خرَجَ الدَّمُ أحمرَ فهو صحيح اللسان، وإن خرجَ أسودَ فهو أخرس".=
[ ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = انتهى وذكره في "معين الحكام" ص ١٦٨.
(٢) وقال ابن القيم أيضًا في ص ٥٣: "ومِن ذلك أنه قَضَى في مولود وُلِدَ وله رأسان وصَدْران في حِقْوٍ واحد، فقيل له: أيُورَّثُ ميراثَ اثنين أم ميراثَ واحد؟ فقال: يُترَكُ حتىِ ينَام ثم يُصاحُ به، فإنْ انتَبَها جميعًا كان له ميراثُ واحدِ، وإن انتَبَه واحدٌ وبقي الآخرُ كان له ميراثُ اثنين". انتهى وذكره في "معين الحكام" ص ١٦٨.
(٣) وقال ابن القيم أيضًا في ص ٥٤: "ومن ذلك أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أُتِيَ بامرأة زَنَتْ، فأقرَّت فأمَرَ برجمها، فقال علي: لعل لها عُذْرًا؟ ثم قال لها: ما حمَلَك على الزنا؟ قالت: كان لي خَلِيطٌ - أي رَاعٍ ترافقه إذا رَعَتْ إبلَها - وفي إبلِهِ ماءٌ ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن، فظمئت فاستسقيتُه، فأبى أن يَسقيني حتى أعطيه نفسي! فأبَيْت عليه ثلاثًا، فَلقَا ظمئتُ وظننتُ أن نفسي ستَخرُجُ أعطيتُه الذي أراد! فسقاني. فقال علي: الله أكبر ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي "السنن" للبيهقي عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: أُتِيَ عمرُ بامرأةٍ جهدها العطش فمرَّت على راعٍ يرعى فاستسقت، فأبَى أن يسقيَها إلَّا أن تمكنه من نفسها. فشاور الناسَ في رَجْمها، فقال علي: هذه مضطرَّة، أَرى أن يُخلَّى سبيلُها، ففَعَل".
(٤) وقال أيضًا في ص ٦٦: "وجاءتْ إلى علي - ﵁ - امرأةٌ فقالتْ: إنَّ زوجي وقع على جاريتي بغير أمري، فقال للرجل: ما تقول؟ قال: ما وقعتُ عليها إلَّا بأمرها فقال: إن كنتِ صادقةً رجمتُه، وإن كنتِ كاذبة جلدتُك الحذ، وأقيمت الصلاةُ وقام ليصلي، ففكَّرت المرأةُ في نفسها، فلم تَرَ فَرَجًا في أن يُرجَم زوجُها، ولا في أن تُجلَد، فولَّتْ ذاهبةً، ولم يَسأل عنها علي - ﵁ - ". انتهى. وعلَّق شيخنا العلامة الفقيه الأستاذ مصطفى الزرقا حفظه الله تعالى وأمتع به، على هذا الخبر بقوله: "المرادُ بقوله: (جلدتُكِ الحَدَّ) - فيما يبدو - حَدَّ القذف لزوجها، ولكن كيف تُجلَدُ به وقد اعترف زوجها، وأنَّ أمْرَها له إن كان صادقًا لا يبيح له الوقوع =
[ ٥٥ ]
فهذا بابٌ آخرُ عظيم يَحتاج إِلى فِراسةِ عظيمة، وفِطنةٍ وافرة، وقريحةٍ باهرة، ودُربةٍ مساعدة، وإِعانةٍ من الله تعالى عاضدة، فهذا كلُّه محتاجٌ إِليه بعد تحصيلِ الفتاوى، فقد يكون الأقضى أقلَّ فُتيا حينئذٍ، فلا تناقُض بين قولهِ - ﷺ -: "أقضاكم علي"، وبين قولهِ - ﷺ -: "أعلمُكُم بالحلال والحرام مُعاذُ بن جبل".
وظهَرَ حينئذٍ أنَّ القضاءَ يَعْتمِدُ الحِجاج، والفُتيا تَعتمدُ الأدلَّة، وأنَّ تصرُّفَ الِإمامةِ الزائدَ على هذين يَعتمدُ المصلحةَ الراجحة أو الخالصةَ في حقّ الأُمَّة، وهي غيرُ الحُجَّة والأدلَّة.
وظَهر أنَّ الِإمامة جُزؤها القضاءُ والفُتيا. ولهذا اشتُرِطَ فيها من الشروط ما لم يُشترط في القُضاة والمفتين، من كونِه قُرَشيًا، عارفًا بتدبير المصالح وسياسة الخلق، إِلى غيرِ ذلك مما نَصَّ عليه العلماء في الإِمامة شَرْطًا وكمالًا. ولذلك قال - ﷺ -: "الأئمَّةُ من قريش" (١). ولم يقل: القضاةُ من قريش. وما ذلك إِلاَّ لعمومِ السلطان واستيلاء التصرُّفات والاستقلالات. وذلك لِعظَمِ أمرِها وجلالةِ خطرها.
وهو دأبُ صاحبِ الشرع، متى عَظُمَ أمرٌ كثَّرَ شَروطَه، ألا ترى أنَّ
_________________
(١) = على جاريتها، وإن كان قد يعتبر شبهة تَدرأ عنه الحد وتوجب تعزيره بعقوبة أخرى غير الحد؟ ولا أظن عليًا - ﵁ - يصح عنه مثلُ هذا الخبر". النهي. وكتبه مصطفى أحمد الزرقاء. وهناك أخبار أخرى في فطانة سيدنا علي - ﵁ - في أقضِيَتِه أوردها ابن القيم، تركتُها اكتفاءَ بما ذكرته. ولقد صَدَق عمر إذ قال: علي أقضانا.
(٢) هذا صَدْرُ حديث روي من غير طريق، منها ما رواه الإِمام أحمد في "مسنده" عن أنس ٣: ١٢٩ و١٨٣، وعن أبي بَرْزَة الأسلمي ٤: ٤٢١. ورواه الحاكم في "المستدرك" عن علي ٤: ٧٦. وقال فيه الحافظ ابن حجر: حديثٌ حسن كما في "فيض القدير" يحيى " للمُناوي ٣: ١٩٠.
[ ٥٦ ]
النكاح لمَّا كان أعظمَ خطرًا من البيع اشتَرَط فيه ما لم يَشترط في البيع من الشهادةِ والصَّداقِ وغير ذلك؟ وجَوَّز نَقْلَ السِّلَع بغير شهادة ولا عِوَض، بل بالهبةِ والصَّدَقةِ والوقفِ وغيرِ ذلك.
ومنَعَ جميعَ ذلك في النكاح لاشتماله على بقاء النوع الِإنساني، وتكثير الدُّريَّة الموحِّدة لله تعالى، والعابدةِ له، والخاضعةِ لجلاله، وما فيه من الأُلفةِ والمودَّةِ والسكون وانتظام المصالح التي نبَّه عليها قولُهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١).
وكذلك اشترَطَ في الطعام ما لم يَشترِط في السِّلع، فلا يُباع كثيرُه بقليله، ولا ناجزُه بمتأخِّره، ولا يُعاقَدُ عليه قبل قبضِه. ولم يَشترِط ذلك في السِّلَع لكونِهِ سببَ قَيامِ بُنْيةِ الأجسام، والمُعِينَ على طاعة الله تعالى بفعل الواجبِ واجتنابِ الحرام.
وكذلك اشتَرَط في النَّقْدَين شروطًا كثيرة من المماثلةِ والتناجزِ وغيرِهما، لكونهما أصولَ الأموالِ وقِيَم المُتْلَفات.
فكذلك الِإمامة لما عَظُمَ خطرُها اشترَطَ الشارعُ فيها ما لم يَشْترِطه في غيرها، وما عَزَّ شيء وعلا شَرفُهُ إِلاَّ عزَّ الوصولُ إِليه، وكثُرتْ القواطعُ دونه، فالوصولُ إِلى الأمير أيسَرُ من الوزير، وإِلى الوزيرِ أيسرُ من السلطان، وهي عادةُ الله تعالى في خلقهِ وفي شَرْعه (٢)، فسبحان المُحْكِم لنظام المصالح، العالِمِ بدقائقها ومَواردِها ومَصادِرها.
_________________
(١) من سورة الروم، الآية ٢١.
(٢) قولُه: (وهي عادةُ اللهِ تعالى في خَلْقِه). الأولى أن يقول: (وهي سُنَّةُ الله تعالى )، فإن العادة من أحوال الِإنسان المخلوق، فلا يَحسُنُ التعبيرُ بها في جَنْبِ الله تعالى.
[ ٥٧ ]