بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول العبدُ الفقير إِلى عفو رَبّه أحمدُ بن إِدريس المالكيُّ عفا الله عنه:
الحمدُ لله الملِكِ المالكِ لجميعِ الأكوان، الذي من هِباتِه الممالكُ فهو الكريم المنَّان، الذي لا يكونُ قضاؤه إِلَّا بالعدلِ أو الِإحسان. أنزل الرسائل، وشَرَع الوسائل لنِعَمِه الحِسان، فظهر الحق، وعُرِفَ العدل، وزَهَق العُدوان، يُضاعِف الحسنات، ويمحو السيئات، فهو المَلِكُ الدَّيَّان. يُسْجِلُ العَطاء، ويُسبِلُ الغِطاء، ويُوالي الغُفران.
وأفضلُ صلواتِه على خير خلقه المبعوثِ مِن عدنان، القاضي الأحكم، والإِمام الأقوم، والرسولِ الأعظم، للإِنس والجان. ﷺ وعلى آلهِ وأصحابِه، وأزواجِه وأنصارِه، صلاةً تُبلِّغُهم أعلى الجنان، في دار الأمان. ونَحوزُ بها من الله تعالى أفضلَ الرضوان.
أما بعد: فإنَّه قد وَقَع بيني وبين الفُضَلاءِ مع تطاول الأيامِ مَباحثُ في أمر الفَرْقِ بين الفُتْيا التي تَبْقى معها فُتْيا المخالِف، وبين الحُكم الذي لا يَنقضُه المخالِف، وبين تصرُّفاتِ الحُكام وتصرُّفاتِ الأئمة. ويُختلَفُ في إِثباتِ أهِلَّة رمضان بالشاهد الواحد، هل يَلْزَمُ ذلك من لا يَرى إِثباتَه إِلَّا بالشاهدينِ أم لا؟ ويُختَلفُ إِذا باع الحاكمُ مِن مالِ الأيتام شيئًا هل ذلك حُكمٌ بصحةِ ذلك البيع؟ فلا يَنقضُه غيرُه أم لا؟ وهل إِذا حَكَم بعدالةِ إِنسانٍ هل لغيره أن يُبطلها؟ أم ذلك حكمٌ لا يُنقَض؟ ونحوِ هذه المسائل.
[ ٣٠ ]
ثم يقعُ السؤالُ عن حقيقة الحُكمِ المشارِ إِليه بعبارةِ تُوفي به (١)، فلا يُجابُ إِلَّا بأنَّ الحُكم إِلزام، والفُتيا إِخبار (٢). فيقال: إِن أريدَ الِإلزام الحِسيُّ فقد يَعجِزُ الحاكمُ عن الإلزام الحسيُّ من الترسيم والحبسِ وغيرِ ذلك (٣)، ومع ذلك فحُكمُه حُكم، وإِلزامُه الحِسيُّ ليس حُكمًا، وإِن أُريد أنَّه يُخبِرُ عن حُكم الله أنَّه إِلزام، فالفُتيا كذلك.
_________________
(١) أي يكثُرُ السؤالُ عن حقيقة الحكم الذي لا يُنقَض بقصد الجواب عنه بعبارة تُوفي ببيانه وضبطه.
(٢) وعلى هذا يقال: القاضي مُجْبِر، والمفتي مُخْبِر. فاحفظه فإنه ينفعك.
(٣) في "القاموس": رسَمَ له كذا: أمَرَه به، فارتسم أي امتثل. وفي "مجموع فتاوى ابن تيمية" ٣٥: ٣٩٩ الترسيمُ هو أن يُعوَّقَ الشَّخصُ بمكان من الأمكنة أو يُقامَ عليه حافظ". ومثلُه في "التراتيب الِإدارية" لعبد الحي الكتاني ١: ٢٩٥ عن "الأحكام السلطانية" للماوردي. ولم أره فيه في النسخة المطبوعة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨٠. وواضح أن الترسيم غيرُ الحبس الذي يُعبِّرون عنه في بعض كتب الفقه بالإعتقال، كما تراه في "جواهر العقود، ومُعين القضاة والموقعين والشهود" لشمس الدين الأسيوطي الشَّافعي من تلامذة الحافظ ابن حجر ٢: ٣٧٧، قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: "وصُورَةُ ما يَكتبُ القاضي على ورقة الاعتقال: (لِيعتَقَل)، بقلمِ العَلاَمَة في وَسَطِ الطُّرَّة، فإن كان صاحبُ الحق يختارُ الترسيمَ واتفَقَا عليه، أو رأى القاضي الترسيمَ دون الحبس، فيَكتُبُ: ليُرَسَّم عليه بقلم العَلاَمَة من غير (لِيُعتَقَل). ". انتهى. وللحَبْس المشروع أنواع متعددة، أجاد بيانَها وتفصيلَها الكتابُ الجامع الماتع النفيس "أحكامُ السجنَ ومعاملةِ السجناء في الِإسلام" لإبن أخي الشيخ الدكتور حسن أبو غدة، ذَكَرَ فيه بالتفصيل والأمثلة: حبسَ التعزير، وحبسَ الإستيثاق، وأقسامَه، وحبسَ الاحتراز، والحبسَ لتنفيذ عقوبة مؤجلة بسبب، كمرض الجاني، أو حَمْلِ الزانية، أو غيرِ ذلك. فليَنظُر منه من يهمه هذا في ص ٧١ - ١١٧، فهو كافٍ شاف في بابه في نحو ٧٠٠ صفحة.
[ ٣١ ]
ثم إنَ الحُكمَ قد يكون بعدَمِ الإلزام، كما أنَّ القولَ الذي حَكَم به عَدِمَ الإلزام (١)، وأن الواقعةَ الموافِقةَ يَتعيَّن فيها الإباحةُ وعدَمُ الحَجْر، فتفسير الحُكم بالِإلزام غيرُ جامع.
ثم يقَعُ السؤالُ عن حُكم الحاكِم هل هو نَفْساني أو لِساني (٢)؛ وهل هو إخبار أو إِنشاء؟ فلا يُوجَدُ من يُجيبُ عن ذلك محزَرًا، ونظائرُ هذه الأسئلةِ كثير.
فأردتُ أن أضع هذا الكتابَ مشتملًا على تحريرِ هذه المطالب. وأُوردُها أِسئلةً كما وقعَتْ بيني وبينهم، ويكونُ جوابُ كل سؤالٍ عَقِيبَه، وأُنبِّهُ على غوامض تلك المواضع وفروعها في الأحكام والفتاوى وتصرُّفات الأئمة، وسمَّيتُ هذا الكتاب: كتابَ
وعدَدُ الأسئلةِ أربعون سؤالًا.
_________________
(١) جملةُ (كما أنَّ القوله الذي حَكَم به عَدِمَ الإِلزام) غيرُ موجودة في نسخة (ر).
(٢) سيأتي في جواب السؤال الخامس في ص ٦٠، إيضاح المراد مِن كون الحكم نفسانيًا أو لِسانيًا.
[ ٣٢ ]