كان الشيخ عبد الرحمن - إلى جانب حسن تحصيله ومداركه الدقيقة في العلوم الشرعية - يتمتع ويتميز بين إخوته بمزايا ومواهب فريدة، وبعضُها عجيب ونادر جدًا:
١ - فقد كان حديدَ البصر يُميِّزُ بعينه المجردة دقائق الأشياء التي يَحتاج كثيرٌ غيرُه
[ ٢٨٢ ]
في تمييزها إلى مكبِّرة، وإلى جانب ذلك كان دقيق الملاحظة في الفوارق بين الدقائق المتشابهة في الآلات الصغيرة وخصائصها.
٢ - وكان منذ شبابه يحب الرياضة البدنية والمشي الطويل. وكان صَيَّادًا ماهرًا، يَخرُج إلى الصيد مشيًا في مواسمه المختلِفة في البراري والجبال وحَافَاتِ الأنهار: فيصطاد بالبندقية النارية من الطيور البَطَّ البري في حَافَاتِ الأنهار، والحَجَل في الجبال، والأطْرُغْلاَت في الرَّبِيع. ومن الحيوانات يصطاد الأرانب والغِزلان. ويَرمي الطيور وهي طائرة، والحيوانات وهي راكضة، فلا يُخطئها إلَّا نادرًا.
٣ - وكان سَدِيدَ الرماية لحدة بصره وثبات يده، ودقة ملاحظته وحسابه لحركة الأهداف المتحركة.
وأحببت يومًا أن أشاهِدَ رِمايتَهُ فتواعدنا على لقاء في المدرسة الشعبانية بحلب (وهي مدرسة وقفية واسعة كان يقوم بتدريس الفقه فيها جدي ثم والدي مدة حياتهما - رَحِمَهُمَا اللهُ -، ثم أنا مُدَّةَ من الزمن، وفيها بُحَيرةُ ماء كبيرة وحديقة وأَرْوِقَة وغُرَف كثيرة للطلاب ومرافق)، فجاء ببندقية (من النوع الذي يُستعمَل في مراكز الرِّهانِ والتدريب على التسديد تَرمِي حَبَّة رَصاص واحدةً صغيرة) وهي من صُنعِهِ صَنَعها بيده، وصَمث حَبَّاتِ رَصاصِها (الخُرْدُق)، وجئنا لأحد أروقة المدرسة، وفي سقوف قناطره سلاسل حديد لتعليق المصابيح، فكان يُصوَّبُ بندقيتَه إلى السلسلة فيرميها بالخُرْدُقَة فتبدأ السلسلة تَلُوح ذهابًا دهايابًا، فيرميها ثانية وهي متحركة فتغيِّرُ اتجاهها أيضًا وهكذا فلم يخطئها بواحدة.
ثم جاء بإبرة صغيرة فغرسها بين بلاطتين من الأرض حتى غاب نصفها وبقي نصفها ظاهرًا، فابتعد عنها نحو ثلاثة أمتار، ثم صَوَّب البندقية ورماها بالخُرْدُقة فانكسرت الِإبرة وطار نصفُها البارز!!، ثمَّ كَرَّر العملية على إبرة أخرى.
ثم أتى بقطعة من الفَخار صغيرة مكسورة، التقطها من حديقة المدرسة، لا تتجاوز مِساحتُها (٤ - ٥) سنتيمترات، فرَكَزَها في مكان مرتفع بعُلُوّ قَامَةِ الإِنسان، وابتعد عنها نحو مترين أو ثلاثة، وأدار ظهره إلى قطعة الفخار المنصوبة، فوضع البندقية على كتفه الأيمن وفُوَّهتُها إلى الخَلْف، وأَمسَك بمَقْبِضِها الخَشَبي، وأَخرَج من جيبه مِرآةَ صغيرة مستديرة، وأمسَكَها بين إصبعَيْ يده اليُسرى وَرَكَزَها على مَقْبِض البندقية
[ ٢٨٣ ]
الخشبية، ونَظَر في المرأة إلى قطعة الفخارِ الهدَفِ مُسَدِّدًا إليها (وإبهامُ يُمناه على زِناد البندقية) فضغط عليه وأَطلَق خُردقةَ الرصاص، فطارت قطعةُ الفَخَّار وتساقطَت كِسَرًا!!.
ثم وَذَعتُه متعجبًا من هذه الدقة في تسديد الرماية وانصرفنا.
وقد حدَّثني مرَّة - (ولم أُشاهِد) وهو صدوق - أنه يَغرِسُ شَفْرةَ من شَفَرات الحِلاقة في الأرض بين بَلاَطَتَينِ أمامَ جِدار، ويَبتعدُ عنها مقدارَ مترين أو ثلاثة مستقبلًا حد الشفرة، ويُصوِّبُ إليها البندقية، ويَسأل من معه: هل تريدون أن أَقْسِمَ الخردقة التي سأُطلقها على حَدِّ الشَفْرَة نصفينِ أو ثُلُثًا وثُلُثينِ؟ ثم يُطلِقُ عليها الخردقة فتنقسم على حد الشفرة قطعتينِ أنصافًا أو ثُلُثًا وثُلُثينِ كما طلبوا!!
وقد كنتُ في وقتِ مَّا خِلالَ عُضْوِيَّتي في المجلس النيابي السوري، المنتخَبِ في الدور التشريعي (١٩٥٤ - ١٩٥٨ م)، ذكرتُ لبعض المسؤولين الكبار من قادة الجيش مزايا الأستاذ عبد الرحمن زين العابدين، وخاصَّةَ دقتَهُ العجيبة في تسديد الرماية، واقترحتُ عليه أن يَستفيدوا منه ويعهدوا إليه بتدريب الجنود على الرماية، فلم أجد من يهتم!!.
٤ - كان الأستاذُ الشيخُ عبدُ الرحمن المتحدَّثُ عنه إلى جانب مزيته النادرة هذه في الرماية صِنْعًا (١) لم أعرف ولم أسمع عن نظير له في صُنع الأشياء الدققة التي تحتاج إلى دقة بالغة، لا تُضبَطُ إلَّا بآلاتِ غايةٍ في الدقة والحَسَاسِيَة.
فكان يصنعها بيده الصَّنَاع، ويَضبِطُ مقاييسَها الدقيقة ببصره الحديد، ويستخدم فيها المِيشارَ الدقيق للحديد، والمِبردَ ومختلِفَ أحجار السَّنّ والشَّحْذ، ويستخدم المثاقبَ المتنوِّعةَ الحجوم، التي تَثْقُبُ المَعدِن من حديد أو نحاس أو غيرهما، ثَقبًا لا يزيد عن حجم النَّقطةِ الصغيرة كرأس الِإبرة الدقيق فما فوق. ويصنع هو تلك المثاقب من الفولاذ بيده. وقد شاهدتُ كلِّ ذلك منه بخفسي في مختلِف زياراتي له، إذ كنتُ أمكُثُ عنده في الزيارة الواحدة ساعات.
_________________
(١) يقال: رجلٌ صِنعٌ وصَنَعٌ، ورجل صِنْعُ اليدينِ وصَنَعُ اليدينِ: حاذقٌ في العمل باليدين. (عبد الفتاح).
[ ٢٨٤ ]
ويستوي في دقة الصنع اليدوي لديه الأشياءُ والآلاتُ وقِطَعُ التبديل (قِطَع الغِيَار) الكبيرةُ بعض الشيء والصغيرةُ التي تَحتاجُ في تمييز أبعادها إلى نَظَّارة مكبِّرة قوية كنظَّارة الساعاتية التي توضع في مَحْجِرِ العين الواحدة.
٥ - وقد أراني يومًا مَّا مِيلًا فُولاذيًا طُولُه نحو عشرة سنتيمترات أو أكثر، وغِلَظُه لا يزيد عن ثلاثة ميليمترات، وهو مضلَّع طولًا إلى سبعة أضلاع متساوية، اشتغله بيده بالمِبرد، صنعه في البداية مبرومًا، ثم بَرَده بالمِبرد فجعله مضلَّعًا سبعةَ أضلاعِ متساويةٍ، لا تجد إذا نظرت بالمكبِّرة فرقًا بين ضلع وآخر ولا قَدرَ شعرة، ولا اعوجاجًا في أحد الأضلاع كأنه خارج من مصنع آلي.
وقد نبَّهني إلى الفرق العظيم في السهولة والصعوبة بين جعل أضلاعه زوجية (مثل: أربعة أوستة أو ثمانية) وبين جعلِها فَرْدِية (مثل: ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو تسعة) فإخراج أضلاع طولانية متساوية في قضيب مَعدِني هو سهل إذا كانت الأضلاع زوجية متقابلة يتوازى فيها كلِّ ضلع مع ما يقابله كما لو كان باربعة أضلاع أو ستة أو ثمانية مثلًا. أما إذا كانت الأضلاع فردية مثل خمسة أو سبعة أو تسعة، فإن إخراجها متساوية بصنع اليد صعب جدا جدًا، فإن التوازي بين كلِّ اثنين من الأضلاع المزدوجة يَجعَلُ من السهل على الصانع الموازنةَ بنيها.
وفي خلال الحرب العالمية الثانية انكسر في معمل شركة الغزل والنسيج بحلب تُزسٌ مُسَنَنٌ في أحد الأجهزة، وكان مسننًا في أسنانه تعرُّجٌ وحركات دقيقة، وتوقَّفَ المعملُ ولا يُمكِنُ جَلْبُ بديلِ جديد ولا يُمكِنُ لِحامُه. فذُكِرَ لهم الشيخ عبد الرحمن، فأتَوْه بالمسنَّن المكسور فصَنَع لهم بديلًا عنه كأنه هو حين كان جديدًا، وشَغَّلوا به الجهاز. وكان قَنُوعًا لا يُناقِش في الأجر، فأعطَوْه ثمنًا له لو طَلَب عشرةَ أضعافه لما ترددوا في دفعه.
وفي خلال الحرب المذكورة أيضًا لجأ إليه صانعو الأحذية (الكندرجية)، إذْ كانوا يَثقُبُون الجلود التزيينية في وجه الحذاء بثَقَّابة صغيرة توضع محل الإِبرة في ماكِنَةِ الخياطة، فتثقب الجلد سطورًا منتظمة. وهي ثَقَّابَةٌ عِبارةٌ عن قَضِيبٍ صغير من الفولاذ، مفرَّغٍ نصفُه الأسفل بشكل أُنبوب، وحافَتُه السفلى المسديرة حادَّةٌ مسنونة، وفي جانبه
[ ٢٨٥ ]
فتحة تَخرُجُ منها الأجزاءُ الصغيرة التي تُفرَّغُ من ثَقْب الجلد. وهي على بساطها تَقُوم على هندسةٍ دقيقة، فكانت تنكسر معهم هذه الثَّقَّابات أثناء عملها في ماكِنَةِ خِياطةِ الجلود كما تنكسر إبرةُ الخياطة. فكان يصنعها لهم بكثرة.
وقد طلبتُ أنا منه مرةً أن يصنع في واحدة على عيني ويضع لها قَبضةً خشبية لأستعملها في ثَقْبِ ثُقوبِ في حِزام البَنْطَال إذا احتَجتُ، فقام وأنا عنده فأخذ من صندوق القطع قضيبًا مَعْدِنيًا (سِيْخًا) من (الأسياخ) التي تُثبَتُ على قُطبِ عَجَلاتِ الدرَّاجة الهوائية، لتَسْنُدَ إطارَ العجلة فلا ينضغطَ فتختلَّ استدارتُه عند ركوبها.
وهذه (الأسياخ) هي من الفولاذ القاسي القوي، فقص أمامي منه قطعة بطول سنتيمترين، ثم عرضها على نارِ مِصباحٍ كُحُولي حتى حَل سِقَايتها لتَذهبَ قساوتُها، ثم تابَع صُنعهَا أمامي وفرَّغ نصفَها الأسفل بمِثقب من صُنعِه هو، وهكذا تابع صُنعَها مرحلةً مرحلة مما يَطُول شرحُه، وصَنَع لها قَبضةَ خشبيةَ، وركَبط للقَبضةِ سِوَارًا مَعدَنيًا واقيًا، وأعطاني إياها. وقد استغرق صُنعُها معه مقدار ساعتين!!.
٦ - ومن أهم مزاياه التي تميز بها بالبراعة واشتَهر بها: أنه كان (ساعاتيًا)، خبيرًا بصيرًا بالساعاتِ على اختلافِ أنواعها وحُجُومها، يَعرف الآلاتِ الدقيقةَ في الساعة ووظائفَ تلك الآلات، ويُحسِنُ تمييزَ الساعة المتينة الثمينةِ والسخيفةِ السريعةِ العطبِ متى فَتَحها ونَظَر آلاتها.
لماذا استعصى على الساعاتية في حلب إصلاح ساعة توقَفت، أو احتاجوا إلى قطعةِ غِيار لها غيرِ موجودة، كانوا يلجؤون إليه فيقوم بإصلاحها، أو يَصنَعُ لهم قطعةَ الغِيار المطلوبة.
وقد كنتُ أعتمدُهُ في إصلاح جميع الساعات التي أستعمِلُها سواء اليدوية التي أحملها، أو البيتية التي تعلق على الجدار. وكان يقول في: قلَّما تُسَلَّمُ ساعةٌ إلى ساعاتي ليُصلِحها إلأ ويُحدِثُ بها ضررًا، لأنهم جهلاء، فالساعاتي يجبُ أن يكون خبيرًا في علم الميكانيكا، لأنَّ الساعة وعَمَلها قائمانِ على هذا العلم.
والساعات النسائية الصغيرة جدًا مما لا يتجاوز قُطْرُها الخارجي خمسةَ عَشَر
[ ٢٨٦ ]
ميليمترًا، وشممونها ساعة فَاصُولِيَّة (أي حَجْمُها بقدر حجم حبة الفَاصُوْلِياء)، كثيرًا ما تنكسر فيها إبرة الرَّقَّاص (وهي مِحوَرُه الذي يكون بغلظ الشعرة)، كانوا يأتون بها إليه، فيصنع للرقَّاص مِحْوَرًا من الفولاذ، ويَقُصُّ المكسور ويَثْقُبُ محل المِحوَر بمِثْقَبِه الخاص الذي يصنعه بيده، ويُنزِّلُ فيه المِحور الذي صنعه هو، فتشتغل الساعة!!.
٧ - إلى جانب هذا كله كان خبيرًا ممتازًا في الأسلحة النارية، من بُنْدُقِيَّاتِ
الصيد، إلى المسدَّسات بأنواعها، إلى البُنْدُقيات العسكرية الحربية، من عاديَّة وحَرْكَذِيَّة (أتوماتيكية) (١).
وقد أَحضَر له شخصٌ بُندقيَّةَ صيد معطلة، قد انكسرت فيها قطعة من أجزائها الحركية، وفُقِدَتْ القطعةُ المكسورة، ولا يُعرَفُ شَكلُها، ولا يُوجَدُ نظيرٌ جديد للبندقية، ليَرى شكلَ القِطعة المفقودة فيَصنَعَ مثلَها. فقال له: اتركها عندي إلى الغد. ثم تأمل في أجزائها، وقَدَّر وتَصَوَّر كيف يجب أن تكون القطعة المفقودة حجمًا وشكلًا، لكي تشتغلَ البندقية، وصَنَع القِطعة مستعينًا بكِيْر الحدَّاد لإعطائها شكلها الإِجمالي بالنارِ والمِطْرَقَة، ثم أَكمَل هو في بيته تحريرَها بالصورة النهائية بالمِبْرَد، ثم وَضَعها وثبَّتها في موقع القطعة الأصلية المفقودة، فاشتغلت البندقية!! وجاء صاحبها في اليوم التالي فأعطاه إياها.
وكان سديدَ الرماية بالمسدَّس قلَّما يُخطئ الهدفَ الصغير.
٨ - ومن مزاياه خِبرَتُه الواسعة العميقة في سِقاية الفولاذ بمختلِف أنواعِ السِّقَاية
_________________
(١) أقترحُ وضعَ كلمة (حَركَذِيَّة) لمعنى (أتوماتيكي) التي شاع استعمالها بلفظها الأجنبي في الآليات، وذلك بطريق النحت والتركيب من كلمتين عريتين هما (حَرَكة) و(ذاتِيَّة) لأن الكلمة الأجنبية (AUTOMATIC أتوماتيك) التي تُوصَفُ بها بعضُ الأجهزة الآلية، معناها: متحرك بذاته، (أي يتحرك ويتوقف ويتحول من اتجاه إلى خلافِه تِلقائيًا من ذاته، دون حاجة إلى شخص يحركه وقت اللزوم ويقفه ويحوله). وقد أخذ بعضهم بتعريبها إلى كلمة (أَتْمَتَة) و(أَتْمَتِيّ). وإني أفضل بدلًا من تعريبها هكذا أن ننحت لها من الكلمتين العربيتين (الحَرَكة) و(الذات) فنقول (حَرْكَذَة) و(حَرْكَذِيَّة) كما قال العرب: عَبْشَميّ وعَبْدَليّ، وقالوا: مُحَبْرَم: أي مطبوخٌ بحَبّ الرُّمَّان، وغيرَ ذلك كالمِشلَوْز، للمشمش الذي لُبُّ بِذْرَتِه حُلْوُ مِثل اللَّوْز.
[ ٢٨٧ ]
ودرجاتِها، وتختلفُ درجاتُها جدًا في كلِّ قطعة بحسب وظيفتها، فقطعةُ الفولاذ متى أُحمِيَت في النار حتى الإحمرارِ تنفأ سِقَايتُها وتَفقِدُ قساوتَها ومُرُونتَها، وبعدَ أن تُطَرَّق وهي حمراء لتاخذ شكلها المطلوب تُطفَأ بالماء - تُسقَى -، فتَقْسُو حتى لا يَعملَ فيها المِبرد (١).
ففي النوابض مثلًا (الزنبرك) يجب أن تكون قساوتُهُ لأجلِ مُرونتِهِ ذاتَ درجة معينة. فإذا زادت أو نَقَصت لا يَعمَلُ عمَلَه المطلوب بصورة منتظمة. وسِقايةُ الفولاذ يَختلِفُ تأثيرُها جدًا بحسب درجةِ حرارة القطعة المُحمَاة حين تُغمَسُ في الماء، وبحسب غَمْسِها كلِّها بسُرعةٍ أو تدريجيًا، وبحسب كونها تُسقَى بالماء أو بالزيت.
وقد أخبرني يومًا فا أن أقسى أنواع الفولاذ ما يُسمَّى (فُولاذَ الهوَاء)، وهو نوع إذا أُحمِيَ في النار حتى احمر أو ابيض فانفكت سِقايتُه، وأُخرِجَ من النار ليُمكِنَ العملُ فيه بالطَرق ليُصنَعَ بالشكل المطلوب، فإنه بملامسة الهواء يُسقَى ويقسو دون أن يُغمَس بالماء أو الزيت. فصُنْعُ الأدواتِ والآلاتِ الفولاذية القاسيةِ جدًا من هذا النوع، هو صعبٌ جدًا ويَحتاجُ إلى خِبرة ووسائل فنية وتِقَانَةٍ (٢) عاليةِ المستوى.
_________________
(١) الفولاذ، ويسمى في الإصطلاح العلمي: (الصُّلْب) يتكون من مَعدِن الحديد والفَخم، وتختلفُ قساوتَهُ ومُرونتُه بحسب نسبة الفحم الذي يدخل فيه. والمرادُ وبالمُرونة أن يكون الشيء إذا ضغطته أو شددته أو لَوَيْتَه فغيَّرتَ وضعَه الذي هو عليه ثم تركته يعود إلى وضعه السابق، مثل النابِضِ (الزنبرك)، وقِطعةِ المَطَّاط. فالحديدُ الخالصُ قليلُ المرونة، فلو لَوَيْتَ قِطعةَ منه تبقى ملوية، وهو قليل القَسَاوة أيضًا، فيُلوَى دون أن ينكسر. أما الزجاج فشديد القساوة قليلُ المرونة، فلو لَوَيتَه ينكسر ولا يُغَيِّر الوضع الذي هو عليه.
(٢) نريد بالتِّقَانة معنَى ما يُسمى في لغة العلم الأجنبية (تكنولوجيا): وهي حُسْنُ تطبيقِ القوانين الطبيعية في العمل، بدقةٍ تامة في كلِّ مجال. وقد عرَّبوها اليوم فأسمَوْها (تَقَنِيَّة): وهي تسمية سَيِّئة ومشتبهة. وقد كنت ارتأيت تسميتَها بالعربية (إِتقانًا) أخذًا من قول الرسول - ﷺ -: "إذا عَمِلَ أحدُكم عملًا فليُتْقِنْهُ"، وقولهِ: "إن الله يجب العبدَ المتقِنَ عملَه"، ثم ارتأى الأخ الأستاذ الكريم الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله تسميتَها (تِقَانَة) بكسر التاء، لكي تكون لها صِيغةٌ مستقلَّة غيرُ مشتركةِ مع معنى عام، فرأيتُه أفضل.
[ ٢٨٨ ]
وقال لي في هذه المناسبة: إنَّ صِناعةَ السيوف هي صناعة عاليةُ المستوى، لأنها تَحتاجُ إلى خِبرة فنية عاليةِ وإتقان، لأن سِقايتها وهي طويلة دون أن يعتري قِوامَها خَلَلٌ أو التواء صعبةٌ جدًا.
وقد أراني يومًا مُوْسَى من النوع الذي في نِصابه قِطَعٌ عديدة: نَصْلٌ كبير، ونَصْلٌ صغير، ومِفَكُّ بَراغِي، وبعض آلاتِ أخرى صغيرة، وطولُهُ أقلُّ من فِتْر، وهو في غاية الجمال ودقة الصنعة، وقالمالي: هذا فُولاذُه فُولاذُ هواء، وقد صنعتُه كلَّه بيدي!! فقلت له متعجبًا: كيف أعملتَ فيه مِبردَك ومِيشَارك وآلاتِك وهو متى أُخرِجَت القِطعةُ المُحمَاةُ منه من النار يَسقيها الهواء فتقسو ولا يَعمل فيه المِبردُ ولا الميشار؟ فقال لي: قد اشتغلتُ نصاله الفولاذية كلَّها بالحَجَر لا بالمِبرد والميشار!!.
وقد أُصِيب في أواخر السبعينِيَّات الماضية (بمرض الإكتئاب) فلَزِمَ البيتَ وترك التدريس في المدرسة الخُسْرُويه (الثانويَّة الشرعية بحلب) وسَمِنَ بَدَنُه وترهَّل من عدم الرياضة والحركة. وقد زُرتُه وحاولت إقناعه بالعودة للتدريس فلم أُفلِح. ثم توفي - ﵀ - رحمة واسعة".
انتهى مقالُ شيخنا الأستاذ الجليل مصطفى الزرقا حفظه الله تعالى. وأنت تَرى شيخَنا - وهو العلامة الفقيه - في معرفتِهِ وتعبيرِهِ الوافي الدقيق عن هذه المهارات: ماهرًا فريدًا أيضًا، كأنه من علماء تلك الصناعات.
قال عبد الفتاح: وأُضيفُ إلى ما ذكره شيخنا حفظه الله تعالى وأمتع به، في براعة الشيخ عبد الرحمن، في إصابة الهدف وحِذقِ الرماية: ما كان يفعله - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - مع أخيه الأستاذ الشيخ محمد أبو الخير، حين كان صغيرًا يافعًا، فقد كان يُوقفُه بعيدًا عنه نحوَ أربعة أمتار، ويضعُ على رأسه قطعة النقد السوري، المسماة بـ (الفَرَنْك) قائمًا منصوبًا على حَافَتِهِ، ويأمرُ أخاه بأن لا يتحرك أيَّ حركة.
فيسكُنُ تمام السكون والفَرَنْكُ على رأسه وهو في غاية الطمانينة، فيُطلِقُ الشيخ عبد الرحمن (الخُزدُقَة) من بُندقيتة، فيطيرُ الفرنك من فوق رأس أخيه، ولا يَمسُّ شعرَهُ باي أثر من آثار الخُزدُقة، وهذا شيء من العَجَب العُجَاب، وعنده من هذا الباب في المهارة بمعرفة السلاح والرماية فيه: ما يُدهِشُ الألباب!!
[ ٢٨٩ ]
وكم في الزوايا من خبايا، وحقائقَ مُدْهشاتٍ كالمرايا! وكم لنوابغ الأفراد في العالم من مزايا خاصة في إتقانِ: الرماية، أو اللغات، أو الصناعة اليدوية، أو المهارة الجِسمية، أو الفَطَانةِ الفذَّة العقلية، أو العبقرية الحِفظية: بالنظر أو بالسماع، أو القوة البصرية، أو القوة السمعية، أو سُرعة العَدو القَدَمية، وغيرِها وغيرِها، من مزايا النبوغ في الأفذاذ الأفراد في العالم، لا يُحصيهم إلَّا الله تعالى خالقُهم ورازقُهم سبحانه.
وأنا أُشيرُ إلى أسماء أفراد منهم على ترتيب ذِكري المواهبَ هنا، في الأسطر التالية لتنوير الأذهان، ففي الرماية: كالإِمام الشافعي والإِمام البُخَاري والشيخ أمين الحُسَيني مفتي فلسطين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، فقد كان يكتبُ اسمَه على الجدار بطلَقَات المسدس على أوضح وجه، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، وكالفارابي في معرفة اللغات، وكالإِمام القَرَافىِ والخيَّاطِ في الصناعة اليدوية، وكالمشَّاءِ على الحبل المنصوب في الهواء في المهارة الجسمية، المذكورَيْنِ بقصَّتيهما في مقدمتي لكتابي "صفحات من صبر العلماء"، وكالخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذ سيبويه وخلقِ سواهما في الفطانة العقلية، وكأبي يوسفط القاضي تلميذ الإِمام أبي حنيفة، والإِمام البخاري والدارقطني والحاكم النيسابوري وبديع الزمان الهمَذَاني وخلقِ سواهم في العبقرية الحفظية، وكزرقاء اليمامة في القوة البصرية، وكإبراهيم النَظَّام في القوة السمعية، وكالصحابي الجليل كعب بن مالك وآخَرِينَ من العذَّائين العرب في الجاهلية والإِسلام في سرعة العَدو القَدَمِيَّة إذْ يَسبقون عَنوَ الفَرَس. والله يختص بفضله مِن عِباده من يشاء، ويُودِعُ فيهم من الإِبداع ما يشاء.
ولما أخبرتُ شيخنا الأستاذ الزرقا رعاه الله تعالى، بمهارة الشيخ عبد الرحمن في رميه الفَرَنْكَ عن رأس أخيه بالبندقية، ومهارةِ الشيخ الحاج أمين الحسيني رحمهما الله تعالى، تعجَّب جدًا، وأخبرني بأعجَبَ وأغرب!!
وهو ما شَهِدَه وشَاهَدَه، بعينيه في "السِّيرك": (الألعاب الباهرة) في مدينة إستنبول في صيف عام ١٩٦٧، فقد شاهد فيه رجلًا راميًا هدَّافًا ماهرًا، أقام فتاة صبية أمام جدار من خشب، ووقف بعيدًا عنها نحو مترين، وأمامه جملةٌ كبيرة من السكاكين الحادة الكبيرة، فجعل يرميها سكينًا سكينًا على الخشب بلِضق بَدَنِ الفتاة الواقفة تمامًا،
[ ٢٩٠ ]
حتى رسمها بالسكاكين على الخشب رسمًا، من رأسها إلى قدميها، فكأنّه كان بيده قلمٌ مِرسامٌ يرسُمُ به على الورق بإتقان تام وبراعة.
ثم فَعَل مثل ذلك بطلقاتِ نارية من مسدس صغير بيده، أطلقها وأحاط بها جسم الفتاة الواقفة إحاطة السوَار بالمِعصَم دون خلل أو خطأ.
ثم قام ذلك الرامي الماهر بعمل أدهش وأعجب، فوضع على رأس الفتاة الواقفة على نحو أربعة أمتارِ منه تفاحة، وأخذ بندقيةَ، وأدار ظهره إلى وجه الفتاةٍ، ووجَّه رأس البندقية التي وضعها على كتفه إلى جهة الفتاة، وجعل وجهه إلى مرآةٍ أمامه، وحَدَّدَ الهدف من نظره في المرآة، ثم أطلق البُنْدُقَةَ من بندقيته، فأطارت التفاحة من فوق رأس الفتاة، ولم يُمسَ رأسُ الفتاة بشيء!! انتهى ما شهده وشاهده شيخنا وسمعتُه منه.
ومن أبرز العلماء الأعلام الذين لهم مهاراتٌ خارِقَةٌ، إلىَ جانب إمامتهم في العلم والدين: العلامةُ الفقيهُ الحنفي الضليع، الشيخ محمود حمزة الدمشقي نقيبُ الأشراف ومفتي الشام، المولودُ سنة ١٢٢٦، والمتوفى سنة ١٣٠٥ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، فإنه كان إلى إمامته في العلم خَطَّاطًا ماهرًا دقيقاَ مُتْقِنًا عَجَبًا، كَتَب في سنة ١٢٦٧ جميعَ أسماءِ أهل بدر البالغةِ ٣١٩ اسم، في ورقة على قَدر فَصّ الخاتم، وكَتَب في سنة ١٢٦٨ سورةَ الفاتحة، على ثُلُثَيُ حَبَّةِ أَرُزّ، وكَتَب عليها اسمَهُ وتاريخَ الكتابة، كما في ترجمته الحافلة في "الرحلة الحجازية" للشيخ العلامة محمد السَّنُوسِيّ، المتوفى سنة ١٣١٨ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - ٢٢٧:٣، المطبوعةِ بتونس سنة ١٣٩٨، بعناية الشركة التونسية للتوزيع.
هذا والأعاجِيبُ لا تنتهي، فإنها من إبداع الله تعالى في الأفذاذ من خَلْقِه سبحانه، وتوجَدُ في كل أُمَّة وقَبِيل.
[ ٢٩١ ]