يمكن أن نلمس منهج المؤلف الذي سار عليه في هذا الكتاب على الوجه التالي:
- أولًا: بدأ المؤًلف كتابه (الإشارة)، بعد البسملة والصلاة والسلام على النبي - ﷺ - ببيان أقسام أدلة الشرع حيث قسَّمها إلى ثلاثة أضرب: أصلٌ، ومعقول أصلٍ، واستصحاب حالٍ.
ثم أدرج تحت الأصل: الكتاب، والسُّنة، وإجماع الأمة.
وجعل معقول الأصل يشتمل على: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب.
وأما استصحاب الحال فقسَّمه إلى ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع.
ثم شرع في الضرب الأول من الأصل وجعله قسمين: حقيقة ومجاز.
فبعد أن عرَّف المجاز وذكر أقسامه، وتعرض إلى الخلاف القائم بين العلماء في مسألة وقوع المجاز في القرآن الكريم مرجحًا مذهب الجمهور
[ ١٤٣ ]
القائلين بوقوعه مطلقًا في القرآن والحديث واللغة في الفصل الأول، انتقل - في الفصل الثاني - إلى بيان الحقيقة وقسَّمها إلى مفصل، ومجمل.
وذكر أن المفصل على ضربين: غير محتمل، ومحتمل.
وأوضح - في الفصل الثالث - أن غير المحتمل هو النص، وحدَّه ومثَّل له بآية من القرآن الكريم، ثم انتقل إلى المحتمل فعرَّفه وبيَّن في الضرب الثاني أن
المقصود به الظاهر والعموم لأن اللفظ في أحد محتملاته أظهر منه على سائرها، ثم أوضح أن الظاهر يشمل الأوامر والنواهي، وتعرض بعدهما إلى عموم مباحث العموم والإطلاق وما يقابلهما، ولما انتهى من بيان أحد ضربي الحقيقة بشقيه غير المحتمل والمحتمل انتقل إلى بيان المجمل المفتقر إلى البيان.
هذا، وفي القسم الثاني للأصل تناول السنة الواردة عن النبي - ﷺ - وقسمها إلى: أقوال، وأفعال، وإقرار، ثم انتقل إلى أحكام الأخبار وتعرض لبعض مباحثها من تواتر وآحاد، ومسند ومرسل، وخصص للكتاب والسنة بابًا يتعلق بهما وهو النسخ، تناوله في تسعة فصول. وهكذا واصل خطواته المنهجية في بقية الأبواب سواء المتعلقة بإجماع الأمة وهو آخر أقسام الأصل، أو بأقسام الأخرى وهي معقول الأصل أو استصحاب الحال على ما تقدم.
وفي آخر الكتاب ختمه المؤلِّف ببيان صفة المجتهد وأحكام الترجيح مبينًا أن الترجيح قد يقع في الأخبار أو في العلل، ثم بيَّن أن الأخبار التي تتعارض فلا يمكن الجمع بينهما ولا يعرف المتأخر منها فإن الترجيح فيها يقع في موضعين:
أحدهما: الإسناد، والثاني: المتن.
فالترجيح في الإسناد جعله أحد عشر وجهًا، وكذا الترجيح من جهة المتن، ثم تناول ترجيح المعاني والعلل فجعله أيضًا على أحد عشر ضربًا.
- ثانيًا: راعى المؤلِّف في كتابه الإشارة التيسير والتبسيط، فأشار إلى أهم أبواب أصول الفقه، وأوجز العبارة فى إيراده لمعاني الأدلة سواء النقلية منها
[ ١٤٤ ]
أو العقلية بايجاز غير مخلٍّ، تسهيلًا للفهم، وتمكينًا للقارئ من تحصيل المراد منه دون عناء ولا نصب مكتفيًا بذكر أهم الأقوال في المسألة الأصولية المطروحة، ولذلك سماه (الإشارة في معرفة الأصول، والوجازة في معنى الدليل)، فكانت عبارة المصنِّف علمية دقيقة مسلسة، بعيدة عن التعقيد اللفظي والتعصب المذهبي.
- ثالثًا: يستوعب كتاب الإشارة معلومات أصولية نفيسة، مفيدة للمبتدئ ولا يستغني عنها الباحث، فضلًا عن مجيئه شاملًا لجملة من أقوال علماء المالكية ممن لم تنل اجتهاداتهم حظها من الطباعة والنشر أمثال القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق البصري المتوفى سنة ٢٨٢ هـ وأبي الحسن بن القصار المتوفى سنة ٢٩٨ هـ - وأبي الفرج عمرو بن محمد بن عمرو الليثي المتوفى سنة ٣٣١ هـ وأبي بكر الأبهري المتوفى سنة ٣٧٥. وأبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي المتوفى سنة ٤٢٢. وغير ذلك من علماء المالكية المعروفين بالإجادة والإتقان في علم أصول الفقه وغيره من العلوم الشرعية، وهذا بغض النظر عن أئمة المذاهب الأخرى.
رابعًا: اختصر المؤلف كتاب (الإشارة) من كتابه الكبير المفصَّل في الأصول وهو (إحكام الفصول في أحكام الأصول) غير أنه - حرصًا على تبسيط
الكتاب وتسهيله - لم يسلك فيه نهج المقارنة بين الآراء الأصولية المتعارضة بإيراد أدلتها ثم مناقشتها ونقضها وإبراز الراجح منها كما فعل في الأصل إلا نادرًا، لذلك نراه يبيِّن ما ترجح عنده من الآراء الأصولية المالكية مدعمًا ترجيحه بالحجة النقلية والعقلية، وتارة يكتفي بدليل نقلي أو عقلي.
أما التعريفات الاصطلاحية الواردة في النص فقد استقاها المؤلف كلها من كتابه (الحدود في أصول الفقه)، كما يظهر - أيضًا - رجوع المؤلِّف إلى كتابه في الجدل المسمى (تفسير المنهاج في ترتيب الحجاج) فقد أفاد منه مسائل عديدة منها باب الترجيح.
[ ١٤٥ ]
ولا يخفى تأثر أبي الوليد الباجي بشيخه أبي إسحاق الشيرازي في مسائل تعرض لها في كتبه الأصولية والجدلية وهي: (التبصرة) و(شرح اللمع) و(المعونة في الجدل) كما هو الحال في اصطلاح لحن الخطاب وفحوى الخطاب وإطلاق لفظ الراوي وغيرها، كما اعتمد على كُتبه في نقل الآراء الأصولية للمذهب الشافعي، وعلى كتب شيخه أبي جعفر السمناني في نقل اجتهادات المذهب الحنفي، كما أفاد المؤلِّف من كتاب (التقريب في أصول الفقه) لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني في مسائل عديدة منها: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، وأحكام أفعال النبي - ﷺ - ومسائل أخرى.
وكان للباجي رأي مع الاجتهادات التي يوردها، فإن حصل توافق بينها وبين رأيه أخذ بها وإلا ناقشها وفنَّدها بالحجة والبرهان.
هذا، وإن كان لكتاب (الإشارة) جوانب إيجابية مهمَّة إلا أنه لا يخلو من جوانب أخرى سلبية مؤاخذِ علها - شكلًا ومضمونًا - يمكن أن نشير إليها في النقاط التالية:
* عدم التوازن الحاصل بين الأبواب والفصول، بحيث أننا نجد أبوابًا تتراوح فصولها من ثلاثة إلى أحد عشر فصلًا، وأبوابًا أخرى بفصل واحد فريد كباب أحكام الاستثناء، وباب بيان الأسماء العرفية، وباب أحكام الترجيح، وأبوابًا ثالثة مجرَّدة تمامًا عن الفصول: كباب حكم المطلق والمقيد وما يتصل بالخاص والعام، وباب حكم المجمل، وتارة نجد بعض المباحث الأصولية معراة عن الأبواب والفصول كمسائل النهي.
ومما تجدر ملاحظته - أيضًا - أن المؤلف قد يقسِّم المسألة إلى ضربين أو أكثر فيترك الضرب الأول ضمن الباب والأضرب الأخرى يجعلها ضمن فصول مثل ما فعل في باب الكلام في معقول الأصل، وقد يعمد - أحيانًا - إلى تقسيم المسألة قسمين، يضع القسم الأول في فصل والثاني في باب، مثل الذي حصل في باب أحكام الترجيح. وهذه المنهجية معيبَة من الناحية الشكلية.
[ ١٤٦ ]
* إقحام المؤلِّف بعض الفصول ضمن أبواب غير أصلية لها، إذ كان الأولى تخصيص باب مستقل لها، وذلك كالفصل المتعلق بالتعارض والترجيح حيث أن المؤًلف أدرجه في باب العموم وأقسامه.
ولا يخفى ما جرت به عادة علماء الأصول عند تعرضهم لمسألة التعارض والترجيح أن يضعوها في باب مستقل ويؤخِّرونها مع أواخر المباحث الأصولية وهو مكانها الأصلي لها.
* اقتصار المؤلِّف في مؤلَّفه على أقوال وآراء علماء المذاهب الثلاثة الحنفي والمالكي والشافعي من غير أن يتعرض للمذهب الحنبلي، ولعلَّ اقتصاره هذا - في تقديري - جاء نتيجة اطلاعه على الاجتهادات الأصولية لعلماء المذاهب الثلاثة من خلال تلْمذَته على شيوخه من الحنفية والمالكية والشافعية.
* عدم إشارته إلى كون المسألة مختلفًا فيها في العديد من المسائل، وإنما يكتفي بذكر القول منسوبًا لأهله ومقرونًا بدليله كمسألة تخصيص العموم بخبر الواحد، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي وفحوى الخطاب ولحن الخطالب والحصر وغيرها.
* ومن مؤاخذات المؤلِّف أنه يورد الحديث الصحيح بصيغة التضعيف والتمريض كقوله: (روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس). وقوله: (فمثل ما روي عن النبي - ﷺ -: (أنه سئل عن بئر بُضاعة فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وتكرر ذلك في غالب الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في النص.
ولا يخفى أن هذه الطريق مغايرة لمنهج العلماء المحققين من أهل الحديث الذين يميِّزون بين صيغتين عند إيراد الحديث:
- صيغة الجزم موضوعة للصحيح والحسن.
- صيغة التمريض موضوعة لما عداهما.
[ ١٤٧ ]
وهذا أدب أخلَّ به جماهير أصحاب العلوم ما عدا حذاق المحدثين (١).
* حكاية المؤلِّف عدم اختلاف العلماء في مسألة اعتبار تبعية الجواب غير المستقل بالسؤال أو الحادثة في العموم والخصوص، والعلماء في ذلك مجمعون على تبعية الجواب غير المستقل بالسؤال أو الحادثة في عمومه، وأما الاعتبار في خصوصه فالصواب أنه محل نزاع بين العلماء، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء وهو المختار عند الجمهور.
* يلاحظ أن المصنِّف أطلق اصطلاح لحن الخطاب على دلالة الاقتضاء وهو من المنطوق غير الصرح تبع في ذلك شيخه أبا إسحاق الشيرازي، ونلفت النظر هنا إلى أن لحن الخطاب يختلف إطلاقه باختلاف مقصود كل أصولي، فكما أطلقه الباجي وغيره على دلالة الاقتضاء أطلقه آخرون على مفهوم المخالفة كما فعل الإسنوي، أو على المساوي من مفهوم الموافقة كما جاء عن الشوكاني إطلاقه، وسوَّى الآمدي وابن الحاجب بين لحن الخطاب وفحواه.
هذا، ولم يتفق العلماء - أيضًا - على اصطلاح واحد في فحوى الخطاب، فقد أطلقه المصنف على مفهوم الموافقة وهو إطلاق الأكثرين، ويسمى أيضًا بتنبيه الخطاب، ومفهوم الخطاب على ما سماه به أبو يعلى والكلواذاني كما يطلق فحوى الخطاب على الأولوي، ويسوِّي بعض العلماء بين لحن الخطاب وفحواه على ما تقدم.
* لم يعيِّن المصنِّف المراد بالراوي هل هو مخصوص بالصحابي أم أعم؟، كما جعل المصنف لفظ الحصر واحدًا وهو (إنما) وهو ما ذهب إليه الباقلاني وجماعة من المتكلمين خلافًا لشيخه أبي إسحاق الشيرازي وغيره الذين يذهبون إلى أن للحصر أدوات غير (إنما) منها: تقدم النفي قبل أدوات الاستثناء،
_________________
(١) انظر: المجموع للنووي: ١/ ٦٣. فتح المغيث للسخاوي: ١/ ٥٤. قواعد التحديث للقاسمي: ٢١٠.
[ ١٤٨ ]
وتقديم المعمولات، والمبتدأ مع الخبر، وفي هذا المضمون لم يشر المصنِّف إلى حصول الاختلاف بين العلماء في إفادة مفهوم (إنما) للحصر أم لا؟ كما لم يشر إلى أن المثبتين للحصر اختلفوا في الجهة التي تدل عليه أهي النطق أم الفهم؟
هذا ما وقفت عليه من ملاحظات عامة حول منهجية المصنف في هذا الكتاب، وقد أشرت إلى بعضها على هامش النص المحقَّق.
[ ١٤٩ ]
المخطوطة رقم (١)
[ ١٥٠ ]
المخطوطة رقم (٢)
[ ١٥١ ]
المخطوطة رقم (٣)
[ ١٥٢ ]
القسم التحقيقي
[ ١٥٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
بَابُ