المجتهِدُ إِذا كان حاكمًا فهو يُفتي باجتهادِه، ويَحكمُ باجتهادِه. فالإِخبارانِ صادرانِ عن اجتهاد، فما الفرقُ بينهما لا سيَّما في واقعة لم تتقدَّمْ فيها فُتْيَا ولاحُكم؟ وهو يُخبِرُ في الفُتيا والحُكم عما لَزِمَ المكلَّفَ في تلك الواقعة، ولا يُفرِّقُ بأنَّ الحُكمَ لا يُنقضُ والفُتْيَا قابلة للمخالفة، فإِنَّ امتناع النقض فَرْعُ معرفةِ كونهِ حُكمًا؟
جَوَابُهُ
أنَّ الفرق بين الحالتين أنه في الفُتيا يُخبِرُ عن مقتضَى الدليلِ الراجحِ عنده، فهو كالمترجِمِ عن اللَّهِ تعالى فيما وجَدَهُ في الأدِلَّةِ، كتَرْجُمانِ الحاكمِ يُخبرُ الناسَ بما يجدُه في كلام الحاكم أو خطِّه، وهو في الحكم يُنشئُ إِلزامًا أو إِطلاقًا للمحكومِ عليه، بحسبِ ما يَظهر له من الدليلِ الراجحِ والسبَبِ الواقع في تلك القضيَّة الواقعة.
فهو: إِذا أخبَرَ الناس أَخبرَهُم بما حكمَ به هو، لأنَّ الله - ﷿ - فوَّض إِليه ذلك، بما وَرِثَهُ عن رسول الله - ﷺ - مما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١).
وإِذا أخبَرَ الناسَ بالفُتيا أخبرَهُم عن حكمِ الله الذي فهِمَهُ عن الله - ﷿ - في أدلَّة الشريعة، فهو في مَقام الحُكمِ كنائب الحاكمِ يَحكمُ
_________________
(١) من سورة المائدة، الآية ٤٩.
[ ٩٧ ]
بنفسه، ويُنشئُ الإِلزامَ والإِطلاقَ بحسبِ ما يقعُ له من الأسبابِ والحِجاج، لأنَّ مُستنِيبَه جَعَل له ذلك، بخلاف الترجمان الذي جُعِلَ مُتَبِعًا لا مُنشِئًا.
وكما أنَّ نائب الحاكم يُخبِرُ عن إِلزام نفسه، كذلك الحاكمُ المجتهدُ في الشريعة يُخبِرُ عن إِلزام نفسه، لأنه نائبُ اللَّهِ - ﷿ - في أرضه على خلقه، وفَوَّض إِليه الإِنشاءَ للأحكام بين الخلق، ويَصيرُ ما أنشأه كنصٍّ خاصًّ واردٍ الآن مِن قِبَل الله - ﷿ - في هذهِ الواقعة، ولذلك لا يُنقَض، لأنَّ الخاصَّ مقدَّم على العام، كما تقدَّمَ بيانُه وبَسْطُه (١).
فهذا هو الفرقُ بين حُكم الحاكم باجتهاده وبين فُتياه باجتهاده.
_________________
(١) في ص ٨١.
[ ٩٨ ]