يعد أبو الوليد الباجي من أقطاب المعرفة، وفحول العلماء، وأعلام الصلاح والتقوى، فكان مثالًا جليًّا للحركة العلمية المزدهرة في عصره، وقد أجمع أهل عصره على جلال قدره علمًا وفطنة ودينًا وفضلًا وخلقًا.
وقد رأينا بيانًا لرقي مرتبة الباجي وإظهارًا لسمو منزلته بين أهل العلم والفضل في القرن الخامس الهجري، الإدلاء بشهادات أطلقها أقرانه وتلاميذه.
وفحول العلماء بالثناء على شخصيته العلمية.
وتتمثل شهادات العلماء فيما يلي:
- قول أبي محمد علي بن حزم الظاهري (١):
(لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد القاضي عبد الوهاب (٢) مثل أبي الوليد الباجي (٣). (٤)
_________________
(١) تقدمت ترجمته انظر ص: ٧٥.
(٢) ستأتي ترجمته انظر ص: ١٧٢.
(٣) الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦. نفح الطيب للمقري: ٢/ ٦٩. شجرة النور لمخلوف: ١/ ١٢٠.
(٤) ويظهر من هذا القول إنصاف ابن حزم على الرغم مما جرى بينهما من مناظرة واعتقاد ابن حزم خلافه في الرأي مع قوة بيانه وحِدَّة لسانه، وفيه تصوير لحسن خُلُق أسلافنا وصفاء ضمائرهم.
[ ١٠٠ ]
- ما كتبه الوزير الأديب أبو محمد بن عبد البر (١) عن مجاهد العامري أمير (دانية) إلى المظفّر (بيطليوس) حيث يصفه بقوله:
( والفقيه الحافظ أبو الوليد الباجي غَذِيُّ نعمتِك، ونشأةُ دولتك، هو من آحاد عصره في علمه، وأفراد دهره في فهمه، وما حصل أحد من علماء
الأندلس متفقهًا على مثل حَظِّه وقسمه، وقد تقدَّم له بالمشرق صيتٌ وذِكرٌ، وحصل بجزيرتنا ولك فيه جمالٌ وفخرٌ، فإنه إليك تنعطفُ أسبابه، وعليك تلتقي وتلتفُّ آرابه، لكن شددت عليه يدي، وجعلته عَلَمَ بلدي، يُشاوَرُ في الأحكام، ويهتدى إليه في الحلال والحرام، فقد ساهمتك به، وشاركتك فيه، كما تساهمنا وتشاركنا في الأحوال السلطانية، والأمور الدنياوية) (٢).
- ما جاء عن تلميذه القاضي أبي عليّ الصَّدفي (٣) في حق شيخه:
(ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدًا على سمته وهيئته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قَدِم ولده أبو القاسم أحمد، فسِرتُ معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي؟ قلتُ: نعم. فأقبل عليه) (٤). وقال: (هو أحد أئمة المسلمين) (٥).
_________________
(١) هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد البر النمري القرطبي. الأديب البارع من أهل الفطنة والذكاء والعلم توفي سنة ٤٥٠ هـ. (انظر ترجمته في الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٧٩. جذوة المقتبس للحميدي: ٢٦٨).
(٢) انظر: الذخيرة لابن بسام: ٢/ ١/ ٩٦ - ٩٧.
(٣) تقدمت ترجمته انظر ص: ٨١.
(٤) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ٢/ ٨٠٤. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٣٩. تذكرة الحفاظ للذهبي: ٣/ ١١٨٠. الديباج المذهب لابن فرحون: ١٢١. طبقات المفسرين للداودي: ١/ ٢١٠ - ٢١١، نفع الطيب للمقري: ٢/ ٧٤.
(٥) الصلة لابن بشكوال: ١/ ٢٠٢.
[ ١٠١ ]
- وقال عنه الأمير الحافظ أبو نصر بن ماكولا (١) ما يلي:
(وذو الوَزارتين القاضي الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف بن أيوب الباجي من باجة الأندلس، متكلم فقيه أديب شاعر، ورجع إلى الأندلس فروى، ودرس وألَّف، فقرأت عليه كتاب التمييز لمسلم عن أبي ذر الهروي، وحضرت مجالسه، وكان جليلًا، رفيع القدر والخطر) (٢).
- ما جاء عن أبي بكر بن العربي عند ذكره لقاصمة في حكاية سبب الخبال والفتنة التي انتشرت في ربوع الأندلس من جراء التقليد المطلق وما نتج
عنه من جمود فكري وتعصب مذهبي، حيث يقول:
( وكان سبب ذلك أن الفتن لما ضربت رواقها، وتقاتلت العباسية والأموية، وبعدت أقطار الإسلام، وتعذر ضبطها بالنظام، وانتشرت الرعية، نفذ
إلى هذه البلاد بعض الأموية فألزموا الناس العمل بمذهب مالك، والقراءة على رواية نافع، ولم يمكنهم من النظر والتخيير في مقتضى الأدلة واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، فكل من تخصص لم يقدر على أكثر من أن يتعلق ببدعة الظاهر ثم حدثت حوادث لم يلقوها في منصوص المالكية فنظروا
_________________
(١) هو أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر العِجلي الجرباذقانيُّ. الأمير الحافظ الناقد النحوي الشاعر. من مصنفاته: (الإكمال في عارض الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب) و(تهذيب مستمر الأوهام) توفي سنة ٤٨٧ هـ انظر ترجمته في: معجم الأدباء لياقوت: ١٥/ ١٠٢ - ١١١. الكامل في التاريخ لابن الأثير: ١٠/ ١٢٨. وفيات الأعيان لابن خلكان: ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦. فوات الوفات للكتبي: ٣/ ١١٠ - ١١٢. سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٨/ ٥٦٩ - ٥٧٨. دول الإسلام للذهبي ٢/ ١٧. مرآة الجنان لليافعي: ٣/ ١٤٣ - ١٤٤. البداية والنهاية لابن كثير: ١٢/ ١٢٣ - ١٢٤، ١٤٥ - ١٤٦ طبقات الحفاظ للسيوطي: ٤٤٣ - ٤٤٤. هدية العارفين للبغدادي: ٥/ ٦٩٣. الرسالة المستظرفة للكتاني: ١١٦. مقدمة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي على الإكمال لابن ماكولا: ١٨ وما بعدها.
(٢) الإكمال لابن ماكولا: ١/ ٤٦٨.
[ ١٠٢ ]
فيها بغير علم فتاهوا، وجعل الخلف منهم يتبع السلف، حتى آلت الحال ألا ينظر إلى قول مالك، وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل
قرطبة، وأهل طلمنكة وحدثت قاصمة أخرى تعلم العلم ولولا أن طائفة نفرت إلى دار العلم، وجاءت بلباب منه، كالأصيلي والباجي، فرشت من ماء العلم على القلوب المجة، وعطرت أنفاس الأمة الوفرة لكان الدين قد ذهب ولكن تدارك الباري بقدرته ضرر هؤلاء بنفع أولائك) (١).
- ووصفه الفتح بن خاقان بقوله:
(بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يُزحم، ومنيرها الذي يتجلى به ليلها الأسحم، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع أنجاده وأغواره) (٢).
- وفي وفيات الأعيان قال ابن خلكان:
( كان من علماء الأندلس وحفاظها) (٣).
- وقال الضَّبي:
(فقيه محدث، إمام متقدم، مشهور عالم، متكلم) (٤).
- وجاء في ترتيب المدارك وصفًا لمكانة الباجي العلمية، حيث يقول القاضي عياض ما يلي:
(كان أبو الوليد ﵀، فقيهًا نظَّارًا محققًا، راوية محدثًا، يفهم صيغة الحديث ورجاله، متكلمًا أصوليًا، فصيحًا شاعرًا مطبوعًا، حسن التأليف، متقن
المعارف، له في هذه الأنواع تصانيف مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها
_________________
(١) العواصم من القواصم لابن العربي: ٢/ ٤٨٨ - ٤٩٣.
(٢) قلائد العقيان لابن خاقان: ٢١٥
(٣) وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٤٠٨.
(٤) بغية الملتمس للضبي: ٣٠٣.
[ ١٠٣ ]
الفقه وإتقانه، على طريق النظار من البغداديين وحذّاق القرويين، والقيام بالمعنى والتأويل، وكان وقورًا بهيًّا مهيبًا، جيِّد القريحة حسن الشارة) (١).
- منها ما جاء عن الفقيه محمد بن أحمد اللخمي (٢) في معرض تصويب رأي أبي الوليد الباجي في مسألة إجازته الكتابة على النبي الأمي حيث يقول في خطابه:
(ولا يجوز أن يؤذى إمام من أئمة المسلمين، معروف خيره وفضله، وصحة مذهبه، وعلمه بالفقه والكلام) (٣).