قولُهُ - ﷺ -: "مَنْ أحيا أرضًا مَيِّتةً فهي له" (١)
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الإِمام أبو يوسف القاضي في كتاب "الخراج" ص ١٣٩، قال: "حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ -. قال شيخنا العلامة أحمد شاكر في تعليقه على كتاب "الخراج" ليحيى بن آدم ص ٨٤ "وإسناده صحيحٌ غايةٌ في الصحة، فإن أبا يوسف من ثقات أئمة المسلمين وثقه النسائي وابن حبان". =
[ ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه بهذا اللفظ أيضًا عن سعيد بن زيد - ﵁ - أبو داود في "سننه" ٣: ١٧٨، والترمذي في "جامعه" ٦: ١٤٦ وقال: حديث حسن غريب، والنسائي في "سننه، كما في "نصب الراية" للزيلعي ٢٨٨:٤، و"فيض القدير" للمُناوي ٦: ٤٠، وأحمد في "مسنده"، والضياء المقدسي في "المختارة" كما في "الجامع الصغير" للسيوطي. وتمامُ الحديث عندهم: "من أحيا أرضًا مَيِّتةً فهي له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حَقّ". ورواه بلفظ المؤلف دون الزيادة المذكورة الترمذيُّ عن جابر - ﵁ - ٦: ١٤٩ وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي كما في "نصب الراية" ٤: ٢٨٩، والإِمام أحمد في "مسنده" ٣: ٣٦٣ و٣٨١. ورواه البخاري في "صحيحه" ٥: ١٥ عن عائشة - ﵂ - بلفظ "من أَعمَرَ أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحقُّ". وسبَبُ الحديث كما رواه أبو داود في "سننه" ١٧٨:٣ عن عُروة بن الزُّبير، قال: "لقد خَبِّرني الذي حدثني هذا الحديث - وأكثَرُ ظني أنه أبو سعيد الخدري - أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ -: غَرَسَ أحدُهما نَخْلًا في أرضِ الآخَر، فقَضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمَرَ صاحبَ النخْل أن يُخرِج نخلَه منها. قال - أي أبو سعيد الخدري -: فلقد رأيتها وإنها لتُضرَبُ أصولُها بالفُؤوس، وإنها لنَخْل عُمُّ - أي تامةٌ في طولها والتفافِها - حتى أخرِجَتْ منها". قال العلامة المُناوي في "فيض القدير" ٦: ٣٩ والعلامة الزُّرْقاني في "شرح الموطأ" ٣: ٢٠٩، في ضبطِ رواية الحديث: "ميِّتَةً بالتشديد. قال الحافظ العراقي: ولا يقال بالتخفيف، لأنه إذا خُففَ تحذَفُ منه تاء التأنيث. والميتةُ والمَوات والمَوَتان بفتح الميم والواو: الأرض التي لم تُعمَر، سُمَّيتْ بذلك تشبيهًا لها بالميتة التي لا يُنتَفَعُ بها، لعدم الإنتفاع بها بزرع أو غرس أو بناء أو نحوها". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٦: ١٥ والعلامة الزُّرقاني في "شرح الموطَأ ٣: ٢٠٩ في ضبط رواية الجملة الأخيرة من الحديث: "وليس لِعْرقِ ظالمِ حقٌ": رواية الأكثر بتنوين عِرْقٍ، وظالمِ نعتٌ له على سبيل الإتَّسَاع، كأنَّ العِرْقَ بغَرْسِه صار =
[ ١١٠ ]
قال أبو حنيفة: هذا منه - ﷺ - تصرُّفٌ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُحييَ أرضًا إِلا بإذنِ الإمام، لأن فيه تمليكًا، فأشبَهَ الِإقطاعات، والِإقطاعُ يَتوقَّفُ على إِذن الإِمام، فكذلك الإِحياء.
وقال مالك والشافعي: هذا مِن تصرُّفِهِ - ﷺ - بالفُتيا، لأنه الغالبُ من تصرُّفاته - ﷺ - فإِنَّ عامَّة تصرفاته التبليغُ، فيُحمَلُ عليه، تغليبًا للغالبِ الذي هو وضْعُ الرسل - ﵈ -. فعلى هذا: لا يَتوقَفُ الِإحياءُ على إِذن الإِمام، لأنها فُتيا بالِإباحة كالاحتطاب والإحتشاش، بجامعِ تحصيلِ الأملاك بالأسباب الفعلية.
وأمَّا قولُ مالك: ما قَرُبَ من العُمْران لا بُدُّ فيه من إِذن الإِمام، فليس لأنه تصرُّف بطريق الِإمامة، بل لِقاعدةٍ أخرى، وهي أنَ إِحياءَ ما قَرُبَ يَحتاجُ إِلى النظر في تحريرِ حَرِيم البَلَد، فهو كتحرير الإعسار في فَسْخ النكاح، وكلُّ ما يَحتاجُ لنظرٍ وتحريرٍ فلا بُدَّ فيه من الحُكَّام.
_________________
(١) = ظالمًا حتى كأنَّ الفعلَ له، والظُّلمُ، راجعٌ إلى صاحب العِرق، أي ليس لذي عِرقٍ ظالمٍ حق. ويُروَى بالِإضافة، فالظالمُ على هذه الرواية صاحبُ العِرق وهو الغارسُ، لأنه تصرَّفَ في ملك الغير، فليس له حقٌ في الِإبقاء فيها. وبالغَ الخطَّابي فغلَّط رواية الِإضافة، وليس كما قال، فقد ثبتَتْ، ووجهُها ظاهر فلا يكون غلطًا، فالحديثُ يُروَى بالوجهين" انتهى. وفسر الحافظ ابن حجر معنى الإِحياء فقال ٦: ١٤ و١٥ وإحياء المَوَات أن يَعمِدَ الشخصُ لأرضٍ لا يُعلَمُ تقدُّمُ ملكٍ عليها لأحد، فيُحييها بالسقي أو الزرع أو الغَرْس أو البناء، فتصيرُ بذلك ملكَه. والعِرقُ الظالمُ كما قال ربيعة: يكون ظاهرًا ويكون باطنًا، فالباطن ما احتفره الرجلُ من الآبار، أو استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه. وقال غيرُه: الظالمُ مَنْ غرَسَ أو زَرَع أو بَنَى أو حَفَر في أرضِ غيره بغير حق ولا شُبهة".
[ ١١١ ]