كانت للمناظرات العلمية التي أجراها أبو الوليد الباجي بالأندلس، وظهور تآليفه الأصولية والفقهية، وانتشار علمه وذيوع صيته، فضلًا عن اتصافه بالدِّيانة والتقوى وما يتميز به من صفة خَلقية في هيئته وسمته ووقاره، الأثر البالغ في نفوس الناس، كما كان تكوينه العلمي والأدبي محل ثقتهم، الأمر الذي فسح للحكَّام مجالًا - بعد بروز نجمه - ليتصلوا به ويتقربوا إليه ويطلبوا صحبته، وفي هذا المضمون يقول ابن خاقان:
(فتهادته الدول، وتلقَّته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدَّل من يانع بناضر) (٣).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٠ - ٥٤١.
(٢) انظر ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٥ - سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٠ طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢١٠. الفكر السامي للحجوي: ٢/ ١/ ٢١٧.
(٣) قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٥.
[ ١١٥ ]
وقد استعمل في حفظ الأمانات، وولاه عمر بن محمد المتوكل بالله بن الأفطس أماكن متفرقة من الأندلس لأداء مهمة القضاء وفك المنازعات بين الناس، منها (أريولة) وأشباهها من الأماكن التي تصغُر عن قدره ومنزلته (١).
ونتيجة لاحتكاكه بالحكام وتوليته لمنصب القضاء، وقبوله لهداياهم وجوائزهم - وهم له على غاية البرِّ - تحسَّنت حالته، واتسعت ثروته ومات على مال وفير (٢)، ولم يكن ذلك ذريعة للتعلق بالدنيا وزخرفها بل لم يزل زاهدًا ومنقطعًا عن الدنيا متعلقًا بالآخرة، ومن شعره ووصيته لولديه ما يفيد ذلك.
هذا، وقد تسببت علاقته بالحكام في إثارة البغضاء والحقد والحسد، وكثُر القائل فيه، وأصبح عرضة لطعون الطاعنين لتعامله وموالاته للحكام مع ما كان عليه حالهم من شقاق وخلاف. ولا يخفى أن الإمام أبا الوليد الباجي لم يسْعَ للتودد للحكام ولا طلب عطاياهم، ولكنه لما قرَّبوه لم يمتنع لما في ذلك من إمكانية النصح لهم وإرشادهم وجمع كلمتهم، وهو من أهل العلم والأمانة، عليه واجب النصح خاصة والأندلس تعيش أزمات كثيرة وتقلبات سياسية، وقد وصف ابن بسام هذا الجوَّ المفعم بالفتن والاضطرابات السياسية بقوله: (فورد وعشبُ بلادها نابٌ وظفرٌ، وصوبُ عهادِها دمٌ هَدَرٌ، ومالها لا عينٌ ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواءُ أهلِها ضغائنُ وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد) (٣)، فكان أبو الوليد الباجي يعمل بمبدأ لزوم جماعة المسلمين والاعتصام بها، وعدم
_________________
(١) ترتيب المدارك: للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٥. بغية الملتمس للضبي: ٢٨٤. المرقبة العليا للنباهي: ٩٥. طبقات الداودي: ١/ ٢٠٩. الديباج المذهب لابن فرحنون: ١٢٠ - ١٢١. الروض المعطار للحميري: ٦٧. طبقات المفسرين للسيوطي: ٥٣. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٧.
(٢) وكان ابنه أبو القاسم أحمد يرى أن هدايا وجوائز الحكام مال مشبوه وليس حقًا خالصًا من الشوائب لذلك تخلى عن تركة أبيه الواسعة وتورع عن الأكل منها (انظر سير أعلام البلاء للذهبي: ١٨/ ٥٤٦).
(٣) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٥.
[ ١١٦ ]
الخروج عن طاعة الإمام ولو كان جائرًا ظالمًا ما لم تكن طاعته في معصية الله تعالى، لا سيما مع إمكانية تصويب الإمام في انزلاقاته والصدع بالحق أمامه.
وقد كان الباجي على بصيرة فيما هو فيه، ويمكن أن نلتمس نظرته لهذا الموضوع من خلال ما أورده أبو العرب عبد الوهاب البقساني بسنده إلى القاضي أبي الوليد الباجي أنه كان يقول، وقد ذكرت له صحبة السلطان: (لولا السلطان لنقلتني الذرُّ من الظل إلى الشمس، أو ما هذا معناه) (١)، ومن خلال وصيته لولديه - أيضًا - حيث جاء فيها: (واجتنبا صحبة السلطان ما استطعتما أو تحريا البُعد منه ما أمكنكما، فإنَّ البعد عنه أفضل من العز بالقرب منه، فإن صاحب السلطان خائف لا يَأمن، وخائن لا يُؤمَن، ومسيء إن أحسن، يخاف منه، ويخاف بسببه، ويتهمه الناس من أجله، إن قرب فتن، وإن أبعد أحزن، يحسدك الصديق على رضاه إذا رضي، ويتبرأ منك ولدك ووالدك إذا سخط، ويكثر لائموك إذا منع، ويقل شاكروك إذا شبع، فهذه حال السلامة معه، ولا سبيل إلى السلامة ممن يأتي بعده، فإن امتحن أحدكما بصحبته، أو دعته إلى ذلك ضرورة فليتقلل من المال والحال، ولا يغتب عنده أحدًا، ولا يطالب عنده بشرًا، ولا يعصِ له في المعروف أمرًا، ولا يستنزله إلى معصية الله تعالى، فإنه يطلبه بمثلها، ويصير عنده من أهلها، وإن حظى بمثلها في الظاهر فإن نفسه تمقته في الباطن). هذه خلاصة تجربته في صلته بالحكام وزبدة خبرته.
عاش أبو الوليد حينًا في بلاط (ميورقة) بعد استجابته لدعوة الميورقيين لمناظرة ابن حزم، وحينًا (بسرقسطة) عندما استدعاه المقتدر بالله أبو جعفر أحمد ابن سليمان بن هود بعد توليته الحكم بها (٢)، وحينًا آخر (ببطليوس) عند المتوكل بالله عمر بن محمد آخر حكام بني الأفطس.
ونزل أبو الوليد الباجي بدعوة من المقتدر بالله بأفخم قصور ملوك الطوائف
_________________
(١) نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٣.
(٢) دول الطوائف لعنان: ٤٣٣.
[ ١١٧ ]
وكان المقتدر بالله يتمتع بمستوى علمي راقٍ ميَّال إلى العلم محب للعلماء، لذلك عقد لمشاهير علماء وكتاب عصره مجالس في بلاطه (١).
وكان المقتدر بالله يدني أبا الوليد الباجي في مجلسه ويجلُّه ويقدِّره، وفي ذلك الوقت تهيأت له الظروف للتأليف والتصنيف والإقراء، وفي هذا المضمون يقول ابن خاقان:
( ثم استدعاه المقتدر بالله فسار إليه مرتاحًا، وبدا في أفقه ملتاحًا، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه، وبدا وخده في سبل العلم وإيضاعه، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه، وإيثاره لحضرته باستيطانه، ويحتفل في ما يرتبه له ويجريه، وينزله في مكانه متى كان يوافيه) (٢).
وفي تلك الفترة ندب المقتدر بالله أبا الوليد الباجي للردِّ على رسالة الراهب الفرنسي التي تضمنت دعوة المقتدر بالله إلى الإيمان بالمسيح عيسى بن مريم ﵇، فقام أبو الوليد الباجي بالرد عليه مفنِّدًا عقيدة التثليث ومبطلًا دعوة النصرانية معتمدًا في ذلك على الأدلة والبراهين القوية، وأوضح له في آخر الردِّ عدْلَ الإسلام وفضله ووجوب الانضواء تحت لوائه (٣).
وفي بطليوس كان عمر بن محمد المتوكل بالله إلى جانب قدراته السياسية وبطولاته العسكرية يتمتع بإمكانيات علمية وأدبية عالية حتى أنه هيَّأ بلاطه الزاهر للعلماء وبسطه للأدباء، فكان قصره الملكي شبيهًا بجامعة أدبية علمية (٤).
والظاهر أن صلته بأبي الوليد الباجي كانت مبنية على الناحية العملية أكثر
_________________
(١) وبالرغم من هذه الخصال المحمودة التي كان يتحلى بها المقتدر بالله إلا أن له مؤاخذات عديدة ومخالفات سياسية منافية لتعاليم الشريعة الإسلامية قادحة في شخصيته (انظر البيان المغرب لابن عذارى: ٣/ ٢٢٣ - ٢٢٩. دول الطوائف لعنان: ٢٧٦ - ٢٧٩).
(٢) قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٥.
(٣) دول الطوائف لعنان: ٢٨٢.
(٤) أعمال الأعلام لابن الخطيب: ١٨٥ - ١٨٦. المعجب للمراكشي: ١١١. دول الطوائف لعنان: ٨٨ - ٩٣.
[ ١١٨ ]
منها علمية متمثلة في مهام ميدانية، فقد أسند إليه مهمة القضاء وكلفه به، ثم ندبه ليطوف بحواضر الأندلس قصد توحيد جهود المسلمين وجمع كلمة الملوك ولمِّ الشعث والوقوف صفًا واحدًا متراصيًّا ضد ألفونس السادس العدو المشترك الذي كان يتربص بهم الدوائر بعدما قويت شوكته، وتكتفت ضغوطه على طليطلة (١).
وفي سبيل هذه القضية المطلوبة شرعًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) وغيرها من النصوص فقد بذل أبو الوليد الباجي قصارى جهده، واستفرغ كل وسعه، فطاف على ملوك الطوائف مؤديًا واجب النصح للأئمة وواعظًا ومنذرًا لهم من عواقب التشتت والتفرق والخلاف، ومظهرًا لهم خطر عدوهم ووجوب صد العدوان، وكان الملوك يُبدون له التقدير والإجلال ظاهرًا ويستبردون نزعته باطنًا، وما كان ذلك ليضيره فقد أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح الأمة، وفي هذا السِّياق يقول ابن بسام: ( على أنه لأوَّل قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصِلة ما انبتَّ من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعونَ لو صادف أسماعًا واعية، بل نفخ في عظام ناخرة، وعَكَفَ على أطلال داثرة، بيد أنه كلَّما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظَّه بالتأنُّس والتقريب، وهو في الباطن يَسْتَجْهِلُ نَزْعَتَهُ، ويَسْتَثْقِلُ طَلْعَتَه، وما كان أفْطَنَ الفقيه ﵀، بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالًا تثوب، ومذنبًا يتوب) (٣).
وعملًا بالمبدأ الشرعي السابق، فلم يزل أبو الوليد الباجي في سفارته بين ملوك الطوائف مجتهدًا يؤلفهم على نصرة الإسلام، ونبذ أحقادهم، وجمع
_________________
(١) الحلة السيراء لابن الأبار: ٢/ ٩٨.
(٢) جزء من آية ١٠٣ من سورة آل عمران.
(٣) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ٢/ ٩٥ - ٩٦.
[ ١١٩ ]
وجمع كلمتهم، والاستعانة بجيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين لصدِّ العدو الصليبي حتى وافاه أجله قبل تمام غرضه وتحقيق رغبته (١).
هذا، وإن اشتغال أبي الوليد الباجي بالمهام القضائية والأمانات والسفارة بين ملوك الطوائف لإصلاح ذات البين لم يمنعه ذلك من نشر العلم وبث المعرفة وتأليف الكتب وتدريسها (٢).
***
_________________
(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٨. الفكر السامي للحجوي: ٢/ ٤/ ٢١٧.
(٢) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦.
[ ١٢٠ ]