لا خلاف بين علماء التراجم في أن أصل آباء أبي الوليد من مدينة بَطَلْيوَس (٢) ولكن محل الخلاف في مسقط رأسه هل كان في هذه المدينة أم في غيرها، وقد ترتب على هذا الخلاف ثلاثة آراء متباينة تتمثل في الآتي:
- القول الأول: إن مسقط رأسه بِبَطَلْيَوس، ثم رُحل به في صباه إلى باجة الأندلس، ثم انتقل بعدها إلى قرطبة وهو قول القاضي ابن أبي الخير (٣) وتبعه ابن خلكان (٤).
- القول الثاني: إن مسقط رأسه بباجة الأندلس بعد انتقال أجداده من بطليوس، ومن باجة الأندلس انتقل إلى قرطبة مع أسرته. وهو ظاهر قول الجمهور (٥).
- القول الثالث: إن مسقط رأسه بقرطبة، وأصله من بطليوس، ثم انتقل أجداده
_________________
(١) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢.
(٢) ترتيب المدارلك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٢. معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٤٧. فوات الوفيات للكتبي: ٢/ ٦٤. الديباج المذهب لابن فرحون: ١٢٠. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٣٦. طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢٠٨. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٧٦.
(٣) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢. وهو أحد تلاميذ الباجي انظر ترجمته في ص ٨٨.
(٤) وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٩.
(٥) الإكمال لابن ماكولا: ١/ ٤٦٨. الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٤. معجم الأدباء لياقوت: ١١/ ٢٤٧. اللباب لابن الأثير: ١/ ١٠٣. طبقات المفسرين لداودي: ١/ ٢٠٨. الديباج المذهب: ١٢٠. نفح الطيب للمقري: ٧٦.
[ ٣٣ ]
إلى باجة الأندلس، ومنها إلى قرطبة. وهو ظاهر قول ابن بشكوال (١).
وفي تقديري أن القول الأول أرجح الأقوال السابقة للأسباب التالية:
١ - ورود تحديد مكان ولادته مقيدًا بخط القاضي محمد بن أبي الخير والكتاب يقضي بولادته ببطليوس (٢).
٢ - ذكر غالبية التراجم أن أصله بطليوس ثم انتقلوا إلى باجة الأندلس ثم سكنوا قرطبة ليس فيها قطع بتحديد محل ولادته.
٣ - أما تصدير ابن بشكوال: (أنه من أهل قرطبة) (٣) على أن مسقط رأسه بها فهو مجرد رأي يفتقر إلى دليل يعضده، بل قد روى عن شيخه محمد بن أبي الخير ما يعارضه إذ أن وجادته على شيخه قاطعة في المسألة يتعذر معها حمله على أن محل ولادته قرطبة، ومع ذلك قد لا يعني بهذا التصدير سوى ذكر أواخر منازله التي اشتهر فيها وهي قرطبة، والأمر محتمل.
٤ - أما نصوص المترجمين المشعرة بأنه من مواليد باجة الأندلس فهي مفاهيم مستوحاة من هذه النصوص تدع مجالًا للتردد فيها.
هذا والذي تطمئن إليه النفس هو القول الأول من حيث ورود التحديد مثبتًا ومقيدًا بصورة واضحة وصريحة بخلاف النصوص الأخرى فهي مجرد مفاهيم نافية للقول الأول ومثبتة لما عداه. ولا يخفى أن المنطوق مقدم على المفهوم، والمثبت أولى من النافي كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
وإلى هذا القول ذهب المراغي (٤)، وكحالة (٥)، ومحمد عنان (٦).
***
_________________
(١) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠١.
(٢) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢.
(٣) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠١.
(٤) الفتح المبين للمراغي: ١/ ٢٦٥.
(٥) معجم المؤلفين لكحالة: ٤/ ٢٦١.
(٦) دول الطوائف لمحمد عنان: ٤٣٣.
[ ٣٤ ]