قدم أبو الوليد الباجي إلى موطنه بالأندلس وعنده زاد كافٍ في علم الجدل وآدابه وعلم الشريعة والأصول والعقليات، فضلًا عما كان يتمتع به من قدرات فكرية عالية تؤهله للدخول في مناظرات علمية تكشف للناس الحق وتساعدهم على فهم الحقيقة، وكان الباجي أثناء تنقلاته قد خاض العديد من المجادلات العلمية مع خصوم له سواء في (مرسية) مع أبي حفص عمر بن حسين الهوزني كبير فقهاء إشبيلية (١)، أو (بالدانية) أو (ميورقة) وغيرها من مدن الأندلس، فأقام عليهم الحجة، وأثبت البينة وعزَّزَ الدليل بما حباه الله من إمكانيات فكرية وعلمية تساعده على ذلك، فاكتسب سمعة كبيرة بين العلماء ورجال العلم، الأمر الذي دعاهم إلى الإلحاح عليه لمقابلة أبي محمد ابن حزم (٢) الذي لمع نجمه بالأندلس، عرف فضله وتفوقه العلمي، لما كان يتمتع به من غزارة علم، وقوة ذاكرة، وكثرة إنتاج فكريٍّ في مختلف العلوم والفنون مع تشنيعه على الأئمة وأهل الفضل، فأفرط في القول بظاهر النصوص، وأنكر القياس وتعليل الأحكام وغيرها من ظاهريات أشاعها في ربوع الأندلس، وحصَّنها بقوة بيانه وحماها بحدَّة لسانه، ولم يكن يقوم أحد بمناظرته لجهلهم بعلم الجدل والمناظرة فاستهوى قلوب الناس وأخذ عقولهم، فاغتر بأقواله العامة، وسلَّم الكلام له الخاصة على اعترافهم بتخليطه (٣).
ولما انتدب العلماء أبا الوليد لمناظرته، لبَّى الدعوة وقبلها بعدما عرف من أحواله الكثير، إرادةً منه أن تكون هذه المناظرة سبيلًا لوقف انتشار المذهب الظاهري، ورغبة في ردِّ الاعتبار للأئمة الفضلاء الذين كانوا غَرَضًا للسان ابن حزم.
_________________
(١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦.
(٢) تقدمت ترجمته انظر ص: ٧٥.
(٣) ترتيب المدارلك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٥.
[ ١٠٦ ]
وهكذا التقى الرجلان بمَيُورْقة (١) سنة ٤٣٩ هـ بحضرة الوالي أبي العباس أحمد بن رشيق الكاتب (٢)، وتحت رعايته جرت بينهما مناظرة في موضوعات متفرقة أصولية بصورة خاصة، تصب في مسألة نفي القياس وإبطال الرأي وتعليل الأحكام وما يترتب عن هذه القضايا من فروع فقهية (٣)، وحسب جمهور المترجمين والمؤرخين أن ابن حزم خرج من هذا المجلس مغلوبًا بالحجج والبراهين التي أقامها الباجي وجادل بها خصمه وظهر تفوقه بارزًا (٤)، وفي هذا السياق يقول القاضي عياض: (فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة، وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال فيما بعد) (٥)، وكان من نتائج هذه المناظرة مغادرة ابن حزم لميورقة (٦)، وقدوم المعتضد بن عباد على إحراق كتبه بإشبيلية (٧)، وفي هذا المضمون يقول أبو محمد ابن حزم:
دَعُونِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍّ وكَاغِدٍ وقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي
فَإِنْ تَحْرِقُوا الْقِرْطَاسَ لَا تَحْرِقُوا الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْقِرِطَاسُ، بَلْ هُوَ في صَدْرِي
_________________
(١) (مَيُورْقة): جزيرة في شرقي الأندلس فتحها المسلمون سنة ٢٩٠ هـ (انظر: معجم البلدان لياقوت: ٥/ ٢٤٦. الروض المعطار للحميري: ٥٦٧ - ٥٦٨، مراصد الاطلاع للصفي البغدادي: ٣/ ١٣٤٦).
(٢) انظر ترجمته في: جذوة المقتبس للحميدي: ١٢٢ - ١٢٤. الحلة السيراء لابن الأبار: ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٣) البداية والنهاية لابن كثير: ١٢/ ٩٢.
(٤) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض. ٢/ ٨٠٥. الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦. طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢١١.
(٥) ترتيب المدارك للقاضي عياضى: ٢/ ٨٠٥.
(٦) ولعله غادر ميورقة بسبب وفاة الوالي أبي العباس بن رشيق بعد سنة ٤٤٠ هـ (جذوة المقتبس للحميدي: ١٢٣).
(٧) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦. تاريخ المذاهب الإسلامية لأبو زهرة: ٥٦٠ - ٥٦٢.
[ ١٠٧ ]
يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي ويَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ ويُدْفَنُ في قَبْرِي (١)
والحقيقة أن هذه المناظرة العلمية على الرغم من فوائدها فإن المؤرخين لم يشيروا إلى الموضوعات والقضايا محل المناقشة، بل أحالوا إلى كتاب (فرق
الفقهاء) لأبي الوليد الباجي الذي لم يصل إلينا لذلك يتعذر الكشف عن وجوه المناظرة والظاهر منها بحجة (٢).
هذا ويستبعد أبو زهرة هزيمة ابن حزم حيث يقول:
(ولقد خرج ابن حزم من ميورقة من غير أن يكون مغلوبًا في حجاج، ولكن لأنه فقد النصير المؤيد، ولم يعد الانتصار للحجة والبراهين، بل صار لمن هو أكثر عددًا وأعز نفرًا.
وقد كان الذي يأخذونه عليه أنه يخالف المذهب المالكي، ويشن عليه الغارة، ويضرب بأقوال جمهور الفقهاء الذين يتخذون الرأي منهاجًا فقهيًّا عرض الحائط في عنف وقوة، لأنه لا يعتمد إلا على النصوص، ويحسب في ظنه أنها وحدها الفقه، ولا فقه غيرها، وأنه ليس للعقل أن يخوض إلا في فهمها، فإن خاض فيما وراءها فإنه لا يمكن أن يكون ما يأتي به من الأحكام الشرعية) (٣).
ويقوِّي ذلك أن بعض صور المناظرة التي يرويها المَقَّرِي، وإن كانت متعلقة بمسائل شخصية، إلا أن الظاهر منها أن ابن حزم ليس بالسهل المغلوب، قال: (ولما ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همَّة في طلب العلم، لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة الذهب، وطلبتُه وأنا أسهر بقنديل بائتِ السوقِ، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنك إنما طلبتَ العلم
_________________
(١) نفح الطيب للمقري: ٢/ ٨٢.
(٢) مناظرات بين ابن حزم والباجي للدكتور عبد المجيد تركي: ٢٠.
(٣) تاريخ المذاهب الإسلامية لأبو زهرة: ٥٦٠.
[ ١٠٨ ]
وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرجُ به إلا علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة، فأفحمه) (١).
وحاصل ما سبق أنه يتعذر علينا الحكم بتفوق أحد العَلَمين في مقابلتهما ما دمنا لم نطَّلع على مضمون المناظرة ومحتواها العلمي سوى ما ساقه المؤرخون من نسبة الهزيمة لابن حزم والانتصار للباجي، هذا وبغضِّ النظر عن المتفوق منهما فإن ابن حزم لم يفقد إنصافه اتجاه الباجي، بل نعته بما هو أهله على نحو ما تقدم (٢). قال ابن بسام: (وقد ناظره بميورقة ففلَّ من غَرْبِه، وسبَّب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه فلم يطَّرح إنصافه، أو حاول الرَّد عليه، فلم ينسب التقصير إليه) (٣).