قولُهُ - ﵇ - لهندِ بنتِ عُتْبَة لمَّا شكَتْ إِليه أنَ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيها ووَلَدَها ما يَكفيها، قال لها - ﵇ -: "خُذي ما يكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف" (١).
قال جماعة من العلماء: هذا تصرُّفٌ منه - ﷺ - بالفُتيا، لأنه غالبُ أحواله - ﵊ -. فعلى هذا: مَنْ ظَفِرَ بجنسِ حَقِّهِ، أو بغير جنسه مع تعذُّر أخذِ الحق ممن هو عليه، جازَ له أخذُه حتى يَستوفي حقَّه.
ومشهورُ مذهب مالك - وقالَهُ جماعة من العلماء - أنه لا يأخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ إذا ظَفِرَ به وإِن تعذَّرَ عليه أخْذُ حقَّهِ ممن هو عليه (٢).
_________________
(١) رواه البخاري عن عائشة - ﵂ - في مواضع من "صحيحه" ٤: ٣٣٨ - ٣٣٩ و٤٤٤:٩ و١٢٣:١٣ و١٥٠، ومسلم في "صحيحه"٧:١٢ - ٩، والنسائي في "سننه" ٨: ٢٤٦، والدارمي في "سننه" ص ٢٩٢. ولفظُهما هو لفظُ المؤلف المذكور هنا. وجاء في سؤالها عند الدارمي قولُها: "يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وبَنيَّ إلا ما أخذتُ منه وهو لا يَعلم، فهل على في ذلك جُناح؟ فقال: خُذي ".
(٢) علَّق العلامة الشيخ محمد علي المالكي في كتابه "تهذيب الفروق" ١: ٢٠٧ على قول القرافي هذا بقوله: "في جَعْلِهِ عدَمَ جواز أخذِ أحدٍ حقَّه أو جنسَه إذا تعذَّر أخذُه من الغريم إلا بقضاءِ قاض هو مشهور مذهبِ مالك، - وإن وافق فيه ظاهرَ قولِ خليل في باب الوديعة: "وليس له الأخذُ منها لمن ظَلَمه مثلَها" -: مخالَفةٌ لقول خليل في باب الشهادة بعدَ هذا: "وإنْ قدَرَ على شيئِهِ فله أخذُه إن يكن غيرَ عقوبة، وأَمِنَ فتنةً ورذيلةً". قال المَوَّاق - في كتاب الوديعة ٢٦٦:٥ - وحاصلُ كلام اللَّخْمِي وابن يونس وابن رشد والمازِريَ ترجيحُ الأخذ. اهـ." انتهى كلام صاحب "تهذيب الفروق". وقال العلامة المحقِّق الخَرْشي في "شرح مختصر خليل" في كتاب الشهادات =
[ ١١٢ ]
واختُلِفَ في المُدْرَكِ للمَنعْ: هل هو كونه - ﷺ - تَصرَّفَ في قضيةِ هندٍ بالقضاءِ فلا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يأخذ شيئأ من ذلك إلا بحُكم حاكم؟ وهذه الطائفةُ من العلماء جَعَلَتْ هذه القضيةَ أصلًا في القضاء على الغائب. ومنهم مَنْ جَعَلَها أصلًا في القضاء بالعِلْم، لأنها لم تُقِم بيِّنةً على دعواها، حكاه الخطَّابيُّ وغيرُه (١).
وقيل: القضيَّهُ ليس فيها إلا الفُتيا، لأنَ أبا سفيان كان حاضرًا في البلد، والقضاءُ لا يتأتَّى على حاضرٍ في البلدِ قبلَ إعلامه، بل هذا تصرُّفٌ
_________________
(١) = ٢٣٥:٧ تعليقًا على قول خليل فيها: "وإن قدَرَ على شيئِه فله أخذُه إن يكن غيرَ عقوبة، وأمِنَ فتنةَ ورذيلة". قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "هذه المسألة تُعرف بمسألة الظَّفَر. والمعنى أن الإِنسانَ إذا كان له حق عند غيره وقدَرَ على أخذِه أو أخذِ ما يُساوي قَدْرَه من مالِ ذلك الغير، فإنه يجوز له أخذُ ذلك منه، وسواءٌ كان ذلك من جنس شيئه، أو من غيرِ جنسِهِ على المشهور، وسواءٌ عَلِمَ غريمُه أو لم يَعلم، ولا يَلزمُه الرفعُ إلى الحاكم. وجوازُ الأخذ مشروط بشرطين: الأول أن لا يكون حقُّه عقوبة، وإلا فلابُدَّ من رفعه إلى الحاكم. والثاني أن يأمن الفتنة بسبب أخذِ حقه كقتالٍ أو إراقةِ دم، وأن يامن الرذيلة، أي أن يُنسَب إليها كالغصب ونحوه، فإن لم يأمن ذلك فلا يجوزُ له أخذُه. وكلامُ المؤلف يفيد أن المرادَ بشيئِه حَقُّه، وظاهرُه ولو من وديعة، وهو المعتمد. وما مَرَّ للمؤلف في باب الوديعة من قوله: وليس له الأخذُ منها لمن ظَلَمه بمِثلها خلافُ المعتمَد". وقد توسع الشيخ ابن قَيم الجوزية في كتابه "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" ٧٥:٢ - ٧٩ في (مسألة الظفر)، فحكى فيها مذاهب العلماء ثم ناقشها وراجَحَ بينها، فانظره إذا شئت.
(٢) أي حكوا هذا التفريعَ بقسميه. والذي حكاه الخطَّابي في "معالم السنن" ٤: ١٦٢ هو تفريع القضاء على الغائب فقط، ولم يتعرض لتفريع القضاء بعلم القاضي.
[ ١١٣ ]
بالفُتيا (١)
وعارَضَ حديثَ قضيَّةِ هند قولُه - ﷺ -: "أدِّ الأمانةَ إِلى مَن ائتَمنك، ولا تَخُنْ من خانك" (٢). فاتفق الفريقان على الحُكم، واختلفا في المُدْرَك.
_________________
(١) قال المؤلف في "الفروق" ١: ٢٠٨ في الفرق (٣٦): "وهذا هو ظاهر الحديث". وقال أيضًا في (الفرق ٢٢٣ بين قاعدة ما يَنفُذُ من تصرفات الولاة والقضاة وبين قاعدة ما لا يَنفُذُ (٤٦:٤) إناَ قِضَة هِنْدِ فُتْيَا لا حُكم، لأنه الغالبُ من تصرفاته - ﵊ -، لأنه مبلغ عن الله تعالى، والتبليغُ فُتيا لا حُكم، والتصرُّفُ بغيرها قليل، فيُحمَل على الغالب، ولأن أبا سفيان كان حاضرًا في البلد، ولا خلاف أنه لا يمضَى على حاضرِ من غير أن يُعرَّف".
(٢) هذا الحديث رواه عدد من الصحابة:
(٣) فعن أبي هريرة رواه أبو داود في "سننه" ٣: ٢٩٠، والترمذي في "جامعه" ٥: ٢٦٨ وقال: حديث حسن غريب، والدارمي في "سننه" ص ٣٤٦، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" ٤٦:٢ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأقرَّه الحافظ الذهبي في "تلخيص المستدرك"، والدارقطني في "سننه" ص ٣٠٣، والبخاري في "التاريخ الكبير"، والطبراني في "المعجم الكبير" و"الصغير"، وقال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٤: ١٤٥ "ورجال الكبير ثقات". قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية"٤: ١١٩ "قال ابن القطان: والمانع من تصحيحه أن شريكًا وقيس بن الربيع مختلَف فيهما". انتهى. قلت: لكن الحافظ المنذري نَقَل في "مختصر سنن أبي داود" ٥: ١٨٥ تحسينَ الترمذي وأقرَّه.
(٤) وعن أنس رواه الحاكم في "المستدرك" ٢: ٤٦، شاهدًا لحديث أبي هريرة، ورواه الدارقطني في "سننه" ص ٣٠٤، والضياء المقدسي في "المختارة". وذكره الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد"٤: ١٤٤ - ١٤٥ ثم قال: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الصغير" ورجال "الكبير" ثقات". انتهى.
(٥) وعن أُبَيّ بن كعب رواه الدارقطني في "سننه" ص ٣٠٣.
(٦) وعن أبي أمامة رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال الحافظ الهيثمي =
[ ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في "مجمع الزوائد" ٤: ١٤٥ "في سنده يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال ابن أبي حاتم: تكلَّموا فيه". قلت: وقد بيَّن الحافظ ابن حجر سبَبَ كلامهم فيه فقال في "تقريب التهذيب" في (يحيى): (صَدُوق، لينَّه بعضهم لكونه حدَّث من غير أصله". فجَرْحُه خفيف لا يقتضي تركَ حديثه.
(٢) وعن رجل من الصحابة راوه أبو داود في "سننه" ٣: ٢٩٠، والإِمام أحمد في "المسند" ٣: ٤١٤. قال الشوكاني في "نيل الأوطار" ٥: ٢٥٢ "في إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لأن يوسف بن ماهَك رواه عن فلان آخر. وقد صححهُ ابنُ السَّكَن. وقال ابن الجوزي: لا يصحُّ من جميع طرقه. وقال أحمد: هذا حديث باطل، لا أعرفه من وجه يصح". انتهى كلام الشوكاني. قلت: لعل الإِمام أحمد قال ذلك قبلَ أن يَثبت هذا الحديثُ عنده؟ وإلَّا لو كان من كل وجوهه باطلًا لما استساغ أن يرويه ويُثبته في كتابهإ المسند" الذي ارتضاه أن يكون للناس إمامًا، فالحديثُ عنده - على أقل تقدير - ثابت. ويشهد لثبوته عنده أيضًا استدلالُه به في مواضع، كما ذكره أبو الحسن ابن اللحام الحنبلي في آخر كتابه" القواعد والفوائد الأصولية) ص ٣٥٨ - ٣١٠ في (مسألة الظَّفَر) المبحوث فيها هنا. وهذا ملخَّصُ ما قاله فيها: "مسألة الظَّفَر، اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال بعدم الجواز بكل حال، وهو قولُ مجاهدٍ وأحمد، واحتَجَّ أحمدُ في مواضع بقول النبي - ﷺ -: "أدِّ الأمانة إلى من ائتَمَنك، ولا تخُنْ من خانك". واستدلالُه بالحديث يدل على ثبوته، ولهذا جعله القاضي أبو يعلى روايةً عنه بثبوتِ الحديث، وهو يُخالِفُ روايةَ مُهَنَّا عنه بإنكاره". انتهى كلامُ ابن اللَّحام. فيكون في هذا الحديث عن أحمد روايتان، وآخِرُ الروايتين ثبوتُ الحديث بدليل إيرادِ أحمد له في "المسند" واستدلالِهِ به في مواضع كما سبقَتْ العبارةُ بذلك، والله أعلم. ولهذا قال الشوكاني عقِبَ نقلِهِ كلامَ ابن الجوزي وأحمد: "ولا يخفى أنَّ ورود =
[ ١١٥ ]